spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

العبرة والاعتبار (الحلقة الثانية) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ رحيم أميد ـ العدد (87)   
بعد ان بينا البكاء ومشروعيته والاختبار عند المصيبة في الحلقة الأولى نقول: قال تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)(1)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى)(2). لمن العبرة والاعتبار إذن؟ لمن يخشى، لمن يتذكر، لمن يخاف ربه واليوم الآخر، هل يعتبر الجاهل وأعمى القلب؟ هل يتعظ الفاسق والفاجر والطامع ومريض القلب؟

 لو تتبعت التاريخ لوجدت فيه من العبرة والعظة ما يغنيك، لو تصفّحت صفحات سنن الذين مضوا لوجدت الحكمة تتجلى في مسيرة حياتهم، ولكن هل نعتبر، والقرآن يقول: (وتعيها اُذن واعية)، فنحن نحتاج إلى أُذن واعية، لا إلى أُذن صمّاء، ولا إلى أُذن وُضِعت الأصابع فيها كما فعل قوم نوح وضعوا اصابعهم في آذانهم وغطّوا رؤوسهم حتى لا يروا شخص الحقيقة ماثلة أمامهم (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)(3)، أعاد التاريخ علينا مسيرته، لا على الذين كفروا بل على من آمن منهم وكان على دين الإسلام، عندما صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مشركي قريش في يوم صلح الحديبية وكان على رأسهم أبو سفيان ومن لفّ لفّه، وكتبوا مسودة الصلح، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي اكتب ـ وكان هو الذي يكتب بنود الصلح ـ هذا ما كتبه محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالتفتوا إليه وقالوا : لو آمنا إنك رسول الله ما كتبنا الصلح، فالتفت إلى علي (عليه السلام) وقال له اكتب: هذا ما كتبه محمد بن عبدالله، وقد تجد هذا الموقف في يوم التحكيم، وكان على رأس الوفد معاوية بن أبي سفيان، فقال علي عليه السلام لكاتب بنود الصلح : هذا ما كتبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فالتفتوا إليه  وقالوا لو علمناك أمير المؤمنين ما خالفناك، فاعتبر يامعتبر، أن كان هناك أُذن واعية : رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مقابل ابو سفيان في صلح الحديبية، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) مقابل معاوية بن أبي سفيان في التحكيم، الأبن وأبيه في صلحان، مَنْ مُقابلُ مَنْ ؟ فاهتدي ياهادي إلى مسيرة التاريخ، (وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَالله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)(4) قالوا لو نعلم إنك رسول الله ما قاتلناك ولا صالحناك، بل لاتبعناك، ومثل قولهم قالوا: لو نعلم إنك أمير المؤمنين ما قاتلناك ولا صالحناك، بل لاتبعناك. تشابهت المواقف، وتوحّدت الشخصيات، فهل يبقى في هذا لَبْس؟ فهل في هذا فتنة واختلاط الاُمور؟ وهل أوضح من شعاع الشمس شعاع، وهل أنور من نور الشمس نور، ولكن عميت عين لاتراك، وهل تحتاج إلى دليل، الدليل معها تراه عيّاناً بكل وضوح، يسطع لكل ذي عينين، ولكن المشكلة ليست في الدليل والعيان، وإنما ؟؟؟، قد تجلت واضحة جلية في يوم عاشوراء عندما قالوا للإمام الحسين (عليه السلام): نقاتلك بغضاً لأبيك، نقاتلك يوم بيوم بدر وأُحد وحنين، (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَالله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لاوْلِي الأَبْصَارِ)(5)، وهذا الآخر لا يحتاج إلى دليل، فإن القوم عادوا إلى ما كانوا عليه، إلى سالف عهدهم، إلى جاهليتهم، كانوا يقولون: يامحمد اترك هذا الأمر ولا تشق عصا الطاعة وانزل على حكم قريش، وقالوا لحفيده: اترك هذا الأمر ولا تشق عصا الطاعة وانزل على حكم يزيد، (أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ)(6)؟!  (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ)(7) .

