spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

قراءة النص ... أزمة أم عدوى  (القسم الثاني) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ طلال الحسن ـ العدد (81)   

 ذكرنا في الحلقة الاُولى أن حركة الترجمة التي نهضت بها حكومة بني العباس وادّعت فيه النصرة للعلم قد جلبت معها عواصف التشكيك وفتحت نوافذ البدع التأويلية والضلالات لتنشأ بعدها بصورة حتمية وتلقائية فكرة القراءات المختلفة ونسبية الحقّ,ولتقف بعد ذلك موقف المتفرج تارة من الضلالات التترى وموقف الناصر لدين الله وسنة الرسول تارة اُخرى !.

وليشتغل العلماء ـ الصالح منهم والطالح ـ بالردّ وردّ الردّ !!ثمّ يشتغل من يأتي بعدهم فيما كتبوه وفي طيّ ذلك تّشقّ الأنهر الجديدة لمذاهب ومدارس جديدة في الكلام والفلسفة والعرفان,والأهمّ أو الأخطر من ذلك كله هو انعكاس ذلك جملة وتفصيلاً على قراءة القرآن والسنة الشريفة,لتمتلئ المكتبات الإسلامية بالتفاسير الفلسفية والصوفية والعرفانية,حتى يصل المطاف ببعضهم إلى اعتبار تفسير القرآن بالسنة ضرباً من التفسير بالرأي إذا كان من باب احتياج القرآن إلى الغير([1]) !!!,فلا النبي(ص) مُفسّر ولا أهل بيته(ع) فضلاً عن الصحابة والتابعين والمعاصرين !.

ولكي لا نبتعد كثيراً عن موضوعة المقالة نعود إلى إشكالية قراءة النص الديني عموماً والقرآني خصوصاً,فإن لغة القرآن وإن كانت تتّصف بخصوصية ميـّزت نصوصه عمّا عداه ولكن هذه الميزة لا تعدو عن كونه معجزاً في عباراته وصياغاته وبلاغته وأما اصول عرض مطالبه الجمـّة فإنها لم تعدو الطريقة العقلائية والعرفية وهذا ما يُفسّر لنا حصول الفهم الابتدائي لغير أهل الاختصاص .

إن مطلوبية التأويل لم تُمثـّل حاجة أولية في فهم القرآن بقدر ما تُمثـّل بعداً معرفياً عميقاً للقرآن نحتاج فيه إلى المحكم القرآني وبيانات المعصوم(ع),فليست هنالك نتائج متعارضة ومتناقضة على صعيد نصوصه الأولية التي تمثـّل الظاهر القرآني بخلاف ما عليه النص الديني في التوراة والإنجيل.

وهذا ما يدعونا للوقوف على منشأ الإشكالية القادمة من أرضيات مهّدت لطرحها وعمّقـتها شيئاً فشيئا عبر نظريات ورؤى حلّلت لغة النص الديني حتى انتهت في الأعم الأغلب منها إلى إنكار واقعية النصّ والدين معاً وأوقفت مهامه على الجوانب التربوية والأخلاقية .

إن جميع النظريات الغربية التي حاولت معالجة النصّ الديني ومن ثم توجيه النقودات الجوهرية له ومحاولة عرض البديل إنما هي منطلقة من دوائر العهدين القديم (التوراة) والجديد (الإنجيل),وهي نصوص تسمح للقارئ المحقق أن يتناولها بالنقد اللاذع واتهام جملة كبيرة منها بالخرافة والأساطير,ولا ريب أن هذه النقودات لهي أجنبية عن النصوص الدينية الإسلامية ـ القرآن والسنة ـ فإن الأرضية الدينية والفكرية والثقافية للديانة اليهودية والمسيحية والمباني المعتمد فيها تكاد أن تتفاوت بشكل كلي مع الأرضية الدينية والفكرية والثقافية للدين الإسلامي والمباني التي يعتمدها,فلا مجال لتطبيق النظريات الغربية الناقدة للنصوص السابقة على النصوص اللاحقة .

بل لو أدرك نُقّاد النصوص الدينية السابقة مقداراً من أحقية النصوص اللاحقة أو أنهم قرؤوا جُزءاً يسيرا منها بموضوعية لتردّدوا كثيرا في توجيه نقوداتهم للنص الديني بشكل مطلق .

ولا يخفى أن جميع النظريات الغربية الناقدة للنص الديني هي من إفرازات فكرة التعارض بين العلم والدين,وهذه الفكرة وجدت لها من مرجحات كثيرة في النصوص التوراتية والإنجيلية,وأما في النصوص الدينية الإسلامية عموماً والقرآن خصوصاً فلا مجال للفصل بين الدين والعلم البتة . 

ولنا أن نسأل:هل أن الحاجة لتقديم قراءة جديدة للنص الديني الإسلامي منتفية بالفعل ؟.

هذا أولاً,وثانياً:على فرض انتفاء الحاجة فما هو الـمُبرّر لظهور الصيحات التجديدية لقراءة النص الديني بين الحين والآخر ؟.

قراءة النصّ ...  مفترق طرق .

أمّا بالنسبة للسؤال الأوّل فإن كان الملحوظ هو القصور الواضح في نتاج العملية التفسيرية فلا ريب بأنّ وجه الحاجة لقراءات جديدة سوف يبقى قائماً إلى يوم القيامة لما هو واضح من حاكمية دوائر الإفراط والتفريط في قراءة النص الديني,وأعني بذلك ما يُسمّى بمحورية القرآن (قرآنيون),ولو بصور مُبطنة وخفية,وبمحورية السنة (الأخباريون التقليديون),هذا أولاً,وثانياً:إن إعمال الذوق الشخصي يُؤثـّر كثيراً في رسم النتائج التفسيرية,ونتائج الذوق الشخصي تكاد تلمسها في أغلب المصنفات,وربما يُسمّى أحياناً بالاجتهاد الذي لا كلام في رجوعه إلى التفسير بالرأي,بل هو أبرز مصاديقه .

وأمّا إذا كان الملحوظ هو نفس النصّ الديني لا قراءاته فالصحيح هو انتفاء الحاجة لأي قراءة جديدة,بل لا معنى للقراءات السالفة .

  بيان ذلك ...

إن الحاجة الحقيقية ليست لقراءة جديدة بقدر ما هي حاجة لتطبيقات جديدة للنصّ,فالقراءة الأصلية ولا بديل لها أبدا هي القراءة الواحدة المشتركة بين الـمُعطى القرآني والـمُعطى الذي قدمه أهل العصمة(ع) .

وفي ضوء هذه القراءة الإلهية المعصومة ينبغي السير مع مراعات مستجدات العصر في الوجوه التطبيقية,فإذا ما فُسّر نصّ بحالة جديدة فليس ذلك من باب القراءة الجديدة بقدر ما هو وجه تطبيقي جديد لا يلغي الوجه التطبيقي الأول للنصّ .

إذا فالمسألة ليست في قصور القراءة المعصومة ولا في ضعف النصّ,فتلك أُمور عانت منها النصوص الدينية السابقة التي افتقرت إلى:

1 ـ قراءة معصومة ـ أو حُرّفت كما هو الصحيح ـ  .

2 ـ المتانة والعمق,مما يكشف إنـّاً خلفية كُتـّابها وأن المعصوم (ع) لم يكن مُشرفاً عليها,أو أنه أشرف ابتداء لا انتهاء .

وعلى أي حال فالحاجة تكمن في الوجوه التطبيقية التي تُفرز موضوعاتها حاجةُ الإنسان والتجربةُ البشرية لا في إعادة أصل القراءة .

وينبغي أن يُعلم بأن الحاجة لوجوه تطبيقية جديدة ليست هي الحالة الحاكمة في جميع متون النص الديني,نظراً لأبدية جملة كبيرة منها([2]),وإنما تقتصر على النصوص التي تمثـّل عنواناً عاماً وفُسّر في أوانه بمصداق معين لم يعد موجوداّ في الوقت الحاضر,أو أنه موجود ولكن ظهرت في عرضه حالات ومصاديق جديدة مشمولة لعموم النصّ,أو أن الملحوظ في المصداق الأول ملاكا ومناطاً مُعيناً توفّر في مصداق آخر,كما في موضوعة السلاح وحرمة بيعه للكافر,ففي عصورنا هذه توسّعت رقعة المصاديق إلى درجة يصعب حصرها,فصار السلاح شاملاً للمعلومة في الكتاب والكمبيوتر والأنترنيت فضلاً عن الأسلحة التقليدية المعاصرة . 

 الفاصلة بين الأزمة والعدوى

مما تقدم يكون قد اتضح لدينا بأنّ النص الديني الإسلامي غير مشمول للعروض الحداثوية الداعية لإعادة قراءة القرآن بما يُناسب العصر,فذلك ما اقتضاه النص الديني في العهدين,وقد عرفت بعض

الفروقات الجذرية بين الموروث الإسلامي وبين الموروث التوراتي والإنجيلي .

ومن هنا يُفهم سرّ الإشكالية الـمُثارة حول النص القرآني تجديدا ودعوى لزوم إعادة قراءته,فإنها لا تعدو عن كونها مجرد عدوى أصابت بعض عقول الأُمـّة,وحمى سرت في جسد البعض ممّن عاش إشكاليات الغرب حول اقتران الدين بالعلم وحاكمية الكنيست,وكيف أن الأوربيين تخلّصوا من رجعيات الكنيسة وانطلقوا إلى اُفق العلم الرحب,ولولا ذلك لما قامت للأُوربيين قيام ولظلوا يرزحون تحت نير الكنيسة وعصورها المظلمة .

ولا ريب بأن تسرية الحكم إلى النص الديني الإسلامي فيه من الإجحاف واللاموضوعية بما لا يخفى,فتكون تسرية الحكم كاشفاً إنـّيـّناً على أزمة العدوى التي يعيشها البعض لا أزمة النص الديني الإسلامي .   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ يُنسب ذلك للسيد العلامة الطبأطبائي,انظر:رابطة متقابل كتاب وسنت للدكتور علي نصيري:ص254 .

[2] ـ من باب (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة) .

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 63
المقالات: 411
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 122383

الأعضاء


62 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: نور الشمس
spacer

spacer