spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

آية الوضوء بين مسح الرجل وغسلها طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ السيد عادل الحكيم ـ العدد (62)   

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة:6)

وقع الكلام في دلالة الآية الكريمة على وجوب مسح الأرجل، أو غسلها.

وسأحاول في ما يلي تلخيص الكلام في ذلك، دون الدخول في تفاصيل معقدة، وبلا تعداد مفصل لكلماتهم وتقييمها.

وفي الآية الكريمة ثلاث قراءات نأتي عليها تباعاً إن شاء الله تعالى:

القراءة الأولى: (أرجُلَكُم) بالنصب. وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب والأعشى وحفص. وهي القراءة المعروفة والمنتشرة في أرجاء العالم الإسلامي.

وفي معنى هذه القراءة احتمالان:

الاحتمال الأول: العطف على (الأيدي) لاشتراكهما في النصب.

الاحتمال الثاني: العطف على (الرؤوس) لأنه منصوب محلاً فيصح عطف المنصوب عليه وعامله أقرب من عامل (الأيدي) فمع التردد بين عاملين يحمل على الأقرب ما لم يدل دليل على خلافه.

ويرد على الاحتمال الأول بعدُ المعطوف عليه عن المعطوف والفصل بينهما بالأجنبي وهو جملة (وامسحوا برؤوسكم) وهذا لا يكون في المتعارف من فصيح الكلام فضلاً عن القرآن الكريم.

وهل من المقبول أن يقال: (جاء رجلٌ وصبيٌ وما في الدار من امرأة وشابٌ). بدعوى عطف (شاب) على (صبي) ؟!. فالأصل عدم الفصل بين أجزاء الجملة بمفرد فكيف بجملة.

وأما الجمل المعترضة فلها ضوابطها وأساليبها الخاصة وليس ما نحن فيه من ذلك الباب كما هو واضح.

وقيل: إن المصحح لهذا الفصل هو بيان الترتيب بين أعضاء الوضوء، فجاءت الآية بحسب الترتيب الواجب.

وأقل ما يرد به هذا القول هو أنه تحكم محض وحمل للكلام على غير سياقه.

وهل يصل الأمر بالقرآن الكريم إلى اتباع أسلوب شاذ لمجرد بيان فكرة بسيطة كالترتيب، وهل يعجز الله تعالى عن بيان الترتيب بطريقة أدبية تناسب سائر آيات المعجزة البلاغية الخالدة، وهل قعدت اللغة العربية العملاقة عن أداء هذا الغرض ؟!.

فدعوى العطف على (الأيدي) ليس لها مبرر سياقي أو صناعي، بل الصناعة على خلافها، ولا تصل النوبة إليها مع وجود وجه آخر صحيح.

فيتعين القول بالعطف على محل (الرؤوس) وهو النصب، ويكون مفاد الآية الكريمة وجوب مسح الرجلين لا غسلهما.

القراءة الثانية: (أرجُلِكُم) بالكسر وهي قراءة ابن كثير وحمزة وعكرمة وابن عباس والشعبي وغيرهم.

وهي صريحة في العطف على لفظ (الرؤوس) إذ ليس في الكلام مجرور سواها، فتدل على لزوم المسح مباشرة، لأن المعطوف على اللفظ معطوف على المحل أيضاً فيتحدان في العامل وهو (امسحوا).

وذهب أصحاب القول بوجوب الغسل إلى أن الجر هنا ليس بسبب العطف وإنما بسبب المجاورة.

وأول من قاله ـ بحسب المصادر المتوفرة لدينا ـ هو الأخفش ت 207 ه‍ في كتاب (معاني القرآن) 2 / 465، وأبو عبيدة ت 210 ه‍ في كتاب (مجاز القرآن) 1 / 155

وهذا من غريب القول وذلك لما يلي:

أولاً: أن المجاورة لو صحت فهي من ضعيف القول ولا تناسب الأسلوب القرآني الرفيع.

قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير: (أنه لا يجوز الكسر بالجوار، لأنه معدود في اللحن، ولأنه إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم يتكلم به العرب).انتهى

وقد أهمل الجر بالمجاورة جملة من علماء العامة، ولم يحتجوا به في تفاسيرهم، ولا في كتبهم الفقهية، كما رده آخرون صراحة. قال الزجاج ت 311 ه‍ في كتاب (معاني القرآن وإعرابه) 2/153: فأما الخفض على الجوار فلا يكون في كلمات الله. انتهى

وقال النحاس ت 338 ه‍ في كتاب (إعراب القرآن) 2/9 ردا على الأخفش وأبي عبيدة: وهذا القول غلط عظيم لأن الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه، وإنما هو غلط. انتهى

وقال ابن خالويه ت 370 ه‍ في كتاب (إعراب القراءات السبع) 1/143، فهو (أي: جر الجوار) غلط، لأن الخفض على الجوار لغة لا يستعمل في القرآن، وإنما يكون لضرورة شاعر، أو حرف يجري كالمثل، كقولهم:: جحر ضب خرب. انتهى

وقال القيسي ت 437 ه‍ في كتاب (مشكل إعراب القرآن) 1/220 رقم 670 عن الجر بالمجاورة: وهو بعيد، لا يحمل القرآن عليه. انتهى

وقال أبو حيان النحوي الأندلسي ت 754 ه‍ في كتاب (البحر المحيط) 3/437 عن الجر بالمجاورة: وهو ضعيف جدا، ولم يرد إلا في النعت حيث لا يلبس، على خلاف فيه قد قرر في علم العربية. انتهى

وقال السمين الحلبي ت 756 ه‍ في كتاب (الدر المصون) 2/495: وهذه المسألة - أي: مسألة الجر بالمجاورة - لها شرط، وهو أن يؤمن اللبس كما تقدم تمثيله - يعني قولهم: جحر ضب خرب - بخلاف: (قام غلام زيد العاقل)، إذا جعلت (العاقل) نعتا للغلام امتنع جره على الجوار لأجل اللبس. انتهى

ثم نقل بعد ذلك عددا كثيرا من الآيات القرآنية والشواهد الشعرية التي زعم جرها بالمجاورة وناقشها نقاشا علميا رائعا مطولا، وأثبت بطلان الاحتجاج بها على وقوع الجر بالمجاورة ونفاه عن ساحة القرآن الكريم نفيا باتا.

وقال النيسابوري ت 850 ه‍ في تفسيره 6/73: ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قولهم: جحر ضب خرب لأن ذلك لم يجئ في كلام الفصحاء، وفي السعة أيضا، وأيضا أنه جاء حيث لا لبس، ولا عطف، بخلاف الآية لما فيها على الجر بالمجاورة - من لبس، وعطف. انتهى

وقال سليمان بن عمر الشافعي الشهير بالجمل ت 1204 ه‍ في كتاب (الفتوحات الإلهية) بتوضيح تفسير الجلالين: وهذا، وإن كان واردا، إلا أن التخريج عليه ضعيف لضعف الجوار من حيث الجملة، وأيضا فإن الخفض على الجوار إنما ورد في النعت لا في العطف، وقد ورد في التوكيد قليلا في ضرورة الشعر. انتهى

وقال القنوجي البخاري ت 1307 ه‍ في كتاب (الروضة الندية) 1/40: وقد تعسف القائلون بالغسل فحملوا الجر على الجوار وأنه ليس للعطف على مدخول الباء في مسح الرأس، بل هو معطوف على الوجوه، فلما جاور المجرور انجر. انتهى

وقال النووي الشافعي  ت 1316 ه‍ في تفسيره المسمى (بتفسير النووي) 1/193: ولا يجوز هنا الكسر على الجوار على أنه منصوب في المعنى عطفا على المغسول لأنه معدود في اللحن الذي عد يحمل [كذا في المصدر الذي نقلنا عنه، ولعل الصحيح (قد يحمل)] لأجل الضرورة في الشعر، ويجب تنزيه كلام الله عنه ولأنه يرجع إليه عند حصول الأمن من الالتباس... وفي هذه الآية لا يحصل الأمن من الالتباس، ولأنه إنما يكون بدون حرف العطف. انتهى

وقد حاول بعضهم الاستدلال على جواز المجاورة حتى مع الفصل بالعاطف وذكروا له شواهد، ولكن لا نجد ضرورة للاستغراق في مناقشتها بعد أن تبين ضعف هذا الأسلوب في التعبير وعدم مناسبته للقرآن الكريم، هذا لو كان صحيحاً من الأساس، وأما لو كان لحناً وغلطاً فالأمر أوضح.

خصوصاً وأنهم إنما استدلوا على صحة هذا الأسلوب، وجواز الاتباع على المجاورة ـ حتى مع الفاصل، (مع أن الاتباع إنما هو حكم لفظي ناشئ من المجاورة، وتشابه اللفظين وتقاربهما، ومع وجود الفاصل يضعف التقارب إلى أبعد حد ولا يبقى للتشابه اللفظي ذلك الأثر) وأنه غير مختص بالنعت دون غيره أو به وبالتوكيد ـ وأهملوا أمرين أساسيين:

الأول: فصاحة هذا الأسلوب وعدم فصاحته. إذ ليس كل تعبير عربي صحيح يكون لائقاً بالقرآن الكريم، وليس كل ما قالته العرب يصح حمل القرآن عليه.

