استطلاعات الرأي العام و أثرها على الواقع السياسي والاقتصادي في العراق
قاسم العجرش
2009/10/20

لقد أصبحت لمواقف الرأي العام تجاه القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الوطنية والإقليمية والدولية أهمية كبيرة في الوقت الحاضر, حيث يتم الاهتمام بمعرفة وجهة نظر الرأي العام كي يتم تبنيها من قبل أصحاب القرار السياسي أو المرشحين للانتخابات والساعين للفوز فيها على جميع المستويات, ولذلك تجرى الاستبيانات والاستفتاءات لمعرفة اتجاهات الرأي العام مسبقا, وبطرق قياس متعددة , وتكون نتائجها مهمة لرسم صورة المستقبل للسياسات والخطط والمشاريع إلا أن ذلك لا يعني اعتماد الرأي العام بشكل مطلق لدى كل الحكومات أو الجهات التي تكون بحاجة لإستقراءه, إذ قد يتخذ بعض الرؤساء والحكام مواقف مغايرة بعد فوزهم, أو قد ينحرفون عن رأي الأغلبية معرضين أنفسهم للنقد الشديد, وأوضح مثال لذلك هو موقف رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الذي تجاهل الرأي العام البريطاني الرافض لمشاركة بريطانيا في حملة الإطاحة بنظام صدام, وقد كانت نسبة المعارضين لمشاركة حسب استطلاعات الرأي العام البريطاني تزيد على 68% وواجه معارضة قوية في حزب العمال البريطاني أفقدته بالنهاية منصبه.
ويمكن ملاحظة أهمية الرأي العام من خلال كونه قوة من قوى الحياة السياسية للمجتمع المدني, فهو تعبير عن سلوك الأفراد والجماعات المتضمن طاقة وقوة معينة هي أصل وجوهر حركته , فإذا كانت تلك الحركة عامة وشعبية فإنها تدل على طاقة هائلة يعتمد عليها وجود النظام السياسي وتطوره وازدهاره في حالة الرضا, وزعزعته واضمحلاله في حالة الرفض, لأن الرأي العام تجاه قضية معينة ينبثق من درجة التفاعل الشعبي معها وعمق ذلك التفاعل ودرجة التماسك الاجتماعي وتجانس المصالح تجاه تلك القضية وفاعلية وحيوية قنوات الاتصال بين الرأي العام, ومديات التأثر بوسائل الإعلام والاقتناع بتبنيها .
وبذلك يعتبر الرأي العام عاملا مؤثرا في صناعة القرار السياسي وبالتالي في ممارسة السلطة بشكل غير مباشر , وبذلك يمكن الجزم بان في الإمكان ممارسة السلطة بواسطة تلك القوى الإجتماعية ولو بشكل نسبي وهذا سيكون معيارا لتقدم النظام السياسي الحاكم لتلك الدولة التي سيتحقق فيها ذلك الأمر.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين بدأت الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية الكبرى بتشكيل مراكز بحثية لقياس الرأي العام, وذلك لما يتمتع به من تأثير مباشر وغير مباشر على صناعة القرارات السياسية والإقتصادية الإجتماعية باعتباره قوة لا يمكن إغفال تأثيرها في مجرى الأحداث وفي صنع القرار, ولذلك بات من الضروري التعرف على حجم واتجاه هذه القوة وذلك من خلال دراستها وقياسها بوسائل عدة أبرزها استطلاعات الرأي العام التي تنوعت في أساليب تطبيقها , لذلك سنتناول في مقاربتنا هذه مفهوم الرأي العام والمقومات الرئيسة له والعوامل المؤثرة في تشكيله وكذلك صعوبات قياسه في العراق كما سنتناول استطلاعات الرأي العام.
مفهوم الرأي العام
لإعطاء تصور واضح عن مفهوم الرأي العام نجد من المهم استعراض التطور التاريخي لهذا المفهوم منذ بدايته إلى أن أصبح مصطلحا متداولا شائع الاستعمال. فالأشياء توجد أولا ثم تعرض أسماءها, ومنها الرأي العام فهو قديم قدم البشرية, وان كان كاصطلاح من مصطلحات العصر الحديث الذي تعددت فيه وسائل التعبير عن هذا الرأي العام من الصحيفة إلى الإذاعة إلى التلفزيون واستطلاعات الرأي العام. وقد زادت أهمية الرأي العام منذ أن اكتشفت الكتابة وما رافقها من ظهور الحضارات, فكان حكام (سومر ) و(بابل ) و (آشور) يقيمون للرأي العام وزنا لا بأس به, كما تكشف آثار مصر القديمة عن إدراك واضح للرأي العام وتكشف عن أساليب راقية التأثير فيه وتوجيهه الوجهة المطلوبة مثل (تأليه ( الفرعون و ( تقديس ) الكهان وتشييد المعابد والأهرامات , ولم يكن هذا كله سوى أساليب متطورة للتأثير في الرأي العام.
وكانت المدن اليونانية القديمة أول من أعطى الرأي العام مجالا واسعا لتنظيم شؤون المجتمع, ولقد تحدثت اليونانية بعد ذلك عن الآراء الشائعة ووصلوا إلى مفهوم صوت الجمهور أو صوت الشعب, وان الكلمات الإغريقية (Case pfeme nomos )واصطلاح (Vxopopuli) تدل على رأي المواطنين الراغبين في التأثير في الأمور العامة .
ثم جاءت الحضارة الإسلامية ومن خلال القواعد التي أرستها, يمكن القول أنها اهتمت بالرأي العام وأعطته سلطات كبيرة تصل إلى حد معصية الحاكم والثورة عليه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )، وذلك إن خرج عن حدود سلطته المحددة له, وقد وضع الإسلام أصولا عامة منها ( مبدأ الشورى ) كما اعترف الإسلام بالحقوق والحريات كحق الملكية الفردية والجماعية, وأقام الإسلام حرية الرأي والعقيدة مقاما رفيعا وكفل العديد من الحريات, وتجد الكثير من التعابير التي تشير إلى الرأي العام في كتابات الجاحظ وابن خلدون وابن عبد ربه الأندلسي، بل إن مراجعة أقوال وحكم أمير المؤمنين علي عليه السلام تفصح انه واضع أولى لبنات علم الرجال الذي هو بالحقيقة المقدمة الأولى لفكرة الرأي العام.
ولعل كتابات ميكافيلي (1527ـ1469) تعتبر التطور المعبر عن الكيفية التي تناول الفكر الفلسفي قيها ما يسمى بـ (الرأي العام ), فقد اعتبره عنصرا يجب أن يؤخذ بالحسبان في عملية الصراع من أجل السلطة، فيما كان جان جاك روسو (1778ـ1712) أول فيلسوف استخدم تعبير الرأي العام ومن أهم كتاباته ( العقد الاجتماعي ) ويمكن اعتبار الفكرة الأساسية وراء العقد الاجتماعي هو موضوع وحدة البناء الاجتماعي وذلك بإخضاع المصالح الخاصة للإرادة العامة، فالحكومة دورها مساعد لأن الإرادة العامة هي مجموع إرادة الشعب الذي يخضع للقوانين, والحكومة ما هي إلا أفراد يقومون بتنفيذ القوانين بتكليف من الشعب, وواضح إن مفهوم إرادة الشعب يشير بمفهومه العلمي التطبيقي إلى جوهر الرأي العام في معناه المعاصر .
وفي القرن الثامن عشر المسمى (عصر التنوير)، حيث تكونت الدولة الأمريكية وتلتها الثورة الفرنسية كأبرز حدثين يعبران عن دور الرأي العام وقوته، ثم جاء القرن التاسع عشر المليء بالأحداث والتغيرات حيث قامت الثورة الصناعية, وتطورت الكشوف العلمية واختراع وسائل اتصال جديدة مما جعل الرأي العام ذو سطوة كبيرة وسلطان بين, وكان من نتائجه مطالبة العمال بسن التشريعات التي تعالج مشاكلهم، وتضمن حقوقهم ومصالحهم، وشهدت نهاية القرن التاسع عشر كتابات (جوستاف لوبون ) العالم الاجتماعي الذي كان احد أوائل الذين أدركوا فكرة (الجمهور) و( التكتل الشعبي ) وتأثيرها في العمل السياسي، وأخيرا جاء القرن العشرين ليتوج انتصارات الرأي العام بالمزيد, حيث ظهر الراديو والسينما ثم التلفزيون، وحدثت ثورة إعلامية كبرى ربما اكبر من أماني البش, وتطورت وسائل الاتصال الى حد بات العالم يوصف فيه بأنه قرية كبيرة, ولقد كان للحرب العالمية الأولى التي شهدها هذا القرن اثر هام في تدعيم الرأي العام, وظهرت دراسات مجتمعية ونفسية بعد الحرب ركزت على دراسة السلوك, وقادت تلك الدراسات الى اكتشاف إن أصل السلوك، ما هو إلا بعض صور التهيؤ للعمل وأطلقت عليه مفهوم (المواقف) أو (الاتجاهات) وهذا المفهوم ليس إلا الرأي العام في جوهره, أو القاعدة التي يقوم عليها الرأي العام، ومنذ بداية الثلاثينيات بدا ما يسمى بأبحاث قياس الرأي العام حيث تقوم هذه الأبحاث بقياس المواقف وردود الأفعال على القضايا والموضوعات التي تشهدها الحياة السياسية والاجتماعية، إن الأحداث الضخمة التي شهدها القرن العشرين والتي هزت الوجدان الإنساني بأسره بدأ من الحربين العالميتين الأولى ومن ثم الثانية، قد أثرت بشكل كبير بالرأي العام وبدوره في الحياة السياسية الوطنية والدولية, وأصبح للرأي العام دور كبير في صياغة الأحداث وفي توجيه أصحاب القرار السياسي بمضمونه في حساباتهم سواء صرحوا بذلك أم لم يصرحوا.
دلالات مفهوم الرأي العام
ولتوضيح مفهوم الرأي العام يذهب بعض الباحثين الى معنى تفسير كلمتي (الرأي) و (العام) المكونة لمصطلح الرأي العام، وأننا نلجأ الى الطريقين معا لتوضيح هذا المفهوم ودلالاته, فهناك في وصف الرأي العام كعاطفة إزاء موضوع معين، يروج بها أكثر أعضاء الجماعة اطلاعا وذكاء، ثم لا تلبث هذه العاطفة أن تنتشر وتعتنق من قبل معظم الأشخاص الذين تتكون منهم جماعة منظمة ذات مشاعر سوية تعيش في دولة متمدنة متحضرة، فيما اعتبر آخرون إن كل ما يمكن أن يحث على عملية التفكير والإعراب عن ذلك حول قضايا المصلحة العامة يدخل في تكوين الرأي العام, وبالتالي يمثل الرأي الأكثر فعالية لأكبر عدد ممكن من المواطنين الواعين.
والرأي العام إنما يصبح ذا معنى, حيث يكون متعلقا بموقف يتخذه كثيرون يعبرون أو يمكن مناشدتهم للتعبير من خلاله عن أنفسهم في شكل تحبيذ أو تأييد أو بالعكس في شكل رفض أو معارضة لحالة محددة, أو شخص معين بالذات, أو لمقترح محدد ذي أهمية واسعة النطاق, بشرط أن يكون متمتعا بقد كبير من القوة العددية والشدة بحيث يسمح باحتمال اتخاذ إجراء مباشر أو غير مباشر إزاء الهدف المقصود.
ويؤكد العلماء على هذه الطبيعة المائعة للرأي العام و فهو قوة حقيقية شأنها شأن الريح, له ضغط لا تراه ولكنه ذو ثقل عظيم, وهو كالريح لا تمسك بها ولكنك تحني لها الرأس متطبعا.
والرأي جزء من منظومة متكاملة تبدأ بالمعلومات وتنتهي بالسلوك، وتشمل (المعلومات والآراء والإتجاهات والقيم و المعتقدات والسلوك)، وهناك تداخل بين هذه المسميات المختلفة وحسب الضرورة، للتميز بينها لمعرفة النعت الدقيق لكلمة الرأي الذي نقصده في مصطلح الرأي العام.
إن أهم ما يميز الرأي هو مجموعة من الخصائص التي من شأنها ان تحكم جوهره:
1ـ إن الرأي عمل من أعمال الإرادة وعلى هذا الأساس فان الموقف إزاء الكوارث الطبيعية لا يمكن أن يسمى رأيا.
2ـ يتميز الرأي بارتباطه بالوعي .. ان الرأي يوجد عندما تطرح أمام الشخص أو أمام أعضاء الجماعة قضايا تتجاوز بتأثيرها نطاق العواطف لتدخل نطاق الوعي، وهذا التجاوز الذي يتيح فرصة ضمان ثبات الرأي ووضوحه،( فالرأي أكثر من مجرد انطباع وبنفس الوقت لا يصل الى مرحلة اليقين أو الحقيقة الشاملة )
لقد أطلق العالم (ليو كومب) في كتابه علم النفس الإجتماعي مصطلح (الإتجاهات الاجتماعية) على الرأي العام, وعلى الرغم من أننا غالبا ما نجد في الرأي علامة في الإتجاه والرأي العام من غير اتجاه، فالإتجاه ( استعداد نفسي لإستجابة سلوكية معينة تجاه موقف معين لم يتحدد بعد, إن الإتجاه كامن إذا توفر احد شروط الرأي العام، وهو ان يكون ظاهرا, إلا أن الإتجاه له تأثير على استجابة الفرد لجميع الموضوعات والمواقف التي تستثير هذه الإستجابة.
والرأي يقسم الى قسمين:
الرأي الشخصي: فهو ذلك الرأي الذي يكونه الفرد لنفسه في موضوع معين، بعد تفكير في هذا الموضوع ويجاهر به دون أن يخشى شيئا.
الرأي الخاص: فهو ذلك الجزء من الرأي الشخصي الذي لا يجاهر به الشخص أمام الناس، ولكنه يحتفظ به خشية أن يتعرض للخطر، أو انه غير مكتمل، وتظهر أهمية الرأي الخاص في الإنتخابات والإقتراعات السرية.
أما كلمة عام: فإنها تشير إلى المسائل و المصالح المشتركة والشؤون التي يشترك في الإهتمام بها كل أو اغلب الأعضاء البالغين في جماعة أو امة.
تعريف الرأي العام :
تعرف الموسوعة الفلسفية الرأي العام بأنه : ( مجموع معين من الأفكار والمفاهيم التي تعبر عن مواقف مجموعة أو عدة مجموعات اجتماعية إزاء أحداث او ظواهر من الحياة الإجتماعية إزاء نشاط الطبقات والمكونات والأفراد)، ويعرف قاموس (وبستر) الرأي العام بأنه:(الرأي المشترك خصوصا عندما يظهر انه رأي العامة من الناس)، ويعرف معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية بأنه: (هو وجهات النظر والشعور السائد بين جمهور معين في وقت معين إزاء موقف أو مشكلة من المشكلات).ويعرفه ليورناد دوب بأنه: (يشير إلى اتجاهات أفراد الشعب إزاء مشكلة ما في حالة انتمائهم الى مجموعة اجتماعية واحدة).ويعرفه وليم البيج بأنه: (نتائج التفاعل بين جماعات الأفراد يتناولون بالمناقشة قضية او موضوعا جدليا تتعارض فيه الآراء أو تتساوى).أما جون ستور فيعرفه بأنه: (هو كل ميول ورغبات المجتمع وما ينفر عنه).
ونحن نرشح التعريف الآتي (هو الرأي السائد بين أغلبية الشعب الواعية حيال قضية معينة أو أكثر يحتدم حولها الجدل والنقاش وتمس مصالح الأغلبية أو قيمها الإنسانية مسا مباشرا).
وهو بهذا يعني : اتجاهات أعضاء مجموعة اجتماعية ما تجاه قضية معينة , او انه تفصيلات يفصح عنها كم يعتد به من أفراد المجتمع نحو مسألة ذات أهمية عامة .
عناصر الرأي العام :
1ـ وجود جماعة معينة من الناس لديهم قضية معينة.
2ـ وجود رأي لهم او اتجاه نحو تلك القضية سواء بالرفض او القبول، والذي يعبر عنه كتابة او شفاهة.
3ـ وجود خلل ما يتطلب المعالجة حسب رأي تلك الجماعة.
قواعد الرأي العام
من خلال هذه التعريفات فإننا نستطيع تبين قواعد عامة تحكم الرأي العام وهي:
1ـ هو موقف اختباري يتخذه المرء إزاء قضية مثيرة للجدل.
2ـ أن يكون ظاهرا، فشرط الرأي العام هو التعبير عنه.
3ـ يتصف بالديناميكية والحركة، أي استجابة لمعطيات الحياة المتنوعة، فهو بذلك يختلف عن العقائد التي تتصف بالثبات والاستقرار.
4ـ نتاج اجتماعي لعملية اتصال متبادل بين العديد من الجماعات والأفراد في المجتمع، ويشترط وجود اتفاق على الموضوع، كما يفترض المناقشة العلنية لموضوع الرأي العام.
5ـ يستمد الرأي العام شكله من الإطار الاجتماعي الذي يتحرك بداخله.
6ـ يمثل آراء جمع كبير من الأفراد، وان هذه الآراء تتصل بالمسائل المختلف عليها وذات الصالح العام، وان هذه الآراء لا تمارس تأثيرا على سلوك الأفراد والجماعات السياسية الحكومية.
ـ تقسيمات الرأي العام
يقسم الرأي العام وعلى شروط أو ملامح معينة إلى:
أ) التقسيم الزمني:
1ـ رأي عام يومي: وهو الفكرة اليومية التي يعتنقها معظم الناس نتيجة لحادث مفاجئ، أو كارثة ليست طبيعية حلت بالجماعة، وهو رأي متقلب سريع التغيير.
2ـ رأي عام مؤقت: وهو محدد بعوامل زمنية تمثله منظمات معينة كالأحزاب.
3ـ رأي عام دائم: ويتركز على أسس تاريخية وثقافية ودينية ويمتاز الرأي أكثر تأثيرا في الناس كما يمتاز بالاستقرار والثبات.
ب) التقسيم الكمي:
1ـ الرأي الساحق:
وهو رأي أكثرية الجماعة ويتكون غالبا نتيجة لاندفاع الجماهير وحماسها إزاء مسألة معينة ونادرا ما يكون نتيجة الدراسة والبحث والرؤية.
2ـ رأي الأغلبية:
ويمثل ما يزيد عن نصف الجماعة وهو رأي الأغلبية الفعالة ذات التأثير.
3ـ رأي الأقلية:
وهذا الرأي يمثل ما يقل عن النصف في الجماعة، ولكن ليس معنى هذا بلا قيمة فقد يضم رأي الصفوة وقد يصبح أحيانا رأي الأغلبية.
5 ـ المقومات الأساسية للرأي العام:
تدلل العوامل المؤثرة في تشكيل الرأي العام أربعة عناصر رئيسية هي:
1ـ الدين وهو مسلمة لا تقبل الجدل.
2ـ العادات والتقاليد والقيم الموروثة التي تقبلها الشعوب بخيرها وشرها، والتي عادة ما تكون لها جوانب خطيرة على الرأي العام، حيث أنها تحدد للفرد ما هو مقبول وغير مقبول من الرأي والسلوك، كما تؤثر في إدراك الفرد للمواقف والمشاكل التي تقابله.
3ـ عامل التربية والتعليم كمؤثر رئيسي في تشكيل الرأي العام، من حيث بناء مضمونه المعرفي، ومن حيث تأثير اتجاهه في مستقبل الرأي العام، إذا قامت على زرع قيم معينة في التفرقة العنصرية، وصورة المرأة النمطية في المجتمع، وغير ذلك من قضايا هامة ومؤثرة في مسيرة المجتمع بشكل عام.
4ـ عامل النظام السياسي كأحد المقومات الهامة جدا في الرأي العام، حيث إن النظام السياسي الديمقراطي الذي يؤمن بالرأي العام، يلجأ إلى وسائل متعددة لكسبه عن طريق تنمية وزيادة الوعي السياسي لدى الجماهير، وعرض الحقائق بشفافية كاملة لتسخير وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام، إضافة إلى توفير الحرية المطلوبة للتنظيمات السياسية الشعبية ومنظمات المجتمع المدني والاهتمام باستطلاعات الرأي.