الإمام الحسين (عليه السلام) قتل وانتهى كمرحلةً، لكنه باقٍ وجوداً وعنواناً وقضيةً، باقٍ ما بقي الدهر، وخالداً خلوده مع الخالدين، فكانت كربلاء فاتحةً للملاحم الآتية والتفسيرات الحالية والمستقبلية، مادام هناك خطان عريضان متوازيان موجودان، مادام هناك حق وباطل، ظالم ومظلوم، غاصب ومغصوب، غني يتنعم بخيرات الضعيف ويلعب بمقدّراته، وضعيف يتنغّص متعثراً بأطراف ثيابه، ما أن يقوم حتى يسقط مرةً اُخرى، مادام هذه المفردات موجودة فالحسين (عليه السلام) موجود ينبع كنبع الماء بين أقدام إسماعيل ليحيي الأرض بعد موتها، لتورق الحياة من جديد بربيع أملها وعنفوان شبابها، وسواعد أبطالها، وحناجر منادوها، لبيك يامن أقسمت أن لا تضاما.

بين الآونة والاُخرى يسري في بدن الاُمّة نشاطاً وانتعاشاً وحيوية، لأنها استمدت شحنتها الكهربائية من الإمام الحسين (عليه السلام)، جاءتها دفعةُ شموخٍ وعزةٍ وكرامة، جاءتها صحوة وانتفاضة وإدراك ماضيها، حطّت رحالها بعد عناء السفر بعد أن ساقها مَن خلقها لمصير لاتدريه، وأغمض عينيها أميرها ووجهها الوجهة التي يرضاها بلا رضاها، وأوحى إليها أن قدرها مكتوب عليها ولا يحق لها أن تخالفه أو تتجاوزه، ومن يخالف المكتوب فالموت أولى له، قالت لنفسها أولاً ثم لسائقها ثانياً: إلى هنا وكفى أيها القدر المصنوع من الأمير، لا أُريد قَدراً يملى كملء الماء بالقِدر، أُريد قدراً يمنحني العزة والكرامة والحرية والحياة، أُريد قدراً ينهض بي لا يقعدني أدير رأسي لا أعرف ما يدور حولي.

وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أم سلمة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالساً ذات يوم في بيتي فقال: « لا يدخلن علي أحد فانتظرت فدخل الحسين فسمعت نشيج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي، فاطلعت فاذ الحسين في حجره أو الى جنبه يمسح رأسه وهو يبكي. فقلت: والله ما علمت به حتى دخل. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن جبرئيل كان معنا في البيت فقال: أتحبه ؟ فقلت: أما من حب الدنيا نعم، فقال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء. فتناول من ترابها فأراه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أحيط بالحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا: ارض كربلاء، قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرض كرب وبلاء »(8)

ونقلها بن بابويه القمي، عن الباقر عليه السلام قال: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أم سلمة فقال لها: لا يدخل علي أحد، فجاء الحسين وهو طفل فما ملكت معه شيئاً حتى دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فدخلت أم سلمة على أثره، فاذا الحسين على صدره، وإذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي وإذا في يده شيء يقبله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أم سلمة، إن هذا جبرئيل يخبرني أن ابني هذ مقتول، وهذه التربة التي يقتل عليها، فضعيها عندك فاذا صارت دماً فقد قتل حبيبي»(9).

مايبكيك يامن لهجتُ باسمك عشرات المرات في كل يوم، أيحق لي أن أقرّ بك نبياً ولا أحمي لك ولياً، أيحق لي أن أختارك من دون الأنبياء السابقين لك على كثرتهم هادياً، ولا أتبع من اخترت لي علماً وهادياً، ألا أقدر أن أكون مثل الأُمم السالفة التي خلّدت حوافر حيوانات أنبيائها، ولا أقدر أن أُخلد رهبانها وحواريها.

حركة الإمام الحسين قنبلة موقوتة في وجوه الظالمين

تتجلى عظمة الإمام الحسين (عليه السلام)، في مواقفه، والإنسان موقف، في كلماته، ورُبّ كلمة أحد من السيف على الأعداء، ورُبّ موعظة خير من دروس ودروس، ومن هذا نلتمس بيان مسير حركته المباركة لأخيه محمد ابن الحنفية عندما يقوله له: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين».

صمم الإمام الحسين عليه السلام على الرحيل إلى الكوفة ولم يثنه أحداً عن عزمه هذا، لأنه نافذ البصيرة ينظر بعين الله، قال أخوه محمد ابن الحنفية إن كنت ولابد عازم على السفر فغيّر وجهتك إلى مكان آخر أكثر أماناً، ... واعجباً من ابن الحنفية، وهل يطلب الإمام الحسين (عليه السلام) لنفسه أماناً ومكاناً آمناً، ولو كان كذلك لبايع وحصل على أمانه واستراح وأراح. الإمام لا يطلب أماناً وإنما يطلب إصلاحاً في أُمةٍ تهرّأت وتهزّلت وتردّت وأصبحت مرتعاً للشيطان وجُنْداً للطغيان، وقد حدّد وجهته، وحدّد هدفه ورسمه من أول وهلة لحركته، حتى لا يبقى لَبْسٌ لأحد في قضيته، ولاشاك يطعن في شخصيته، ولا جاهلاً يسوء الظن بإمامته، ولا طامعاً يسيء الإستفادة من ثورته، فقد وطّن نفسه وأصحابه، وهيأها لما يحلُّ بها،  وهو القائل : «الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إل بالله، وصلى الله على رسوله، خُطَّ الموت على ولد آدم مَخَطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أن لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عُسلان الفلوات بين النواميس وكربلا، فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضان أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده، أل فمن كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى» .

ما أعظمها من كلمات، تسليمٌ مطلقٌ الى الله تعالى بكل وجوده، وبكل كيانه، وبكل ما يملك، أراد أن يعطي كل شيء لله، أراد أن يذوب في محبوبه كاملاً، الموت حتمٌ على ولد آدم ومفروغ عنه ولا يبقى حيّ إلا وجهه حتى ملائكته وسكان سماواته والمقربين من عباده، وهو المنادي يومئذ : «لمن الملك اليوم؟!»، لا جواب ولا أحد يرد على الحي تعالى؛ لأن الجميع موتى، هو الواحد الحي الذي لا يموت، عندها أجاب نفسه تعالى : «لله الواحد القهار»، فالإمام الحسين (عليه السلام) يقول الموت فريضة حتمية وقنطرة لابد من المرور عليها، وهي لازمةٌ لا مفر منها لابن آدم (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)(10)، فإذن لابد من التسليم والإستعداد والتهيؤ لطريق نحن سالكوه عنوة رغماً عنّا، وكما لا إرادة للشمس من تغيير مسيرها، لا إرادة لنا في تغيير مسيرنا هذا، وسوف نلقاه آجلاً أم عاجلاً (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور)(11)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ)(12)، ملاقيه مروراً بالموت القنطرة القهرية، وهذا ما عبّر عنه الإمام الحسين (عليه السلام) واصفاً إياه بالقلادة التي تطوق جيد الفتاة، فهو مطوّقنا أينما نذهب هو معنا يُلقي بظله علينا ولا نشعر، أينما نلفت ونولي وجوهنا نجد آثاره ماثلةً نصب أعيينا ولكن غشيها العمى فأصبحت لاتبصر، وهناك من استعد للموت ينتظره لحظة لحظة بإستيناس ولذّة عظيمة، يجد طعمه عذباً ومذاقه حلواً ونزوله نسمةً تداعب روحه التي يريد أن يسلّها من بدنه سلاًّ رقيقاً، ما أولهني وأشوقني إليه كاشتياق الأب الحنون إلى ولده العزيز البار الذي ملك قلبه حبه، يريد أن يلتقيه ويراه ويضمه إلى صدره، ويغفو على أنفاسه ونبضات قلبه، هكذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) مشتاقاً أحر الشوق لدرجة الوله والتعلّق الشديد بالموت وهذا دليل الإستعداد الجسدي والروحي الكامل له، فَمَن كان حاله هذا أيهمّه أمر جسده ماذا يحلّ به؟ في ذلك المكان الموعود لي أن ألقاه بين النواويس وكربلاء  من تمزيق وتقطيع بالسيوف وطعن بالرماح، ويداس بحوافر الخيل، ولتأكل لحمي الوحوش فتملأ بطونها مني، لهم أن يفعلوا ما يحلوا لهم، فلقد سلبت روحي من جسدي وحوّلته إلى طينة ملقاة على الأرض أنظر إليه بروحي السامية الصاعدة إلى ربي والمستقرة عنده؛ عند مليك مقتدر ؛ وعند جدي المصطفى وأمي الزهراء وأبي المرتضى وأخي المجتبى؛ حولي ملائكة ربي يهنئونني بقدومي ناشرين أجنحتهم بساطاً لي اطأها لأُلقي بنفسي في أحضان جدي ـ كما كنت أفعله في الدنيا ـ ليضمني إليه ويلاطفني بيديه. ما أجمله من لقاء، يامن غابت عنكم هذه الحقيقة، ونظرتم إلى الشمس فأعمى نورها أبصار عيونكم فلم تتحلموا النظر إليها فنظرتم إلى صورتها المنعكسة على الماء باهتة خاوية فاطمأنت لها نفوسكم واعتقدتها عقولكم، وقد غبتم عن حقيقتها، ونحن حقيقتها التي زلتم عنها، ولا يحل لكم العيش بدونها، فالرضى رضانا أهل البيت، فاعملوا ما أنتم عاملون، لايهنأ لكم عيش بدوننا وبعيداً عنّا، ومثلكم مثلُ مَن كان عنده حاجة إلى السلطان ويريد التقرب إليه بهدية، فيرى من بعيد فارساً قادماً بهيبة ووقار فيعطيه الهدية ظاناً منه أنه السلطان، فيروح يتبجح ويطلب الزلفى لينال حظه منه لعله يصل إلى منيته، فيذهب عنه الفارس وتذهب هديته، وهذا حالنا ومآلنا وقد طلبنا القرب من غير أهله، فخسرنا عمرنا ولم ننل منيتنا، (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)(13)، نبتغي الوسيلة ممن لا ينفع ولا يضر وما الفرق بين من يمدّون  أعناقهم إلى الأحجار والأصنام يعبدونها، يتبغون منها الوسيلة لتقربهم إلى الله زلفى، وبين من يمدون أعناقهم إلى عباد أمثالهم وقد اخطؤوا طريق الوسيلة التي توصلهم والتي أوصى بها الله حينما قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ)(14)، فاتخذوا وسيلةً برأيهم وبهوى نفوسهم ولم يحكّموا عقولهم، وتمسّكوا بحبلٍ توهموه هو حبل الله المتين حينما خاطبهم الجليل (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ)(15)، بينما حبل الله ما يريده الله لا ما يريده هواهم وشيطانهم، فكان هدفهم رضى هواهم وطمعهم، ولم يبتغوا رضى من أراد الله رضاهم، فقول الإمام الحسين (عليه السلام): رضى الله رضانا أهل البيت، وهذا القول جاء على لسان جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وفيمن يضعها، فيمن يصبرون على بلائه ويشكرون نعمائه ولا تأخذهم في الله لومة لائم، وما أصبرهم على البلاء، فهناك من يصبر على مضض لاحول له ولا قوة، وهناك مَن يصبر مستسلماً بكل وجوده لمعبوده، مستبشراً بوجهه مطمئناً بقلبه، يزداد إشراقاً كلما اشتدّ البلاء، ويزداد تعلّقاً كلما أطبقت عليه المحن والشدائد، ويقول بقلبه قبل لسانه: إنا لله وإنا إليه راجعون، صبراً على قضائك لامعبود سواك، إن كان هذا فيما يرضيك فخذ حتى ترضى، إنه تسليم كامل وقمّة التوكّل والخضوع، خذ حتى ترضى، لا ينظر إلى نفسه وراحتها والترويح عليها وجرّها إلى مواطن الدعة والسلامة، وإنما يجرها إلى ما يشق الطريق واسعاً لهدفه المرسوم له: «إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني»، وفعلاً أخذته السيوف ووجهه يشرق نوراً يسطع إلى عنان السماء يغطي شعاع الشمس الذي أصبح باهتاً أمام نوره فكسفت الشمس حياءاً وخجلاً أمام هذا النور الباهر العظيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]ـ الحشر : 2 .
[2]ـ النازعات : 26 .
[3]ـ نوح : 7 .
[4]ـ آل عمران : 167 .
[5]ـ آل عمران : 13 .
[6]ـ الأنبياء: 67 .
[7]ـ العنكبوت : 43 .
[8] ـ المعجم الكبير،للطبراني 23: ص89، 637، ونقلها الكثير منهم: عقد الفريد 4: ص383، مسند أحمد بن حنبل 6: ص294. كنز العمال 13: ص656، ح37666.
[9] ـ امالي الصدوق: ص130، ح3.
[10]ـ النساء : 78 .
[11]ـ آل عمران : 185 .
[12]ـ الإنشقاق : 6 .
[13]ـ الكهف : 103 – 104 .
[14]ـ المائدة : 35 .
[15]ـ آل عمران : 103 .

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 12 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 197
المقالات: 852
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 854540

الأعضاء


195 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
1 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer