|
الكاتب/ سجاد حيدر مهدي ـ العدد (89)
|
قال الله تعالى:(ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) ( سورة الشمس: آية 7-11)
يذكر اللغويون أكثر من معنى للفظ الزكاة، أشهرها معنيان: الأول: النماء والزيادة قال في المعجم الوسيط: زكا الشيء، زكوَّا، وزكاءً، وزكاةً: نما وزاد (المعجم الوسيط:396، مادة(زكا))ومنه قوله: زكاة العلم بذله، أي: زيادته، وكذا قولهم: البركة هي النماء والزيادة غير المحسوسة، أي: غير المترقبة والمحسوبة. الثاني:الطهارة قال العلامة الطريحي: التزكية: التطهير من الأخلاق الذميمة الناشئة من شر البطن، والكلام، والغضب، والحسد، والبخل، وحب الجاه، وحب الدنيا، والكبر، والعُجب... وفي الغريب(قد أفلح من زكاها) أي: ظفر من طهَّر نفسه بالعمل الصالح(مجمع البحرين1: 203 مادة (زكا)). والمعنى الثاني هو محل حديثنا، وهو غاية الصالحين، ومنى الموالين، بل إن الرسالات الإلهية ومنها الرسالة الخاتمة رسالات ذات مضمون وقاعدة أخلاقية تزكوية، وهذه القاعدة الأخلاقية لها دور مهم في وحدة المجتمع الإنساني من ناحية، وتماسك هذا المجتمع من ناحية أخرى, حتى يمكن أن نقول إن الرسالة الإلهية هي رسالة أخلاقية، وهذا ما أشار إليه رسولنا الكريم بقوله: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) ( بحار الانوار68: 382عن معاني الإخبار). وتدخل المسألة الأخلاقية في مختلف الأبعاد سواء كانت في البعد الفردي للإنسان وتكامله في مسيرته الذاتية أم -كما قلنا- في البعد الاجتماعي، بل تصل هذه القضية الحساسة وتتعدى حتى إلى خارج المذهب الواحد والطرف المقابل والمضاد، والقران الكريم يشير إلى أن السبب في قبول الدعوة الخاتمة والكاملة لدى المجتمع الجاهلي كان يكمن وراء الأخلاق، قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) ( سورة آل عمران: آية 159) وضرب نبينا الكريم أروع الأمثلة في خلقه وسلوكه وتعامله مع الآخر حتى ورد له (صلى الله عليه وآله وسلم) في القران أعظم مدح حين قال تعالى:(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ( سورة القلم: آية 4). ولو أردنا بحث مسألة الأخلاق من جذرها لوجدناها ثابتة منذ النشأة الأولى، فعندما خلق الله تعالى الإنسان وميزه على جميع مخلوقاته بصفة مركبة أودعها في جبلته، وهي: (العقل والاختيار) انطوت نفسه على معادلة خطرة أطرافها متباينة، فقد يبلغ بها إلى عنان الكمال فيصبح قاب قوسين أو أدنى، وبذلك استحق أن يكون خليفة الله، وقد يتسافل إلى درجة الانعام بل هم اضل سبيلا. وبلطف الله ومنّه على هذا المخلوق لم يتركه لعقله -وحده- يسيره إلى طريق الهدى ، كما ينقل عن بعض علماء اليونان الذين آمنوا بالله تعالى بواسطة عقولهم، بل بعث أنبياء ورسلا يبلغون رسالات ربهم بطريقة لا تحيد ولا تنقص، وبذلك سهّل المولى على عباده الاسترشاد إلى الهداية، ولولا هذا الفضل والهدى والطريق الذي خطه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين لأتبعوا الشيطان، قال تعالى: { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} ( سورة النساء: آية 83). ومنذ ذلك الوقت يخوض الانسان صراعاً مريراً في حياته وطريقه نحو عبادة الله تعالى في جبهتين داخلية ذاتية مع نفسه –ما يسميه الإسلام (الهوى) ويقابله الإيمان- وجبهة خارجية أي خارج نفسه -ويسميه الإسلام (الطاغوت) ويقابله الرحمن- وكلاهما (الهوى والطاغوت) عدوان يلعبان دوراً واحداً مع الإنسان، وهو صده ومنعه من الاقتراب إلى الله تعالى وعبادته. وللتغلب على هذين العدوين لابد من خوض معركة مليئة بالمعاناة المريرة مع نفسه أولا –أي الهوى- لكي يستطيع أن يتغلب على العدو الثاني -أي الطاغوت– ولا يصلح تجاوز احدهما أو البداية من الثاني، لان الجبهة الثانية إذا كانت غير محصنة بانتصارها على الهوى تفشل بالتأكيد مع الطاغوت، بل ترضخ له وتكون سهلة طيعة بحيث تصبح ضمن حلقة حزب الشيطان. والانتصار على العدوين يمثل الهداية والاستمساك بالعروة الوثقى، قال تعالى: ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ )( سورة البقرة: آية 256). ومن خلال هذه الآية يبين الله عز وجل كيفية النجاة والاستمساك بالعروة الوثق بطريقين: الأول: الإيمان بالله، وينتج من خلال مجاهدة النفس والتغلب على الهوى. الثاني: الكفر بالطاغوت الذي يطرح نفسه بديلا عن الله، والكفر به أمر لابد منه حتى يتمكن الإنسان فتح الطريق امام عبادة ربه. ولو راجعنا ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير الإيمان لوجدنا بعض الروايات تشير إلى انه: إقرار باللسان، ومعرفة في القلب، وعمل بالأركان ( أمالي الشيخ الصدوق:340،ح405)، فالأخلاق ترتبط مباشرة بالإيمان، وبذلك تميزت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في جعل علاقة الإيمان مع العمل علاقة طردية بحيث يتكامل ويتصاعد إيمان الإنسان بعمله والعكس بالعكس، بخلاف المدارس الأخرى حيث فصلوا الإيمان عن العمل، وبعضهم –كما ينسب إلى الصوفية- اشتط بالقول وساوى بين إيمان إبليس والأنبياء، وهذا ما رفضه أهل البيت (عليهم السلام) ، والشخص الذي يؤمن بلا عمل يكون أشبه –بحسب تمثيل القران الكريم- بالحمار الذي يحمل إسفارا، بمعنى أن العلم والمعرفة وما يشمل الإيمان إذا لم يطبّق على أرض الواقع بالعمل فلا قيمة له، بل يصبح وبالا على صاحبه. فالعمل له هذا الموقع في نظرية أهل البيت (عليهم السلام). ولا يقصد من العمل المرة أو المرتين، بل على المؤمن دائما أن يجاهد نفسه ويكبح جماحها كلما سنحت له الفرصة، وهذه المجاهدة في الحقيقة تساهم في صقل النفس وتحصينها أمام المغريات بحيث تتولد لدى الإنسان نسبة من العصمة يقي بها مزلات الشيطان، وبتعبير بعض العلماء: إن الإيمان أشبه بالملكة النفسانية ترسخ بالعمل والمجاهدة. فالإيمان ليس معرفة وعلم فقط، كما أنه ليس عملا لمرة أو مرتين، بل هو عمل بالأركان بحسب تعبير أهل البيت ( عليهم السلام) ومجاهدة مستمرة بحيث تتولد الملكة المنشودة. إذن، فكل إنسان يسعى إلى بلوغ اعلى درجات الكمال واسماها عليه أن يبدأ بالمعرفة ثم العمل. وحديثنا الأخلاقي ـ وهذا بيت القصيد- ـ يدخل في تكوين معرفة الإنسان بالأمور التي تثبت هذه الملكة، والوعظ والإرشاد دائما في هذا المجال يمثل الدواء الشافي لأمراض النفس التي تريد ان ترجع الذات الإنسانية القهقرى. وفي الحقيقة كل حديث يمكن أن يعتريه الملل والإطناب إلا حديث الوعظ الذي يطلب منه التذكير. قال تعالى (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) ( سورة الأعلى: 9) (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ االْمُؤْمِنِينَ )( سورة الذاريات 55). ولعل السبب في ذلك ـ التذكير ـ ما ذكرناه سابقا من أن النفس تحتاج إلى مجاهدة مستمرة، باعتبار أن المغريات والابتلاءات والمزالق والعياذ بالله لا تقف عند حد، وإذا فشل الشيطان في إغواء إنسان في مرحلة معينة وفي عمل معين يحاول أن يعيد الكرة مرة ثانية وثالثة و.... وبأساليب مختلفة، من هنا يحتاج الإنسان دائما أن يُذكّر لئلا يغفل فيكون فريسة سهلة لا سامح الله. وأقول من منطلق المسؤولية: لا أدعي أني سآتي بجديد في هذا المقال وإنما هو تراتيل نذكّر بها النفس أولا والمؤمنين ثانيا علّنا نحظى بثواب تبليغ رسالات الله ويحظى القارئ الكريم بسمة المؤمنين الذين تنفعهم الذكرى.
|