|
شبهة القفاري ـ القسم الثاني
|
|
|
|
الكاتب/ الشيخ فلاح العابدي ـ العدد (75)
|
|
في هذا القسم وقبل مناقشة كلام القفاري نستهل الكلام في بيان حقيقة عقيدة الشيعة بالأئمة (عليهم السلام) ، كما أذكر القراء الكرام أننا لا زلنا في جواب المقدمة الأولى التي أعتمدها القفاري في ابطال وساطة الأئمة بين الخلق والخالق . حقيقة عقيدتنا بالائمة (عليهم السلام)
وهنا أحب أن أبين حقيقة عقيدة الشيعة بأئمتهم (عليهم السلام) ، وأنهم لا يقول بتأليههم ولا يغالون فيهم ولا يخرجونهم عن حد العبودية ليكونوا آلهة تعبد من دون الله كما يصور ذلك مخالفيهم ، نعم أثبتوا لهم ما نص به كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) . قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) المتوفى سنة 381هـ : (واعتقادنا أن حجج الله تعالى بعد نبيه محمد (صلى الله وعليه وآله) الأئمة الاثنا عشر: أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.... واعتقادنا فيهم أنهم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وأنهم الشهداء على الناس، وأنهم أبواب الله، والسبيل إليه، والادلاء عليه، ...... وأنهم عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون...) (1). فالشيعة ينظرون إلى أئمتهم على أنهم عباد لله تعالى مكرمون ، ومن يغالي فيهم أو يعتقد بأن الله تعالى فوض إليهم أمر الخلق يعتبر ـ بنظرهم ـ أشر من اليهود والنصارى . قال الشيخ الصدوق في حق الغلاة : اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنهم كفار بالله تعالى، وأنهم أشر من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلة، وأنه ما صغر الله جل جلاله تصغيرهم شيئا وقال تعالى: }مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ{ وقال الله تعالى: }لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ{ (2). وقال الشيخ المفيد (رحمه الله) المتوفى سنة 413هـ: (الغلو في اللغة هو التجاوز عن الحد والخروج عن القصد. قال الله تعالى }يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ{ الآية، فنهى الله عن تجاوز الحد في المسيح، وحذر من الخروج عن القصد في القول، وجعل ما ادعته النصارى فيه غلواً لتعديه الحد على ما بيناه، والغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريته (عليهم السلام) إلى الإلوهية والنبوة، ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوز فيه الحد، وخرجوا عن القصد، وهم ضلال كفار حكم فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقتل والتحريق بالنار، وقضت الأئمة (عليهم السلام) عليهم بالكفار والخروج عن الإسلام) (3). وينقل الشيخ الطوسي (رحمه الله) المتوفى سنة 460هـ عن الإمام الصادق (عليه السلام): (احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدونهم فإن الغلاة شر خلق الله، يصغرون عظمة الله، ويدعون الروبية لعباد الله، والله إن الغلاة شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، ثم قال (عليه السلام) : إلينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصر فنقبله، فقيل له: كيف ذلك يا بن رسول الله؟ قال: لأن الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج، فلا يقدر على تلك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله (عز وجل) أبداً،وان المقصر إذا عرف عمل وأطاع) (4). وجمع العلامة المجلسي (رحمه الله) المتوفى سنة (1111هـ) في كتابه بحار الأنوار الكثير من الأحاديث التي بهذا المضمون، وعقد لذلك باباً كاملاً تحت عنوان (باب نفي الغلو بالنبي والأئمة صلوات الله عليه وعليهم وبيان معاني التفويض وما لا ينبغي أن ينسب إليهم منها وما ينبغي) (5). ثم وبعد عرض الآيات والروايات المرتبطة بالطلب ذكر تحت عنوان (فذلكة) تحقيق الحال حسب ما يراه (رحمه الله تعالى) ، وجاء فيه (اعلم أن الغلو في النبي والأئمة (عليهم السلام) إنما يكون بالقول بإلوهيتهم أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبودية أو في الخلق أو الرزق أو أن الله تعالى حق فيهم أو اتحد بهم، أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو الهام من الله تعالى أو بالقول في الأئمة (عليهم السلام) أنهم كانوا أنبياء أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض، أو القول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات ولا تكليف معها بترك المعاصي، والقول بكل منها إلحاد وكفر وخروج عن الدين كما دلت عليه الأدلة العقلية والآيات والأخبار السالفة وغيرها، وقد عرفت أن الأئمة (عليهم السلام) تبرؤا وحكموا بكفرهم وأمروا بقتلهم، وان قرع سمعك شيء من الأخبار الموهمة لشيء من ذلك هي إما مئولة أو هي من مفتريات الغلاة...) (6). والكلام في هذا طويل، ودعني أختم البحث بكلام للشيخ المظفر (رحمه الله) لخصوصية أن القفاري أورد مقطعاً من كلامه كشاهد على مفترياته كما سيأتي إن شاء الله، قال الشيخ المظفر المتوفى سنة (1381هـ): (عقيدتنا في الأئمة: لا نعتقد في أئمتنا ما يعتقده الغلاة والحلوليون (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) بل عقيدتنا الخاصة أنهم بشر مثلنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإنما هم عباد مكرمون اختصهم الله تعالى بكرامته وحباهم بولايته، إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم والتقوى والشجاعة والكرم والعفة وجميع الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، لا يدانيهم أحد من البشر فيما اختصوا به، وبهذا استحقوا أن يكونوا أئمة وهداة ومرجعاً بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في كل ما يعود للناس من أحكام وحكم وما يرجع للدين من بيان وتشريع، وما يختص بالقران من تفسير وتأويل، قال إمامنا الصادق (عليه السلام): ما جاءكم عنا مما يجوز أن يكون في المخلوقين ولم تعلموه ولم تفهموه فلا تجحدوه وردوه إلينا، وما جاءكم عنا مما لا يجوز أن يكون في المخلوقين فاجحدوه ولا تردوه إلينا. انتهى) (7). وخلاصة الكلام: إن عقيدة الشيعة في الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) هي العقيدة الوسطى التي أمر الله بها ورسوله (صلى الله وعليه وآله)، فلا إفراط كما فعل الغلاة،ولا تفريط كما فعل غير شيعتهم من المسلمين حيث أنكروا حقوقهم وجحدوا ولايتهم التي فرضها الله سبحانه وتعالى وعلى لسان نبيه (صلى الله وعليه وآله) وما خصهم الله به من الفضائل والكرامات والمنزلة الخاصة بهم عنده سبحانه وتعالى. ما استشهد به القفاري للأساس الأول : ولنعود إلى ما استشهد به القفاري لإلصاق تهمة الغلو بالشيعة: ينبغي هنا نقل القول من كتاب القفاري والإشارة في الهامش إلى مصدره ، فمثلا يكتب 1ـ مما نقله القفاري كشاهد على غلو الشيعة ، قول المجلسي عن الإئمة (عليهم السلام) (فإنهم حجب الرب، والوسائط بينه وبين الخلق)(8). هذا مقتطع من كلام العلامة المجلسي (رحمه الله) أورده ضمن بيان حديث للإمام الصادق (عليه السلام) وللأمانة العلمية وحتى يتضح مراده ينبغي لنا أن نذكر الكلام بتمامه: (عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في حديث طويل يقول في آخره : كيف يهتدي من لم يبصره؟ وكيف يبصر من لم ينذر؟ اتبعوا قول رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وأقروا بما نزل من عند الله عز وجل، اتبعوا آثار الهدى، فإنها علامات الأمانة والتقى، واعلموا أنه لو أنكر رجل عيسى بن مريم وأقر بمن سواه من الرسل لم يؤمن، اقصدوا الطريق بالنحاس المنار والتمسوا من وراء الحجب الآثار تستكملوا من دينكم، وآمنوا بالله ربكم. بيان: لعل المراد بآثار الهدى الأئمة (عليهم السلام)، أو علومهم وأخبارهم وسننهم وآدابهم، والمنار الإمام. قوله (عليه السلام) : ( من وراء الحجب) يحتمل أن يكون المراد حجب الحق تعالى، أي انكم لما كنتم محجوبين عن الحق تعالى بالحجب النورانية والظلمانية فاطلبوا آثار أنوار الحق وهم الأئمة (عليهم السلام) ويحتمل أن يكون المراد بالحجب الأئمة (عليهم السلام) فإنهم حجب الرب والوسائط بينه وبين الحق فيرجع إلى المعنى الأول، أو المراد التمسوا بعد غيبة الحجب عنكم آثارهم وأخبارهم) (9). فمن خلال مراجعة كلامه (رحمه الله) يتضح أن المعنى أنهم (عليهم السلام) الوسائط في معرفة الله سبحانه وتعالى ومعرفة أحكامه المنزلة على قلب النبي (صلى الله وعليه وآله) والمحفوظة بعده عندهم ((عليهم السلام))، فهم حجب الله سبحانه وتعالى، لأن الناس لا يستطيعون معرفة الله سبحانه وأحكامه إلا عن طريقهم باعتبارهم العالمون والمفسرون لكتاب الله والمفصلون لسنة نبي الله (صلى الله عليه وآله) فكانوا كالحجاب الذي يحجب شيء عن شيء ويكون واسطة بينهما، وهم أنوار الحق لان النور هو الذي يضئ الطريق ويري المقصد فكانوا أنوارا لأنهم يضيئون طريق الحق ـ وهو الله تبارك وتعالى ـ للسالكين إليه. وهذا المعنى مؤيد ومؤكد بأخبار كثيرة واردة عن الرسول الأكرم (صلى الله وعليه وآله) وأن لا هدى للناس إلى الله وأحكامه إلا بالتمسك بالكتاب والعترة الطاهرة. ومنه يظهر ما في تكملة كلام القفاري حيث قال: (وعقد لذلك باباً بعنوان «باب أن الناس لا يهتدون إلا بهم، وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله، وانه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم). وهذا لا يجعل لهم مقام الألوهية ، وبالتالي من اعتقد به يكون مغال بل فيه تأكيد لعبوديتهم ووساطتهم وهدايتهم للحق تعالى والهادي لا يكون كالمهدى إليه بحال ، فهم الوسائل بين الله سبحانه وتعالى وبين الخلق في حصول الهداية الإلهية ومعرفة الله وأحكامه. 2ـ شاهد آخر هو قوله: (وجاء في أخبارهم أن أبا عبد الله قال «نحن السبب بينكم وبين الله عز وجل » المصدر السابق: ج32 ص101). أقول : هذا الحديث أخرجه صاحب البحار (رحمه الله تعالى) نقلا عن أمالي الشيخ الطوسي، عن الجعابي عن ابن عقدة، عن جعفر بن محمد بن عبيد عن الحسن بن محمد عن أبيه عن محمد بن المثنى الازدي أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (نحن السبب بينكم وبين الله عز وجل) (10). ومن الغريب أن يستدل بهذا على الغلو فإن الأسباب بين الله والخلق كثيرة ولا يلزم منه تقويض لسلطنة الله تعالى بل هو الذي أجرى الأمور بأسبابها ومسبباتها ، ثم أن السبب في اللغة يأتي بمعنى الحبل وبمعنى الطريق لأنك تصل به إلى ما تريد وكل شيء يتوصل به إلى غيره يقال له سبب(11) وعلى ذلك يكون معنى الحديث أنهم الحبل الممدود من السماء إلى الأرض أو انهم الطريق الموصل لمعرفة الله وأحكامه بعد النبي (صلى الله وعليه وآله) كما هو مقتضى نص حديث الثقلين الذي مر الحديث عنه مراراً. وعلى كل حال فإن الرواية ضعيفة السند بمحمد بن المثنى الازدي لأنه مجهول الحال ولم يرد فيه أي توثيق ولا مدح(12). 3ـ شاهد ثالث قوله: (وجاء في كتاب العقائد الإمامية) أن الأئمة الاثني عشر هم: أبواب الله والسبل إليه... إنهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق) (13). أقول: هذه العبارة مقتطعة من موضوع «عقيدتنا في طاعة الأئمة» في كتاب عقائد الإمامية للشيخ المظفر (رحمه الله)، وعلى كل حال فإن الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) سموا (أبواب الله) لأنه لابد لمن يريد معرفة الله سبحانه وطاعته أن يأتيهم ليدلوه على سبل معرفته تعالى ومظان عبادته و طاعته، وهو تعبير مجازي كما هو واضح ؛ فالله سبحانه ليس له مكان؛ لان المكان من خواص الجسمية وهو تعالى مبرأ منها فليس له باب بالمعنى العرفي بل المراد أنهم الادلاء على معرفته وعلى طاعته كما في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله عز وجل...) (14). وهو كقوله (صلى الله وعليه وآله) : (إنا مدينة العلم وعلي بابها) الذي أخرجه غير واحد من المحدثين كالحاكم في المستدرك على الصحيحين(15) معترفا بصحته، وقد ألف الإمام احمد بن محمد بن الصديق المغربي كتابا فيه اسماه (فتح الملك العلي بصحة باب مدينة العلم علي)، وقال المناوي في شرحه للحديث «فان المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلها ولابد للمدينة من باب، فاخبر أن بابها هو علي كرم الله وجهه فمن اخذ طريقه دخل المدينة ومن أخطأه اخطأ طريق الهدى...)(16). قال العلامة المجلسي (رحمه الله): (وصفوا بكونهم أبواباً لأنهم طرق إلى معرفة الله وعبادته، ولا يمكن إلى قربه تعالى ورضوانه إلا بهم) (17). وأما كون الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) كسفينة نوح، فهذا الكلام إنما جاء على لسان النبي (صلى الله وعليه وآله) فعن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة: أيها الناس من عرفني فانا من عرفتم ومن أنكرني فانا أبو ذر، سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق) هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(18). وقال ابن حجر الهيثمي في صواعقه (وجاء من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً (مثل أهل بيتي) وفي رواية (إنما مثل أهل بيتي) وفي أخرى (عن مثل أهل بيتي) وفي رواية (ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق)(19). هذا بالنسبة للأساس الأول الذي اعتمد عليه القفاري في تقرير الشبهة . وأما المقدمة الثانية: 1ـ قال القفاري: (وقبل أن اعرض لهذه المسائل أبين أن دعوى الواسطة للائمة غريبة على نصوص الإسلام بل هي منكرة لأنها عين دين المشركين وقد بعث الرسل لتخليص البشرية من هذا الشرك، وليس بين المسلم في عبادته لربه ودعائه له حجب تمنعه ولا واسطة تحجبه، قال تعالى } وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {(20)، وقال تعالى } وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ{(21) هنا ينبغي ذكر مصدر القفاري أقول: أما كون الأئمة (عليهم السلام) حجب الله فقد بينا أن معناه أنهم (عليهم السلام) الطريق والواسطة لمعرفة الله سبحانه وتعالى ومعرفة أحكامه بعد النبي (صلى الله وعليه وآله) ولا شك أن من يريد أن يعبد الله سبحانه وتعالى حق عبادته فلابد أولاً أن يعرف معبوده أولاً وإلا وقع في عبادة شيء يتخيله وهمه كما وقع في ذلك من قال بأن الله سبحانه جسم وأنه جالس على العرش في جهة العلو، وانه نزل إلى الأرض ويصعد إلى السماء وما شابه ذلك من العقائد الباطلة تعالى الله عنها علواً كبيراً. كما انه لابد أن يعرف ثانياً كيف يعبد الله سبحانه وتعالى وكيف يتوب اليه ويكسب رضاه. والإنسان في كلا الأمرين بحاجة إلى من يرشده ويهديه وهذه كانت وضيفة الأنبياء والمرسلين والأوصياء الهداة من بعدهم وقد ثبت ان الأئمة من أهل البيت هم من يمارسون دور الهداية في الأمة الإسلامية بعد النبي (صلى الله وعليه وآله) ، وعليه فلا مناص لمن اراد ان يعبد الله تعالى حق عبادته من أن يلجأ إليهم والى هديهم لأجل ذلك. وأما ما ذكره القفاري من آيات كريمة مستشهداً بها على خلو النصوص الإسلامية من دعوى الوساطة ، فهي غريبة جداً عما يروم إليه ، إذ أنها وكما هو واضح واردة في صدد الترغيب في الدعاء وليس فيها أي إشارة أو إشعار بما يريده القفاري إذ ليس فيها ما يشير إلى المنع عن التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأنبياءه وعبادة الصالحين من الأئمة والأوصياء (سلام الله عليهم أجمعين) الذي هو نوع من اتخاذ الوسيلة إلى الله تعالى في الدعاء بان تتوسل إليه من يحبهم من عباده. وقد بينا أن كبار الصحابة قد توسلوا إلى الله سبحانه وتعالى بالنبي (صلى الله وعليه وآله) وبغيره من الصالحين ، وقد استفاد حتى علماء السنة استحباب التوسل إلى لله تعالى بالصالحين، وسيأتي مزيد بيان لذلك عند الكلام عن المسالة التي عقدها القفاري لهذا الخصوص وسيأتي إن شاء الله تعالى أن النبي (صلى الله وعليه وآله) هو الذي علم أصحابه كيف يتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى. وأما ما جاء في ذيل الآية الثانية من قوله تعالى : }إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ{(22)، فواضح أن المستكبر عن عبادة الله سبحانه وتعالى هو من يترك الطريق الذي أمر الله تعالى به واخذ عن غيره. والشيعة هم الذين التزموا أمر الله تعالى في الأخذ عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من بعد النبي (صلى الله وعليه وآله). 2ـ ثم استشهد القفاري بكلام بعض علماء أهل السنة قائلا: «وقال أهل العلم : إن من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعهم ويسألهم كفر إجماعاً لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام الذين قالوا: }مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى{...الخ». أين المصدر ؟ قد اتضح مما سبق أن عقيدة الشيعة في الأئمة (عليهم السلام) وكونهم واسطة سابقا إنهم واسطة بين الله تعالى وبين الخلق ليست على طبق مضمون كلام هذا القائل، بل بينا سابقاً أنهم واسطة في وصول الهداية الإلهية للناس بأن كانوا هم المرجع للمسلمين بعد النبي (صلى الله وعليه وآله) في أمور دينهم ودنياهم وذلك بأمر من الله سبحانه وتعالى وعلى لسان نبيه الذي لا ينطق عن الهوى. كما أنهم وسائط في الدعاء بمعنى اننا نتوسل بهم إلى الله سبحانه وتعالى ليقضي هو جل جلاله حوائجنا ويستجيب دعواتنا تماماً كما توسل عمر بالعباس في حديث الاستسقاء السابق الذكر، فالمتوكل عليه هو الله والمدعو هو الله سبحانه وتعالى ، والآية التي استشهد بها لا تنطبق على ما يفعله الشيعة ، فهم ـ وكما بينا ـ لا يعبدون أئمتهم ليتقربوا بهم إلى الله فمن يعبدهم كافر باتفاق علمائهم ، فلا معبود عندهم غير الله تعالى . نعم هم يتوسلون بهم إلى الله لكونهم عباد مكرمون عنده تعالى. وعليه فالكلام الذي استشهد به القفاري اجنبي تماماً عن القدح في عقيدة الشيعة، ولم يكن ايراده إلا مغالطة لاشتراك لفظ الوساطة بين ما تضمنه هذا الكلام وبين ما اطلعت عليه من وساطة الأئمة (عليهم السلام). الاستشهاد بكلام ابن تيمية: ثم استشهد بكلام طويل لابن تيمية حيث قال: (وحينما سئل شيخ الاسلام بن تيمية حيث قال : × وحينما سئل شيخ الاسلام ابن تيمية عمن قال : لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله فاننا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك ... أجاب ـ رحمه الله ـ بقوله: إن اراد أنه لابد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق فان الخلق لا يعملون ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به وينهى عنه...الخ. أقول : في إيراد القفاري لهذا الكلام عدة ملاحظات: أولا: وهذه ملاحظة منهجية، حيث أن القفاري وغيره من كتاب الوهابية ما فتئوا عن الاستشهاد بكلام ابن تيمية على المسائل التي يخالفون بها عامة المسلمين بها ناسبين كلامه إلى أهل العلم، وكأن ابن تيمية شخصية متفق على قدرها بين المسلمين كافة بحيث يرجع إليه والى كلامه للفصل عند الاختلاف وكان قوله هو القول الفصل!. ولكن واقع الحال على خلاف ذلك تماما فابن تيمية كان شخصية منبوذة بين أوساط علماء السنة وآراءه وأقواله مردودة لديهم، ويدل على هذا آراء علماء السنة المعاصرين له والمتأخرين عنه فيه وفي آراءه... ثانياً: أن ابن تيمية حصر الهداية وتبليغ الأوامر الإلهية بالأنبياء فقط، حيث قال: × وهذا ما اجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى ، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه، قال تعالى (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس)...÷. في حين أن القران الكريم لم يحصر أمر الهداية بالرسل والأنبياء (عليهم السلام) ، نعم هم الأصل في وصول تعاليم الله سبحانه ، كما أن الوحي الإلهي الذي به يكون الإنسان نبياً مختصا بهم ، ولكن أمر الهداية وإيصال العلوم الإلهية يعم كل من أوتي علما من الله سبحانه وتعالى سواء كان من الله مباشرة كالإلهام والإيحاء بالوحي غير النبوي أو عن طريق التعلم والحفظ عن طريق الأنبياء (عليهم السلام) ، قال تعالى: (فوجدا عبدا....علمت رشدا)(23). ولم يكن الخضر (عليهم السلام) نبيا على رأي أكثر علماء السنة بل كان وليا من أولياء الله سبحانه وتعالى، قال ابن كثير في تفسيره: (وقال آخرون كان رسولا وقبل بل كان ملكا نقله الماوردي في تفسيره وذهب كثيرون إلى انه لم يكن نبيا بل وليا فالله اعلم)(24). وقال البغوي: (وعلمناه من لدنا علما) أي علم الباطن إلهاما ولم يكن الخضر نبيا عند أكثر أهل العلم) (25) وجاء في تفسر الجلالين: (أتيناه رحمة من عندنا، هي النبوة في قول وولاية في آخر وعليه أكثر العلماء (26). وقال تعالى في بني إسرائيل: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) (27). ثم إن علماء السنة تمسكوا بمثل حديث(أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) في إثبات عقيدتهم في إتباع الصحابة ، وواضح نسبة الهداية إلى الصحابة فيه. فما بال الامام علي والحسن والحسين وأولادهم (عليهم السلام) لا يهدون إلى الله !!؟؟كبرت كلمة تخرج من افواههم. وعلى كل حال فان الهداية الإلهية يمكن أن تنسب لكل من يقع في طريقها إيصالها الى الناس ، فكيف يمن جعلهم الله ونصبهم لهذا المقام بنص النبي (صلى الله وعليه وآله) . ثالثا: ثم ذكر ابن تيمية معاني للواسطة بعيدة كل البعد عن عقيدة الشيعة في الأئمة (عليهم السلام) ، حيث قال : وإن أرادوا بالواسطة انه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم......فهذا من أعظم الشك الذي كفر الله به المشركين حين اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء...). فالشيعة الإمامية لم يتخذوا الأئمة (عليهم السلام) أولياء وشفعاء من دون الله ، بل اتخذوهم أولياء وشفعاء إلى الله سبحانه وتعالى وهذا أمر واضح لا لبس فيه، وقد أوضحنا سابقا أن كل ما امتاز به الأئمة على سائر الناس فإنما هو بتفضل من الله سبحانه وتعالى، ولم يثبت احد من الشيعة شيء للائمة بمعزل عن الله أو من دون إذنه. وأما بقية كلامه فالأمر فيه واضح مما قدمنا ولا حاجة لإطالة الكلام فيه. مواضيع ذات صلة : شبهة القفاري ـ القسم الأول ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الاعتقادات في دين الإمامية: ص93، دار المفيد ـ بيروت ـ لبنان. (2) الاعتقادات في دين الإمامية: ص97، دار المفيد ـ بيروت ـ لبنان. (3) التصحيح اعتقادات الإمامية: ص131، دار المفيد ـ بيروت ـ لبنان. (4) امالي الشيخ الطوسي: ص650، دار الثقافة ـ قم ـ إيران. (5) بحار الأنوار: ج25 ص261، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان. (6) بحر الأنوار: ج25 ص261، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان. (7) عقائد الإمامية: ص74، أنصاريان ـ قم إيران. (8) بحار الأنوار: ج23 ص97. (9) بحار الأنوار: ج23 ص97، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان. (10) بحار الأنوار: ج23 ص101، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان. (11) كتاب العين: ج7 ص203، مؤسسة دار الهجرة، الصحاح: ج1 ص144، دار العلم للملايين ـ بيروت ـ لبنان؛ لسان العرب ج1 ص458 وما بعدها، نشر أدب الحوزة ـ قم ـ إيران. (12) يمكن مراجعة كتب الرجال الشيعية كمعجم رجال الحديث: ج 18 ص193، رجال الشيخ الطوسي: ص295، مؤسسة المفيد من معجم رجال الحديث: ص572 تحت رقم 11669، مكتبة ملاتي ـ قم ـ إيران. (13) العقائد الإمامية للمظفر: ص98ـ 99. (14) الكافي: ج1 ص193، دار الكتاب الإسلامي ـ طهران. (15) المستدرك : ج3 ص126ـ 127. (16) فيض القدير بشرح الجامع الصغير: ج3 ص60، دار الكتب العلمية ـ بيروت لبنان. (17) مرآة العقول: ج2 ص350. (18) المستدرك على الصحيحين: ج2 ص343. (19) بالصواعق المحرقة ج2 ص445، ص675، مؤسسة الرسالة ـ لبنان ـ الطبعة الأولى. (20) البقرة: 186. (21) غافر: 60. (22) 206. (23) الكهف: 65ـ 66. (24) تفسير ابن كثير: ج3 ص100. (25)تفسير الغبوي: ج3 ص173. (26) تفسير الجلالين: ج1 ص390. (27) السجدة: 24.
|