فكيف إذا كانت المجاورة ضعيفة في نفسها، يضاف إليها ضعف استعمالها في غير النعت والتوكيد ـ على فرض صحته ـ ويضاف إليهما ضعف استعماله مع الفاصل.

الثاني ـ وهو الأهم ـ: أن صحة هذا الأسلوب ـ لو كان صحيحاً ـ إنما تكون مع أمن اللبس ووضوح المراد، وليست الآية الكريمة كذلك.

ودعوى ان (الجر محمول على مسح الخف والنصب على الغسل إذا لم يكن خف) مردودة بعدم المبرر لها مادامت الآية صريحة بالمسح.

وكذا قولهم: لو ثبت ان المراد بالآية المسح لحمل المسح على الغسل جمعا بين الأدلة والقراءتين لان المسح يطلق على الغسل كذا نقله جماعات من أئمة اللغة: منهم أبو زيد الأنصاري وابن قتيبة وآخرون وقال أبو علي الفارسي العرب تسمي خفيف الغسل مسحا.

إذ ورد مسح الرأس والرجلين بأمر واحد فكيف يحمل في أحد مفعوليه على المسح وفي المفعول الآخر على الغسل ؟!. وقد تقدم أن القراءة الأولى غير دالة على مدعاهم. ولا مجال لإقحام الأخبار في المقام حيث إننا نبحث عن دلالة الآية الكريمة بالخصوص، لا في معناها بعد تجميع القرائن الخارجية.

وأما دعوى عدم اللبس في الآية الكريمة لأن فيها تحديد بالكعبين والمسح لا يكون إلى الكعبين بالاتفاق.

فأضعف من أن يرد عليها. وأهون ما فيها أن البحث إنما هو عن دلالة الآية الكريمة بقطع النظر عن الأخبار والفتاوى.

ومجرد وجود التحديد في اليدين المغسولات وعدم وجوده في الرأس لا يكفي لتوضيح أن المطلوب في الرجلين هو الغسل. كما هو واضح. فالإبهام على هذا التقدير باقٍ على حاله.

قال السمرقندي في (تحفة الفقهاء) 1/10_11: والرابع: غسل الرجلين مرة واحدة، لقوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين).وهذا فرض عند عامة العلماء. وقال بعض الناس: الفرض هو المسح لا غير. وعن الحسن البصري أنه قال: يخير بين الغسل والمسح. وقال بعضهم: إنه يجمع بينهما. والصحيح قول عامة العلماء، لان العلماء أجمعوا على وجوب غسل الرجلين بعد وجود الاختلاف فيه في السلف، والإجماع المتأخر يرفع الاختلاف المتقدم. انتهى

ومن أعجب ما رأيت في هذا الباب كلام الزمخشري حيث قال في الكشاف 1/597: قرأ جماعة وأرجلكم بالنصب فدل على أن الأرجل مغسولة. فإن قلت فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح ؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه فعطفت على الرابع الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وقيل (إلى الكعبين) فجئ بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة، لان المسح لم يحضر له غاية في الشريعة. انتهى

ليت شعري كيف اكتشف الزمخشري مراد المولى من الآية الكريمة وكيف اطلع على قصده، ثم أليس من العجب أن ينزل القرآن الكريم آمراً بالمسح وهو يقصد الاعتدال في الغسل ؟! وأنَّا لتالي القرآن استنباط ذلك وأين القرينة عليه ؟!!!!. فمجرد اشتراك بعض الأفراد بالحد لا يعني أبداً اشتراكهما في الحكم، وهذا من الظهور بحيث لا يستحق الوقوف عنده كثيراً.

ثم إن الوجه لم تذكر له غاية أيضاً فهلا حملنا الأمر بغسل الوجه على الأمر بمسح الرأس حيث يشتركان في عدم إحضار الغاية، ويكون المقصود من غسل الوجه هو مسحه بالماء الكثير. وهذا لم يقل به أحد لعدم صلاحية الاشتراك في (عدم القرينة) على ذلك.

ولذا فلا مناص من حمل قراءة الجر على العطف على (الرؤوس).

القراءة الثالثة: (أرجُلُكُم) بالرفع، وهي قراءة الوليد بن مسلم عن نافع، والحسن البصري.

والرفع فيها على الابتداء، والمعنى إما: (وأرجلكم مغسولة ـ أو فاغسلوها ـ إلى الكعبين) أو (وأرجلكم ممسوحة ـ أو فامسحوها ـ إلى الكعبين)، وهنا يتجلى ترجيح الحمل الثاني بسبب قرب الجملة الإسمية من الأمر بالمسح، وبُعدها عن الأمر بالغسل ووجود الفاصل بينهما، فإن لم نقل بتعينه فلا أقل من أولوية الحمل على المسح، وانصراف الذهن إليه.

والله تعالى هو العالم وهو أحكم الحاكمين

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer