spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

ثقافة ومصطلحات قرآنية(10) ـ النسخ ـ القسم الأول طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ حميد البغدادي ـ العدد (81)   

النسخ لغة واصطلاحاً

النسخ في اللغة: استعمل النسخ في اللغة في عدة معان كما هو مذكور في كتب اللغة ، منها:

1ـ الإزالة أو الإبطال كما أشار إلى ذلك في مفردات غريب القران : (النسخ: إزالة شي‏ء بشي‏ء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل ‏الشمس، والشيب الشباب).(1)

جاء في الذكر الحكيم: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) (2).

قال ابن فارس: (...وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه . وانتسخت الشمس الظل والشيب الشباب ....). (3)

2ـ نقل الشيء، نقل ابن فارس عن السجستاني: (النسخ ان تحوّل ما في الخلية من العسل و النحل في أخرى). (4)

واختلف أهل اللغة  في تحديد  المعنى الحقيقي للكلمة من المعنى المجازي للنسخ.

والمهم في المقام تمييز و اختيار و تحديد المعنى اللغوي الذي ينسجم مع فكرة النسخ و معناها الاصطلاحي، ولعل الإزالة و التبديل هي أقرب المعاني اللغوية التي تتلائم وتنسجم مع المعنى المطروح للنسخ وقد ورد في القران الكريم  في القرآن الكريم آيات قريبة من هذا المعنى:

قال تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها).

وقوله تعالى (وإذا بدلنا آية مكان آيةٍ  واللّه أعلم بما ينزل  قالوا انّما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون).

النسخ في الاصطلاح

استعمل القرآن الكريم الكثير من الألفاظ العربية بمعان‏ خاصة، فصارت لها بعد ذلك الاستعمال دلالات شرعية تفهم عند الإطلاق، فصارت بذلك اصطلاحات قرآنية محددة المعنى والدلالة.

والنسخ من هذه الألفاظ وهنا نستعرض بعض الأقوال في معنى النسخ الاصطلاحي:

عرف الراغب الاصفهاني النسخ بقوله: (نسخ الكتاب: إزالة حكم بحكم يتعقبه. قال‏تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) قيل: معناه ما ننزل العمل بها، أو نحذفها عن قلوب العباد، وقيل: معناه ما نوجده وننزله، من قولهم نسخت‏الكتاب...). (5)

وقال الفيومي:  (والنسخ الشرعي: إزالة ما كان ثابتا بنص شرعي، ويكون في اللفظ والحكم. وفي ‏إحداهما سواء فعل، كما في أكثر الأحكام أو لم يفعل، كنسخ ذبح إسماعيل بالفداء، لان‏الخليل(ع) أمر بذبحه، ثم نسخ قبل وقوع الفعل...). (6)

وقال الشيخ الطوسي: (وأما الناسخ فهو كل دليل شرعي يدل على زوال مثل الحكم‏الثابت بالنص الأول في المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه ‏عنه‏).(7)

وعرف السيد أبو القاسم الخوئي النسخ بقوله: (رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية - كالوجوب والحرمة - أم من الأحكام الوضعية كالصحة والبطلان. وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع إلى اللّه تعالى بما انه شارع). (8)

وعرفه بقوله أيضا: (المعروف بين العقلاء، من المسلمين وغيرهم، هو جواز النسخ‏بالمعنى المتنازع فيه: رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والإنشاء). (9)

فالنسخ انما يفعله المشرع لحكمة ومصلحة، ولذلك الكثير من الأسباب حيث ان التشريع مرتبط بالتكوين البشري والحياة الاجتماعية للإنسان والبشرية، وهو يستدعي التدرج في التشريع، فمن الطبيعي ان نرى  التغيير والتبديل في ‏الأحكام. (10)

شبهات حول النسخ

أثار البعض بعض الشبهات حول النسخ منها:

1 ـ ان القول بجواز النسخ على الله سبحانه وتعالى  يستلزم عدم حكمته ، أو جهله بوجه الحكمة وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقه تعالى ذلك ان تشريع الحكم من الحكيم المطلق لا بد وأن يكون على طبق مصلحة تقتضيه ، لان الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله ، ولازمه نسبة العبث إليه تعالى.

وعلى ذلك فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه إما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها ، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم مطلق.

وإما أن يكون من جهة ان الحكمة والمصلحة التي دعت الى نفي الحكم ظهرت له بعد ان كانت خافية عليه ، كما هو الغالب في الأحكام والقوانين العرفية ، وهو يستلزم الجهل منه تعالى . وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالا لأنه يستلزم المحال . (11)

والجواب :

إن الحكم المجعول من قبل الحكيم قد ينسخ بعد زمان ، لكن لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الأمر ، كي يكون مستحيلا على الحكيم العالم بالواقعيات ، بل هو بمعنى أن يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عند الله، لكنه مجهول عند الناس ، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان ، لانتهاء أمده الذي قيد به ، وحلول غايته الواقعية التي أنيط به .

فالنسخ يرجع إلى مقام الدلالة على الحكم، بمعنى انّ الله سبحانه عالم من أول الأمر أن أمد مصلحة الحكم محدودة بفترة معينة، لكن المصلحة لم تسمح بذكر هذا التحديد من أول الأمر فشُرّع الحكم الأول دائماً بظاهر دليله، ولذا قال الأصوليون انّ النسخ تخصيص أزماني، فالحكم الناسخ يكشف ان تحديد الحكم الأول بهذا الزمان كان مقصوداً لله سبحانه من أول الأمر. (12)

والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا ، بداهة : أن دخل خصوصيات الزمان في مناطات الأحكام مما لا يشك فيه عاقل ، فإن يوم السبت - مثلا - في شريعة موسى عليه السلام قد اشتمل على خصوصية تقتضي جعله عيدا لأهل تلك الشريعة دون بقية الأيام ، ومثله يوم الجمعة في الإسلام ، وهكذا الحال في أوقات الصلاة والصيام والحج ، وإذا تصورنا وقوع مثل هذا في الشرايع فلنتصور أن تكون للزمان خصوصية من جهة استمرار الحكم وعدم استمراره ، فيكون الفعل ذا مصلحة في مدة معينة ، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك المدة ، وقد يكون الأمر بالعكس . (13)

2 ـ ان الآية الناسخة منافية للآية المنسوخة فوقوع النسخ يناقض مفاد الآية الكريمة: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (14)

الجواب: ان الآية الناسخة حيث كانت تكشف عن انتهاء أمد حكم الآية الأولى فلا تكون منافية ومناقضة للأولى، بل هي قرينة على معناها الواقعي وموافقة لها، أو قرينة على أمد وفترة فاعلية الآية الأولى، فلا تكون مناقضة لها. (15)

 

(1) المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني ، كتاب النون. راجع ايضا مجمع البحرين ج 2  ص 302 .

(2) سورة الحج: 52.

(3)معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس زكريا،  ج 5  ص 425، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الإعلام الإسلامي، 1404هـ.

(4) معجم مقاييس اللغة : 5 ص 425 .

(5) المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني ، كتاب النون.

(6) الفيومي ، المصباح المنير

(7) مقدمة التبيان : 1/12 ، دار إحياء التراث العربي بيروت .

(8) البيان في تفسير القرآن : ص‏296.

(9) البيان في تفسير القرآن : ص‏297.

(10) وفي حديث عن النسخ للشهيد الصدر لا بأس بنقله: (والنسخ إذا أخذناه بمعناه الحقيقي وهو رفع الحكم بعد وضعه وتشريعه، واقع في الأحكام العرفية بلا كلام، وادعي وقوعه في الأحكام ‏الشرعية من قبل بعض الأصوليين، فسوف لن يكون النسخ من باب التعارض والتنافي ‏بين الدليلين بحسب الدلالة ومقام الإثبات، لان الدليل الناسخ حينئذ لا يكون مكذبا للدليل المنسوخ، لا بلحاظ دلالته على أصل الحكم المنسوخ، ولا بلحاظ دلالته على‏دوامه واستمراره، وإنما يكون دالا على تبدل الحكم وتغيره ثبوتا بعد ان كان نظر الشرع على طبق المنسوخ حدوثا وبقاء حقيقة، فالنسخ في الشريعة على هذا الأساس ‏وان كان من الاختلاف والتنافي في الحكم، وقد يكون له مبرراته من التدرج في مقام ‏التقنين والتشريع، او غيره من المبررات، إلا انه يكون تنافيا في عالم الثبوت، وليس من‏التعارض الذي هو التنافي في عالم الإثبات‏). بحوث في علم الاصول، السيد محمود الهاشمي ، مجلد7 ، تقرير ابحاث الشهيد السعيد آية اللّه السيد محمد باقر الصدر : تعارض الأدلة ص‏ 29 ـ 30 .

(11) راجع: البيان في تفسير القران، السيد أبو القاسم الخوئي:ص280 .

(12)عـلـوم القــرآن دروس منهجية،  السيد ريـاض الحكيم، الدرس الثالث عشر.

(13) راجع: البيان في تفسير القران، السيد أبو القاسم الخوئي:ص280 .

(14) سورة النساء: 82.

(15)عـلـوم القــرآن دروس منهجية،  السيد ريـاض الحكيم، الدرس الثالث عشر.

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 63
المقالات: 411
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 122332

الأعضاء


62 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: نور الشمس
spacer

spacer