|
مما يلفت الانتباه ان الفاصل الزمني بين ما جرى على القناة المستقلة من حوار صريح بعد صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك وبين ما يحدث الآن على أرض العراق من أحداث دامية يُحار المرء ماذا يقول فيها يعتبر من القصر بدرجة مما يكون قراءة واضحة وصريحة لمن ألقى السمع وهو شهيد لتوجه الاستعمار العالمي لحقيقة المواجهة في العراق والتي تكمن في مواجهة الشيعة بعد الإطاحة بنظام المرتزق صدام. فذلك الحوار وما دار فيه هو تجسيد حي لهذا التوجه الاستعماري بقيادة أمريكا وإسرائيل الذي يهدف دائماً لتحريك كل ما يساعد ويمهد لحركة وحرب طائفية في العراق بعد سقوط البعث ليكون حلقة من حلقات السيطرة على الأرض ـ التي كانت مسرحاً للرسالات السماوية ومهداً للحضارات الإنسانية ـ ومفتاحاً لعهد استعماري جديد للمنطقة.
ولا شك إنَّ البلوشي والخميس اللذان أدارا ظهرهما وتنكرا لخير البرية علي وأولاده وزوجته الطاهرة الزكية ورميا نفساهما في أحضان من تسالم على فسقه وفجوره من حكام بني أمية وبني العباس لاشك أن يكون هؤلاء صيداً وهدفاً سهلاً لدوائر الاستخبارات العالمية. وبعد ان عرفنا هذا علينا ان نكون في غاية الحيطة والحذر ممّا يراد بنا وان نسعى بكل جهدنا لأن ندخل مرحلة جديدة من الصراع بعد سقوط المجرم صدام هدفنا فيها سيادة الجماهير المؤمنة على القرار في العراق والسعي لتحقيق عراق حر مستقل آمن متآلف يكون ميدان للوحدة الإسلامية والوطنية ومما يصب في خدمة هذا الهدف العظيم هو الرد على الخميس وأمثاله وتعرية كلامه من الصحة وبيان أكاذيبه حتى لا تؤثر على وحدة المسلمين اللذين هم اليوم بأسس الحاجة لوحدة الموقف من أي وقت آخر فهذا هو علي يحاور أفكار الخميس الواهية التي لا تستند إلى أي مصدر. الخميس: من كذب الشيعة ونفاقهم أنهم يقولون بالتقية. علي: الخميس يعتبر التقية كذب ونفاق ويتهم الشيعة بذلك لأنهم يعتقدون بها. ولكي نقف على حقيقة التقية هل هي كذب ونفاق كما يقول الخميس أم إنها مفهوم إسلامي صرح به القرآن الكريم ودعا إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وعمل به خيرة الأصحاب أمثال عمار وغيره، وعمل به أيضاً أئمة الخميس أنفسهم. التقية في اللغة: كما يقول الحافظ بن حجر في فتح الباري: (معنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير) (1). فقال الشيخ المفيد: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا.. ) (2). وعلى هذا يمكن أن نعرف التقية بأنها: عدم إظهار ما يعتقدهُ الإنسان ويؤمن به بالقول أو الفعل مع إظهار ما ينافيه أو بدونه لغرض التجنب عن الضرر الذي يتحقق بالإظهار. ومما ورد في القرآن الكريم بشأن التقية نذكر بعض الآيات الكريمة: أولاً: قوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران:28). الآية الكريمة تدلُّ على جواز إظهار الكفر لهم إذا خاف على نفسه بسبب غلبتهم والحذر من بطشهم. وهو ما صرح به عدة من المحققين والمفسرين من كبار علماء السنة ومنهم الطبري في تفسيره حيث يقول: وهذا نهيٌّ من الله عزَّ وجلّ المؤمنون أن يتخذوا الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً). فقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: (ومعنى الآية: لا يتخذ المؤمن الكافر ولياً في الباطن ولا في الظاهر إلاّ للتقية في الظاهر، فيجوز أن يواليه إذا خافه ويعاديه باطناً) (3). ثانياً: قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106). وهذه الآية الكريمة تدل على حرمة الكفر ظاهراً وباطناً، ولكن تستثنى أن يكره على الكفر فيجوز له أن يظهر الكفر مع استقرار الإيمان في قلبه وهو مما لا خلاف فيه بين فقهاء المسلمين من شيعة وسنة وبهذا وردت عدة روايات صحيحة عند السنة منها ما أخرجه جماعة من الحفاظ منهم عبد الرزاق الضاعي وابن سعد والطبري وابن مردويه والحاكم والبيهقي بالاسناد عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه، قال: (أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر آلهتهم بخير ثمَّ تركوه فلما أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما وراءك؟ قال شرّ يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن عادوا فعد). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص. ثمَّ إن كبار الفقهاء المعتمدين عند السنة يقولون في التقية: قال البخاري في صحيحه: وقال الحسن: التقية إلى يوم القيامة (4) قال أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف: حدثنا مروان، عن عوف، عن الحسن قال: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة..) (5). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن اسرائيل، عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية قال: سمعته يقول: (لا إيمان لمن لا تقية له) (6). قال الشافعي في كتاب الأم: أو لو أن رجلاً اسره العدو فأكرهه على الكفر لم تبن منه أمرته، ولم يحكم عليه بشيء من حكم المرتد، قد أكره بعض من أسلم على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) على الكفر فقاله ثمَّ جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وسلم فذكر له ما عذب به فنزل به: (... إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ ...) (النحل:106). وقال ابن كثير: اتفق العلماء على إن المكره على الكفر يجوز له أن يولي إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال (رضي الله عنه) يأبى عليهم...) (7). أما موارد التقية فان الكلام فيها يقع في مقامين: الأول: هل ان التقية تختص بالقول أو تشمل الفعل أيضاً وقد اختلف الفقهاء والمعتمدين عند السنة في ذلك إلى قولين: 1 ـ ان التقية تختص باللسان ونقل ذلك عن ابن عباس وابي العالية والضحاك بن مزاحم. 2 ـ ان التقية تشمل القول والفعل أيضاً قال الفخر الرازي ـ وهو من كبار فقهاء الشافعية ـ في التفسير الكبير: (إن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة، بل يجوز أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ولكن بشرط ان يضمر خلافه...). الثاني: هل ان التقية تختص فيما لو حصل الخوف من الكفار أو تشمل ما لو حصل من المسلمين أيضاً، والذي عليه مذهب الإمام الشافعي عدم اختصاص حكم التقية بين المسلمين والكافرين بل تصح بين المسلمين أنفسهم. قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: (ظاهر الآية يدلُّ على ان التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي (رضي الله عنه) أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة عن النفس) (8). وبهذا المعنى وردت روايات معتبرة عند السنة فمن أراد التزود فليراجع كتب السنة وبعد هذا البيان يتضح كون التقية من مسلمات دين المسلمين ولم ينتقد التقية إلاّ الشواذ من أمثال البلوشي والخميس اللذين لا اطلاع لهما على كلمات الفقهاء والمحققين من علماء السنة. الخميس: أن خلافنا مع الشيعة ليس في الفروع وإنما في أصول العقيدة فهم يتوسلون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمتهم وهذا عندنا من الشرك. علي: أيها الخميس لماذا تتهموننا بالشرك بالله عزَّ وجلّ فان مسألة التوسل النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الأطهار ليست من متفردات الشيعة، بل قال بها الكثير من علماء السنة على مرّ التاريخ. وعمدت الإشكال علينا بأن الله عزَّ وجلّ هو خالق الخلق ومدبر الأمور ولا قدرة لأحد على شيء إلاّ بأمره وهو غني عن جميع خلقه، فتوسيط خلقه ولو كانوا من عباده الصالحين تنزيلهم منزلة الربوبية المنحصر بذاته المتعالية. هذا هو أهم الإشكالات المذكورة في هذا الشأن، وبقيتها مبني على ضعف بعض الروايات، وما أشبه، وليس إشكالات تتعلق بأصل التوحيد والعقيدة. ولأجل المزيد من التوضيح لا بأس بالإجابة على مثل هذه المسألة بأكثر من وجه. اولاً: إننا لا نعتقد بأن لهم تاثير وقدرة في قبال قدرة الله جلَّ وعلا ولا نعتقد بأن لهم فعل بعض الأمور بصورة مستقلة عن إرادة الله تعالى وقدرته لأن هذا الأمر مقتضي للشرك. ثانياً: إننا نعتقد بانحصار القدرة المطلقة والتأثير التام بالذات المقدسة الإلهية ونعتقد أن مكانتهم عند الله عزَّ وجلّ تؤهلهم لأن يتوسل بهم العبد للشفاعة في قضاء حاجته عند الله عزَّ وجلّ وهذا الأمر لا يعد من الشرك بحال من الأحوال لأن ذلك: 1 ـ لا ينافي الاعتقاد بوحدانية الله عزَّ وجلّ وقدرته المطلقة وغاية ما في الأمر هو اعتقاد بتكريم الأولياء ومكانتهم عند الله عزَّ وجلّ. 2 ـ ولو إن مثل هذا الأمر يكون شركاً لكان طلب المساعدة في كل الأحوال لابدّ ان يكون شركاً حتى في القضايا الدنيوية وهو مما لا يقول به عاقل من المسلمين. 3 ـ الاعتقاد بشفاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المسلمات عند المسلمين باتفاق علماء الشيعة والسنة، وكذا شفاعة الأئمة من أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين والشهداء والصالحين، كل المسلمين باستثناء مَنْ شذَّ ـ كالخميس وغيره ـ يعتقدون ان الله عزَّ وجلّ يغفر الذنوب والكبائر ببركة الشفاعة وهو لا يقتضي الشرك بالاتفاق. ثمَّ على فرض ان السنة يقولون بعدم مشروعية التوسل فان ذلك لا يكفي إلزام المذاهب الأخرى والتشنيع عليهم بمجرد المخالفة في المذهب، وإلاّ لزم من كل مذهب من المذاهب أن يكفر المذهب الآخر لمجرد الاختلاف في المسائل الفقهية. ومع غض النظر عن الروايات الكثيرة التي جاءتنا من الأئمة (عليهم السلام) فان هناك روايات عن طريق كتب السنة اتفقوا على صحتها تدلّ على مشروعية التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء وهي روايات كثيرة نذكر واحدة منها للاستدلال ونترك الباقي للباحث في الأمر: أخرج عدة من الحفاظ منهم النسائي وأحمد بن حنبل والترمذي والحاكم، يقول الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان اخبرنا عثمان بن عمر أخبرنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: أدع الله أن يعافيني قال إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خيَّر لك قال فادعه قال فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعوه بهذا الدعاء: اللهمَّ إني أسألك وأتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي إليهم فشفعه فيّ). قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح( 9). بعد هذا يتضح أن اللذين يشنعون على الشيعة إنما هم جملة لا يعرفون حقيقة دينهم وما جاء فيه بل إنما يقولون ذلك ويفترون على الشيعة إرضاءً لأسيادهم الوهابيين الذين يعملون جاهين للنيل من هذا الدين. __________________ 1 ـ فتح الباري: ج 1 ص 388. 2 ـ تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد: ص 115. 3 ـ فتح الباري: ج 12 ص 387 كتاب الإكراه. 4 ـ فتح الباري: ج 1 ص 385 كتاب الإكراه. 5 ـ المصنف لأبن تيمية: ج 6 ص 474 ج 42 ـ 33. 6 ـ المصنف لأبن تيمية: ج 6 ص 474 ج 45 ـ 33. 7 ـ تفسير القرآن العظيم لأبن كثير: ج 2 ص 568. 8 ـ التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 8 ص 14. 9 ـ سنن الترمذي: ج 5 ص 228، 229 ح 3649. المصادر: __________ 1 ـ في رحاب العقيدة: لسماحة المرجع الكبير محمد سعيد الحكيم (حفظه الله). 2 ـ جذور الانحراف: حسين عبد الله المعتوق. 3 ـ تصحيح الاعتقاد: الشيخ المفيد (قدس سره). 4 ـ تفسير القرآن الكريم: لابن كثير.
|