|
الإنسان والكون الضعف أمام القوة والابداع
|
|
|
|
الكاتب/ عبد الله المؤمن ـ العدد (75)
|
الإنسان مقيد بالزمان والمكان ظن الإنسان ولفترة طويلة أن الأرض التي يعيش عليها هي هذه المنطقة التي يعيش عليها وما جاورها من مناطق. وان السماء هي الشمس والقمر وعدد من الآلاف من النجوم والكواكب المرئية وعددها كما يقول القدماء 1029 جرماً (1)، وانها تنتهي بالفلك المحيط الذي يحيط بكل الأفلاك.
وظل هذا الاعتقاد البسيط حتى مجئ العصر الحديث (في القرن السادس عشر الميلادي) عندما قلب الفلكي البولندي كوبر نيكوس النظام الكوني القديم الى النظام الكوني الجديد الذي وضع الشمس في مركز الكون(2). وبظهور حقائق ونظريات وأفكار جديدة واكتشاف التلسكوبات والأجهزة العلمية المتطورة تبين ان الإنسان أمام سماء وأرض وأجرام كونية مثيرة وهائلة لا حدود لها ولا احصاء لها تبين انه أمام عدد هائل من الاجرام والاسرار الكونية لا يمكن عدها ولا يمكن فهمها من كل وجوهها، فهي تفوق التصور وكل القدرات البشرية المحدودة. وفي الوقت نفسه تبين له ان هناك احجاماً صغيرة ضئيلة جداً لم تتمكن أقوى الأجهزة من مشاهدتها وإدراكها بشكل مباشر، وهي المكونات الداخلية للذرة. لقد وجد نفسه صغيراً ضعيفاً ضئيلاً أمام مكونات الكون المتنوعة وتبين له وبشكل واضح ان الآية الشريفة (وخلق الإنسان ضعيفاً) (3)، أكثر وقعاً في النفوس وأبعد مغزىً في العقول. فالإنسان يستطيع ان يصنع سيارة أو طائرة أو صاروخاً، أو يبني جسراً أو عمارة مؤلفة من 100 أو أكثر من الطوابق وما شاكل ذلك، ولكن لا يستطيع ان يصنع ذبابة أو بعوضة أو اقل من ذلك، ويستطيع ان يصل الى أية مسافة على الأرض أو داخل المجموعة الشمسية، ولكن لا يستطيع الوصول إلى أقرب نجمة خارج المجموعة الشمسية. والسبب في ذلك قدرته المحدودة وقابليته المقيدة بحواسه وعقله المحدود. ولا شك ان هذه القدرة المحدودة والمقيدة، وان كانت تستطيع خلق المعجزات العلمية والتكنلولوجية كصنع الحواسيب (الكمبيوترات) والصواريخ الموجهة والمركبات الفضائية المتطورة والأبنية الضخمة وما شاكل ذلك. إلا انها تقف عاجزة في حدود معينة، قدرها لها الله تعالى لا تستطيع تجاوزها مهما جدت واجتهدت. اما الله تعالى خالق هذا الإنسان الذي أبدع الحواسيب والصواريخ والمركبات الفضائية والأبنية الضخمة فيختلف كل الاختلاف. فهو مطلق في كل شيء، غير مقيد بزمان ولا مكان ولا بأي شيء آخر. خلق هذا الكون كله بقدرته العجيبة بعد ان لم يكن، إنما امره اذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) (4). انه فوق كل شيء في الكون، لأنه (خالق كل شيء) (5)، لذلك جاء خلقه على مستوى آخر غير نعرفه من الأشياء الذي يصنعها الإنسان، هذا المخلوق الضعيف. لقد خلق الإنسان والمجرات والنجوم والكواكب والظواهر الاخرى والكون كله، وهذه قدرة عظيمة جداً لم نعرف مثلها من القدرات. الكون مسافات واحجام وظواهر هائلة ولنرى الارض قليلاً ولنرى بعض هذه القدرة ولنتجة نحو السماء، وهنا سنكون أمام أرقام مذهلة واحجام مهولة ومسافات غريبة على عقولنا(6). ففي الكون ما لا يحصى من النجوم والمجرات، في مجرتنا وحدها (مجرة درب التبانه) أكثر من مئة ألف مليون نجم. والنجم ـ كما نعرف ـ هو شمس كشمنا هذه لكنه ابتعد عنا فبان نقطة صغيرة، وكذلك شمسنا لو ابتعدت عنا لصارت نقطة كبقية النجوم، ويذكر علماء الفلك ان في الكون اكثر من الف مليون مجرة مثل مجرتنا، أو أكبر أو اصغر. اما المسافات بين مجرة واخرى أو بين نجم وآخر فهي مذهلة أيضاً ولا يمكن ان يصدق بها عقلنا الذي تعود على المسافات الصغيرة بين شارع وآخر أو بين مدينة وثانية، أو بين بلد وبلد، وهي مسافات نقدرها بالامتار والكيلو مترات ومئاتها وآلافها وقلما نتجاوز ذلك. لكن مسافات السماء غير ذلك، مسافات غريبة ومثيرة، بل ومحيرة، ولذلك حين ورد ذكر مواقع النجوم في القرآن الكريم قال تعالى: (فلا اقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم) (7)، ان القسم بهذه المواقع عظيم لعظمة النجوم ومواقعها البعيدة. لذلك تقدر المسافات بين النجوم والمجرات بالزمن لا بالامتار ومضاعفاتها، فاذا كانت المسافة بين الأرض والقمر في حدود ربع مليون ميل فهي بالمقياس الزمني في حدود الثانية الضوئية، والمسافة بين الأرض والشمس والبالغة 93 مليون ميل تقدر بثماني دقائق ضوية، اما اقرب النجوم إلينا وهو (الفاقنطورس) فيقدر بعده عنا بنحو 4,4 سنة ضوئية، والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة علماً ان الضوء يقطع في الثانية الواحدة مسافة قدرها نحوو 186.000 ميل أو 300.000 كيلو متراً تقريباً. حيث تصبح السنة الضوئية رقماً خيالياً من الأميال، في حدود 6 ملايين، أو نحو 10 ملايين ملايين كيلو متراً. هذه هي السنة الضوئية وبها تقاس المسافات فهي الكون، وتستطيع المناظير الفلكية الضوئية والراديوية التعرف على نجوم أو مجرات تقع على آلاف الملايين من السنين الضوئية، فكم هو واسع هذا الكون وكم هو عظيم خلقه وإبداعه. اما احجام النجوم فمثيرة حقاً، فالنجوم شموس كالشمس المعروفة(8)، بعضها يكبر شمسنا آلاف المرات وأكثر وبعضها أصغر منها ... فإذا عرفنا ان شمسنا تكبر الأرض في حدود مليون وثلثمائة مرة ادركنا كم هي كبيرة احجام النجوم. وما مجموعتنا الشمسية بين هذا الكون الواسع والأحجام الضخمة والمسافات المذهلة إلا نقطة صغيرة جداً تقطع في منطقة موحشة بعيدة كل البعد عن أي جرم سماوي آخر. والحقيقة انها هي مفتاحنا الذي نستطيع من خلاله غز والكون. والإطلاع على أسراره أو بعض أسراره فهي الأرض أهم أعضاء المجموعة الشمسية أنطلق الإنسان بعينه وعقله لاستكشاف الكون. ولا يقتصر الكون على هذه المليارات من النجوم والمجرات، وانما هنا أيضاً ظواهر كونية أخرى منها السلام والسديم هو غاز وغبار ينتشر داخل المجرات وخارجها، وله إشكال مختلفة، ومن تكاثفه تتولد النجوم والمجرات. وجاء في القرآن ذكر الدخان في بداية خلق الكون (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) (9)، ويمكن أن يفسر هذا الدخان بالسديم الأول الذي نشأ عنه الكون وظواهر الكون كثيرة ويمكن ان نعد منها النجوم المتفجرة تلك التي تتفجر فجأة مكونة ضوءاً يُعادل ضوء المجرة أو أكثر. ومنها التقوب السوداء ذات الجاذبية المهولة، وهناك الكوازرات تلك المجرات التي تقع على حافة الكون، ويبعد بعضها 14 مليار سنة ضوئية، اضافة إلى تلك الظواهر الصغيرة كالمذنبات والشهب والنيازك وغيرها. هذا هو خلق الله، خلق منظم وجميل ومثير، وليس فيه أي تفاوت (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) (10)، كله إبداع وروعة وعظمة، ودليل على ان خالقه مبدع ومتفرد في إبداعه (وليس كمثله شيء) (11)، على حد تعبير القرآن الكريم. وان الإنسان أمام ذلك الخالق المبدع المتفرد في إبداعه ضعيف ضئيل إلى أبعد الحدود. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] ـ عدد النجوم قديماً 1022 ومع السبعة السيارة 1029 عجائب المخلوقات للقزويني ص22. [2] ـ نظام كوبر نيكوس ـ قاموس دار العلم الفلكي ـ عبد الأمير المؤمن ص516. [3] ـ سورة النساء: 28. [4] ـ سورة يس: 82. [5] ـ سورة الأنعام: 102. [6] ـ الكون نظرة تراثية ومعاصرة، عبد الأمير المؤمن ص159 ـ 165. [7] ـ سورة الواقعة: 75 و76. [8] ـ المنظومة الشمسية، عبد الأمير المؤمن، ص99 ـ ص116. [9] ـ سورة فصلت: 11. [10] ـ سورة الملك: 3. [11] ـ سورة الشورى: 11.
|