spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

قراءة في الصوم القرآني طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ طلال الحسن ـ العدد (82)   

بسم الله الرحمن الرحيم

للصوم آثار مادية ومعنوية تعرض لهما أصحاب الفنّ,كل في مجاله،ولسنا بصدد استعراضها فذلك يُطلب في مظانـّه,إنما نحاول في هذه السطور القليلة ـ ونحن نستقبل شهر رمضان المبارك شهر الضيافة الإلهية ـ أن نقرأ بعض الخطوط البيانية القرآنية التي تُشكّل جملة من خصوصيات الصوم في شهر رمضان .

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(1),وهذه الآية الكريمة تُفرز لنا خمسة أُمور,وهي:

1 ـ وجوب الصيام على الذين آمنوا وصدّقوا بالإسلام والرسول الأكرم (ص) في قوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) .

2 ـ التذكير بوجوب الصيام على الأُمم السالفة,في قوله:( كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ).

3 ـ بيان الأثر المترتب على الصوم,وهو رجاء الوصول إلى مقام التقوى في قوله:( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

4 ـ إن الذي أوجبه الله تعالى على المؤمنين هو الصيام وليس الصوم,والفرق كبير جداً ,فالصوم هو المصدر,والمصدر يعني الحدث نفسه لا غير,أما الصيام فهو اسم مصدر, واسم المصدر يعني نتيجة الحدث لا الحدث نفسه .

فالصلاة والصوم والحَج والزكاة وغيرها من العبادات هي أحداث لم تُطلب لنفسها,وإنما المطلوب حقيقة هو الوصول إلى نتيجتها,فالصلاة ـ مثلاً ـ حيث إنها تُمثل الحدث لا غير لم سبحانه:كُتبت عليكم الصلاة,وإنما قال:{ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ...}(2),فاحتاج الأمر إلى مفردة الإقامة للتنبيه إلى نتيجة الصلاة لا لمجرد الحدث نفسه, وهكذا نجد الحال جلياً في موضوع الحَج حيث لم يُوجب الحَج ـ بفتح الحاء ـ فحسب,بمعنى الحدث,وإنما أوجب على الأُمة نتيجة الحدث,ولذا نجده يُعبر عن ذلك باسم المصدر وهو الحِج ـ بكسر الحاء ـ فقال تعالى:{ ... وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ... }(3) .

ومن هنا عندما تعلق الأمر بالصوم لم يُذكر المصدر ـ الحدث ـ نفسه وإنما ذُكر اسم المصدر للتنبيه إلى ضرورة الإتيان أو الوصول إلى نتيجة الصوم,فقال:( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ),وقد عبرنا بالتنبيه لأن طلب الوصول إلى نتيجة الصوم بما هو هو أمر مفروغ منه قد يحتاج إلى التنبيه .

وأما نتيجة الحدث ـ وهي الأمر الثالث ـ التي عبرنا عنها بالأثر المترتب على الصوم ,فإنها تتمثل بالوصول إلى مقام التقوى,والتقوى هي بمعنى التروك والكف عن المحارم,وهذه هي حقيقة الورع,ومن هنا جاء قول الرسول (صلى الله عليه وآله):( أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل)(4) .

هذه أُمور أربعة,والخامس الذي لم نرتئ الوقوف عنده هو التعريف بمكان الكاف في قوله:(كَمَا) نظراً لضيق المقام بتفصيله .

بعد هذه الجولة شبه التعريفية بمفردات الآية أعود إلى أصل المطلب وهو قراءة في الصوم القرآني .

إن الآية الكريمة نبّهت إلى حقيقة المطلوب وهو خصوص الصيام لا الصوم نفسه,أي نتيجة الحدث لا الحدث نفسه,وقد بينت الآية نفسها هذه النتيجة أو الأثر وهو التقوى ,وهذه التقوى وصف مسبوق بالإيمان ـ كما هو واضح ـ فإذا ما تحقق للمؤمن الصائم هذا المعنى,أي:الوصول إلى مقام التقوى(5),فإنه سوف تنفتح أمامه نوافذ قرآنية جمـّة سنقف عند نافذتين منها .    

1 ـ نافذة الهدية الخاصة,وهي الـمُشار إليها بقوله تعالى:{ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }(6),فالكتاب وهو القرآن الكريم ـ وفقاً لمشهور المفسرين ـ لا يكون هدى لأي قارئ له أبداً,وإنما هو هُدى للمتقين فقط ,والصيام يُوفّر لنا هذا الملاك والشرط الأساسي,كما أنه موعظة لهم أيضا,لقوله تعالى:{ هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ }(7),وأيضاً هو تذكرة لهم,لقوله تعالى:{ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ }(8),وهكذا تنفتح نافذة قرآنية عظيمة من خلال الصيام المورث للتقوى,وأما الصوم وحده فلا يُورث سببية الهدى ولا قبول الموعظة,ومعنى قبول الموعظة في المقام هو العمل بها .

2 ـ نافذة قبول الأعمال,فإن قبول الإعمال مشروط بالتقوى ـ كما هو واضح ـ لقوله تعالى:{ ... إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }(9),وهذا يعني أن الصيام الواقع من المؤمنين سوف يُوفّر لهم سبب قبول الأعمال,وهذا ضرب من الضيافة الإلهية التي لا تنتهي عند حدٍّ .

فمن أحسّ في نفسه التقوى ـ وهي حقيقة وجودية أثرها الخارجي الكفّ عن المحارم ـ فإنه سوف يكون مؤهّلاً لقبول أعماله,ومن المناسب التذكير بأن التقوى هي الرداء الذي ينبغي التزوّد به والخروج به من هذه الدنيا,لقوله تعالى:{... وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ...}(10),ولقوله تعالى:{ ... وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ }(11),فإذا ما تبيـّن لنا ذلك نكون قد وقفنا عند جملة من الإطلالات القرآنية ذات الصلة بنتيجة الصوم,وهذا ما يجعلنا نتجه نحو تحصيل الصيام لتُشرق علينا المعطيات القرآنية الجمّة .

ولا ريب بأن هنالك مُعطيات أُخرى ـ مادية ومعنوية ـ يُوفّرها لنا الصيام,فلا ينبغي الإغفال عنها,لاسيّما وأن الضيافة الإلهية هنا عامة,وليست ضيافة خاصة ـ وهي  المتمثلة بحِج بيت الله الحرام ـ فالفرصة مُتاحة لجميع المؤمنين,وهذا التمكين لهو مقدمة مهمة جدا للصيرورة في سجّل وفد الحُجّاج .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ البقرة : 183 .
2 ـ :البقرة : 43 .
3 ـ آل عمران : 97 .
4 ـ  عيون أخبار الرضا (ع) - للشيخ الصدوق : ج 2  ص 266  .
5 ـ سبل الوصول إلى التقوى كثيرة منها الصيام .
6 ـ البقرة :2 .
7 ـ آل عمران : 138 .
8 ـ الحاقة : 48 .
9 ـ المائدة : 27 .
10 ـ البقرة : 197 .
11 ـ الزخرف : 35 .

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer