spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

قراءة النص ... أزمة أم عدوى ؟!( 1 ـ 2) . طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ طلال الحسن ـ العدد (80)   

بسم الله الرحمن الرحيم ...

تفرّد النص الديني الإلهي ـ مُنذ انطلاقة رسالات السماء ـ بخطابية استعرضت الحقيقة من خلال بُعدين أساسين, هما بُعدا الغيب والشهادة(1) متناغما بذلك مع بُعدي تركيبة الإنسان,أعني: الروح والجسد .
وقد تحرّك النص الديني الإلهي حركة فاعلية وأُخرى انفعالية(2), حاول من خلال حركته الفاعلية أن يُؤسس للإنسان منظومة فكرية و عملية تنسجم مع استعدادات الإنسان وقابليته .

وأما على صعيد حركته الانفعالية فقد حاول سدّ الفراغات وطمر النتوءات التي تُفرزها تجربة الإنسان التطبيقية إزاء الحركة الفاعلية للنص .
 ولم يُسجّل لنا الإنسان نجاحات كبيرة في إطار تطبيقاته للحركة الفاعلية للنص رغم طول المساحة الزمنية وعمق التجربة,ولا ريب أن عامل قراءة وفهم النص شكّل حجر الزاوية في تشظّي الخلاف والاختلاف ومن ثم بروز الموقف على شكل أزمة عويصة وعميقة .
 وفي ضوء هذا الطفح والتشرذم ـ الذي كان أرضيته الوجوه المحتملة في قراءة النص الديني ـ حاول المفكرون ـ لاسيّما المتديـّنين منهم ـ إعادة قراءة النص الديني في ضوء المتغيرات الفكرية وتفاقم الإشكالات المعرفية التي ألقت بظلالها على كل مفردة تنتمي للسماء .
 هذا ما كان يعيشه النص الديني قبل مجيء الإسلام وظهور نصوصه الدينية المتمثلة بالقرآن والسنة الشريفة(3) .
 إن الأزمات العنيفة ـ التي طالما كان وراءها النص الديني ما قبل الإسلام,وأعني به تحديدا:التوراة والإنجيل ـ ركّزت فكرة التأويل بأبعد صورها وعمّقت الحاجة الـمُلحة إلى الخروج من أحضان النص الديني والنتاج السماوي إلى أحضان البديل المدني والنتاج البشري .
 وبقدر النجاحات التي أحرزها دعاة التأويل في المسار التأريخي للنص الديني كان هنالك في الضفة الاُخرى من يُدافع بضراوة عن تشكيلات النص الظاهرية(4),فعلى سبيل المثال لا الحصر إن القسمة الثنائية التي كان عليها اليهود إلى زمن ظهور السيد المسيح (ع) ترجع بالأساس إلى التنوع في قراءة النص التوراتي,فكان الفريسيون يرون ضرورة إبقاء التوراة على ظواهرها وعدم تأويلها,وقد دعاهم ذلك إلى تحريم الاجتهاد(5),في حين كان يرى الصدوقون ـ أو الصدوقيون ـ ضرورة التأويل فاتحين بذلك أبواب الاجتهاد على مصراعيه,وقد استفادوا كثيرا من موروث الحضارة اليونانية في دفع الحركة الاجتهادية,حتى انتهى بهم المقام إلى إنكار جملة من المعتقدات التي جاءت بها التوراة.
 وهكذا الحال تجده بقوة وعمق في مُتبنيات الديانة المسيحية التي أفرزت مدارس عديدة في قراءة النص الإنجيلي بين التأويل إلى درجة إلغاء دور الفرد العادي في ممارسة فهم النص(6),وبين مقتصر على الظاهر إلى درجة يُمكن للجميع فهم النص الإنجيلي بصورة كاملة .
 إن هذه الحُمّى الشديدة التي اعترضت النصوص الدينية السابقة ألقت بظلالها وإضلالها على نوعية فهم النص القرآني .
 ولتوضيح ذلك أود إلفات النظر إلى قضية تأريخية في غاية الخطورة,شكلّت انعطافة كبيرة جدا في سلّم المعرفة القرآنية,وأعني بها حركة الترجمة التي نهض بها حكام بني العباس في عهد هارون العباسي .
 إن هذه الحركة العلمية و الفكرية التي عبّأت حكومةُ بني العباس الأمةَ بخواصها وعوامها باتجاهها كان وراءها هدف خفي عميق تحركوا باتجاهه بعد قراءة عميقة لواقع النص الديني الذي انتهت إليه التوراة والإنجيل .
 إن الفلسفة الإغريقية المشائية أسهمت إلى حدٍّ كبير في إلغاء الظواهر النصية للتوراة والإنجيل,ونحن نؤمن إلى حدٍّ كبير بأهمية هذه الخطوة فيما يتعلق بالتوراة والإنجيل نظراً لما فيهما من تلوّث وغثّ ما يفوق حدّ التصور, حيث تصوّر بعض نصوصها أن الله عبارة عن فلاح في أرض ولديه شُجيرات ... الخ(7).
 هذه النصوص وغيرها دعت المتحرّرين من التربية التلمودية والتزمت الكنائسي(8) إلى الخروج عن هذه الظواهر المحرجة والمخجلة, فلم يكن أمامهم سوى التأويل والتشبّث بمعطيات الفلسفة المشائية الأرسطية والإشراقية الأفلاطونية .
 وهكذا خلُصت الجهات المسؤولة عن حركة الترجمة في العهد العباسي إلى هذه الحقيقة المرّة فسعوا جاهدين إلى تطبيقها على النصوص القرآنية لتشتغل الأمة بالأقيسة والاستقراء والتمثيل(9) ,والأشكال والحدود والرسوم ... الخ .
 فلم يكن إقصاء العترة الطاهرة ـ أئمة أهل البيت (ع) ـ عن أداء وظيفتهم الإلهية كافيا في نظر دُعاة الترجمة فآلوا إلى تشويش ذائقة المتلقي .
 وهذا بدأت الحركة التشكيكة تتحرك بقوة وتستشري في جسد الأمة لاسيّما وأن جملة من تلك الأدوات الأرسطية قد ارتدت غطاءً شرعياً بواسطة متفقهة الدولة آنذاك الذين غلب عليهم فقدان الذوق العربي(10) والميل إلى تقعيد العلوم الدينية والأدبية بنحو فقدت جملة منها هدفها وغايتها وتحوّلت إلى مجرّد قوالب خاوية .
 ما نُريد أن نخلص إليه هو أن حركة الترجمة جلبت معها عواصف التشكيك فنشأت فكرة القراءات المختلفة ونسبية الحقّ .
 وللبحث تتمة ...
 
 ________________________________________
 [1] ـ قال تعالى :( قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ...) ـ الزمر:46 ـ فعالم الشهادة هو عالم المادة و الحسّ,وعالم الغيب هو عالم ما وراء المادة والحسّ,وينبغي أن يُعلم بأنّ وصف الغيب إنما هو بلحاظنا نحن لا بلحاظ الله سبحانه,فالله تعالى كل شيء له حاضر وليس هنالك مفردة وجودية غائبة عنه .
 [2] ـ الحركة الفاعلية التأسيسية تعني أن يكون النصّ مؤثراً في الفرد والمجتمع بلحاظه هو,أي هو الـمُسقط علومه ومعارفه دون أي تأثر بآخر,وأما الحركة الانفعالية فيُراد بها أن الفرد والمجتمع عرض حاجاته ومتطلباته فاستجاب النصّ لها,فيكون معنى انفعاليته هو استجابته للآخر,وعادة ما تكون الحركة الانفعالية هي جرّاء ما ينتهي إليه الإنسان في تطبيقاته لنتاج الحركة الفاعلية للنصّ .
 [3] ـ المراد بالسنة الشريفة سنة المعصوم (ع), حيث تشمل قول وفعل وتقرير النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) بمعية السيدة الزهراء (ع),هذا في ضوء مدرسة أهل البيت , وأما في ضوء مدرسة الخلفاء فإنها تقتصر عند البعض منهم على النبي (ص), وعند البعض الآخر تشمل الصحابة أيضا, بل وأدخل البعض منهم التابعين أيضا .
 [4] ـ من وجوه التأويل هو الفهم الباطني للنص وهو منحصر بأهل الاختصاص,وأما التشكيلات الظاهرية فالمراد منها الفهم الأولي للنص الذي يشترك فيه الأعم الأغلب من القرّاء .
 [5] ـ انظر مقارنة الأديان (اليهودية):ص223 .
 [6] ـ كما يرى ذلك المفكّر والفيلسوف المسيحي اُورجين (origen),وهو من خريجي مدرسة الإسكندرية عاش في (185 ـ 254 م), كتب تفسيرا للإنجيل لم يرتضه البابا آنذاك وأمر بإخراجه من الكنيسة, انظر:تحليل زبان قرآن ـ دراسة لغة القرآن ـ للدكتور محمد باقر سعيدي:ص48,نشر مؤسسة زيتون,قم .
 [7] ـ المصدر السابق: ص48 .
 [8] ـ التربية التلمودية هي التعاليم التي يُدّعى انتسابها إلى نصوص التوراة,والتلمود هو شريعة بني إسرائيل التي اجتمعت فيها الشدة والعنف والخرافات والتجاوزات على مقام الله تعالى والأنبياء بشكل منقطع النظير,من قبيل نسبة الخطأ إلى الله تعالى وأنه مصدر الشرّ أيضا,وأما التربية الكنائسية فيُراد بها التعاليم المسيحية .
 [9] ـ التمثيل المنطقي هو بعينه القياس الفقهي الذي وردت النصوص بالنهي عنه .
 [10] ـ إن الأعم الأغلب من فقهاء ومحدثي مدرسة الخلفاء هم من العجم الفرس,وقد غلب على الفرس الميل الواضح إلى الفلسفة والمنطق .
 

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 1 ضيف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 62
المقالات: 406
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 113624

الأعضاء


61 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
6 هذا الشهر
آخر عضو: صادق ابراهيم
spacer

spacer