ثانيا ـ القرار:
القرار هو (عبارة عن اختيار الطريق أو المنهج أو المسار من بين عدة طرق و مناهج و مسارات يمكن سلوكها لبلوغ الغاية وتحقيق الهدف).
وتعد عملية اتخاذ القرار عملية ذهنية تتطلب قدرا من التصور والإبداع، ودرجة كبيرة من المنطقية بما يمكن اختباره، وتقيم بدائل التصرف الممكن تحقيق هدف معين، ومن الواضح إن هذه العملية تتطلب قاعدة من المعلومات والبيانات، يمكن أن تساعد على تكوين فكرة حول المسألة المطلوب اتخاذ القرار بصددها، وان عملية صناعة القرار خاصة القرار السياسي وكذلك القرار الاقتصادي لا تعتبر تصرفا وحيدا، بل هو عبارة عن مجموعة من التصرفات المتتابعة، يقوم بها صانع القرار ليصل إلى اكتشاف القرار المناسب الذي يحقق الهدف.
1 ـ عملية صنع القرار:
وان عملية صنع القرار واتخاذه، هي عملية جماعية، لأن صنع القرار واتخاذه يصاغ وينفذ ويتابع ويتأثر بها، وبالتالي فان المشاركة تصبح قائمة إذا ما أريد أن تحقق النجاح.
وقد تأكد واقعيا أن القرارات التي تصاغ وتتخذ بأسلوب جماعي، أدق وتحقق الأهداف المرسومة لها بما يتلاءم مع المصلحة العامة. وهناك إمكانية لتنفيذها لأنها اكتسبت رضا الأغلبية والقائمين على تنفيذها. أما القرارات الفردية، فغالبا ما يتعثر تطبيقها لعدم قناعة ومشاركة الأغلبية بها.
لذلك على متخذ القرار السياسي أو الاقتصادي، أن يعتمد أسلوب المشاركة الجماعية، وذلك لان جميع القرارات تهم وتمس الجماهير بشكل مباشر، أما القرار الاقتصادي الذي يتمثل باختيار الأسلوب والطرق، التي تدار من خلالها الموارد الاقتصادية المتاحة للمجتمع واستخدامها الأسلوب الأمثل، والموارد والإقتصادية لأي دولة، هي حق الأفراد والشعب والمجتمع، وليس حق السلطة، وإنما الأفراد والشعب انتخبوا السلطة ومنحوها الثقة اللازمة لاستغلال هذه الموارد بما يحقق مصلحة المجتمع وليس مصلحة السلطة او طبقة معينة من المجتمع وبالتالي فان هذه القرارات تهم الأفراد والمجتمع أكثر من غيرهم وأكثر من السلطة نفسها ومن هنا تأتي ضرورة مشاركة الإفراد وفي اتخاذ القرار وذلك يتم بطرق عدة من بينها أن يكون هناك ممثلين منتخبين منهم في عملية صنع القرار او يمكن أن يعتمد صانع القرار يعتمد أسلوب الاستفتاء في اتخاذ القرار ولا سيما القرارات الإستراتيجية او الركون الى رأي الشعب وذلك بإقامة استطلاعات الراي المناسبة التي توفر القاعدة الأساسية من المعلومات عن رأي المواطنين حول القرار او القانون اقتصاديا كان أم سياسيا.
2- اثر الراي العام في عملية صنع القرار:
يختلف تأثير الراي العام في عملية صنع القرار من نظام سياسي الى نظام سياسي آخر ومن مدى الى أخرى وكما يختلف تأثيره من أيام الأزمات والظروف الطارئة عن غيرها في الأيام العادية وهكذا فان لكل ظرف تأثيرا مناسبا يتلاءم ويتناسب معها والرأي العام في المجتمعات الأخرى فنظم الحكم الديمقراطي تحرص بطبيعتها على إتاحة قدر من الفرص وفتح اكبر عدد من المجالات التي يمكن من خلالها للفرد والمجتمع المشاركة في عملية رسم السياسة وصنع القرار كما تسعى هذه النظم للفرد الى توفير الأجواء الملائمة لتكوين الراي العام بحرية وفي هذا تعمل على أن تكون الراي العام على مناقشة علنية وحرة وبمختلف الوسائل سواء أكان عن طريق وسائل الإعلام او في الندوات او الاجتماعات العامة واستطلاعات الرأي وبذلك يصبح استعداد متخذي القرار لسماع الرأي العام والتفاعل مع الآراء المطلوب إيصالها والتأثير بها كثيرا.
أما في النظم الدكتاتورية حيث لا استجابة ولا مشاركة إلا في أضيق الحدود وتستخدم هذه النظم وسائل الاتصال استخداما دعائيا يهدف إلى تشويه وتزويد الحقائق بقصد خلق رأي عام مساند وتكوين صورة غير حقيقية لدى الرأي العام لا تؤثر في موقف متخذي القرار.
ومن هنا يتضح بان هناك عملية تفاعل ما بين السلطة (صانع القرار) وبين الرأي العام رغم اختلافها من نظام لآخر وهذه العملية تنطوي على جانبين هما:
1- تأثير السلطة على الرأي العام بواسطة الدعاية من خلال امتلاكها لوسائل الاتصال بالجماهير ووسائل الإعلام وفضلا عن سعيها إلى التأثير عليه من خلال وسائل الاتصال التي تعود إلى جهات غير جهات الدولة.
2-تأثير الرأي العام على السلطة حيث انه في جميع بلدان العالم تقريبا له تأثير في السياسات التي تطبقها الحكومة غير إن هذا التأثير يتباين من بلد لآخر حسب طبيعة النظام السياسي السائد.
كما يؤثر الرأي العام في صنع القرار من خلال التأثير في المسئولين عن اتخاذ القرار في الحكومة بصورة مباشرة او غير مباشرة بواسطة الأحزاب والمستشارين وقادة الراي والجمعيات ووسائل الاتصال المختلفة.
ثالثا: قياس الراي العام:
1- أهمية قياس الراي العام في المراكز البحثية ومراكز استطلاع الراي في العالم:
أ ـ معرفة الواقع الفعلي لحجمه الطبيعي حيث يمكن معرفة المعلومات والآراء والاتجاهات السائدة والاحتياجات والرغبات في المجتمع الواحد وغالبا يعبر عن الواقع بلغة الأرقام الإحصائية مما يكشف لدى القارئ أفقا للواقع بلا التباس.
ب ـ توفير ذخيرة حية من المعلومات عن الراي العام واتجاهه للمساعدة في اتخاذ القرار المناسب أي توفير قاعدة بيانات.
2- استطلاعات الراي العام:
مما تقدم للرأي العام تأثير كبير على متخذي القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولإعطاء صورة واضحة من غير لبس لا بد من تهيئة المعلمات والبيانات الإحصائية حول واقع وحجم الراي العام بأسلوب علمي دقيق عن طريق إجراء استطلاعات الراي العام وهناك أساليب عديدة لإجراء هذه الاستطلاعات ولكنها تتباين من حيث الغرض من إجرائها ومن حيث الدقة في النتائج.
واستطلاعات الراي سيف ذو حدين إذ يمكن أن يقدم لمتخذي القرار البيانات الدقيقة وهذا ينعكس على القرار او يمكن أن يقدم بيانات غير دقيقة ولا تعكس الحقيقة وهذا يؤدي الى قرارات غير دقيقة أيضا وأفضل أساليب استطلاعات الرأي هو أسلوب المقابلة الشخصية وذلك بالاعتماد على النظرية الإحصائية العلمية وفي هذه المحاضرة ستركز على هذا الأسلوب لقناعتنا بجدواه.
وبشكل عام إن عملية استطلاع الراي هي عملية إحصائية تمثل بجمع البيانات وتصنيفها وتبويبها وعرضها ومن ثم تحليلها حول ظاهرة معينة وسنحاول أن نلخص بشكل كبير آلية إجراء استطلاعات الراي المتمثلة بجانبين هما:
أ ـ العمل المكتبي ب ـ العمل الميداني
أ ـ العمل المكتبي:
ويتلخص العمل المكتبي بتحديد الظاهرة المدروسة أولا ومن ثم تعمل على ما يلي:
1- تحديد المجتمع وهنا المقصود مجتمع الدراسة أي المجتمع الذي يمثل الظاهرة وهو عبارة عن مفردات الظاهرة.
2- تحديد أسلوب المعاينة وحجم العينة من المعروف إحصائيا أن هناك عدد من أساليب المعاينة منها المعاينة الاحتمالية والمعاينة وغير الاحتمالية ولكل منها أنواع من طرق المعاينة لا نجد مجال لذكرها في هذه المحاضرة وبعد تحديد أسلوب المعاينة الذي يتحدد على ضوء طبيعة الظاهرة والهدف من الاستطلاع والإمكانية المادية وشروط أخرى يجب أن تتوفر في حدود النظرية الإحصائية بحيث لا تفقدها أي شرط من شروطها العلمية ومن ثم يجب أن يتم التحديد ألموقعي لوحدات المعاينة.
أ ـ أن تكون الأسئلة قصيرة وواضحة ومباشرة وغير احتمالية.
ب ـ أن هناك أسئلة بحثية واقعية وجادة مثلا نقول ما تتوقع بل نقول له ما هو رأيك ما هو توقعك من ترشح.
ج ـ أن تكون الإجابة قصيرة ويفضل أن تكون الإجابة عددية.
ء ـ أن يكون عدد الأسئلة معقول
هـ ـ أن تأخذ بالحساب إمكانية تفريغ البيانات على الحاسوب.
4- تصنيف البيانات وتبويبها باستخدام الأساليب العلمية الحديثة والحاسوب.
5- تحليل البيانات الإحصائية ويتم ذلك باستخدام البرامجيات الإحصائية الجاهز ومنها على سبيل المثال10 spss وهناك برامج حديثة ولكن لم يتم العمل عليها لحد الآن آملا ان نستخدمها مستقبلا وهنا تجدر الإشارة الى أن اغلب استطلاعات الراي العام تستخدم أساليب إحصائية بسيطة مثل النسب المئوية والرسوم البيانية أي يقتصر التحليل على الإحصاء الوصفي ولكن قسم من المركز تستخدم أساليب متقدمة وذلك باستخدام أساليب الإحصاء الاستدلالي المتمثل بالتقديرات والتنبؤ والاختبارات الإحصائية.
ب العمل الميداني:
ويتلخص العمل الميداني بإجراء عملية المسح وذلك من خلال ملأ الاستمارات الإحصائية عن طريق المقابلة الشخصية بالاعتماد على أشخاص مختصين ومدربين تدريبا جيدا على إملاء الاستمارة الإحصائية وكان هناك رأي إحصائي يقول أن المواطن لا يعطي أجوبة صريح ومباشرة لذلك يجب الالتفاف حول السؤال لاستخراج المعلومة الصحيحة من ويحصدون أجوبة ولكن الصحيح أن الناس يعطون أجوبة صحيحة لمختصين أما غير المختصين سيحصدون أجوبة غير دقيقة لان أسئلته ومنهجيته غير متخصصة ويتمثل العمل الميداني بما يلي:
1- جمع البيانات
2- الإشراف على عمل العدادين
3- توفير المستلزمات الأساسية المتمثلة النقل ،الاتصالات ، راحة العدادين ...الخ
4- معالجة المواقف التي تستجد في ميدان الاستطلاع من قبل المش فين والعدادين
5-مراجعة الاستمارات الإحصائية وإكمال النص في المعلومات أن وجد قبل مغادرة الميدان.
ونظرا للظروف التي يمر بها بلدنا العزيز وما يحيط به من مخاطر تجد أن هناك ظروف قصوى للركون الى رأي الشعب في اغلب القضايا التي تمس حياة المواطنين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
3- صعوبات قياس الراي العام:
تتمثل صعوبات قياس الراي العام بما يلي:
أ ـ النقص الشديد في المعلومات كما وكيفا وخاصة المعلومات المتمثلة بتحديد إطار المعاينة أي التحديد ألموقعي لمفردات المجتمع.
ب ـ النقص في وسائل نقل المعلومات.
ج ـ أللأمية وانخفاض الدخل اللذان يعتبران عاملين مؤثرين على الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع بالإضافة الى نقص الموارد المالية لأداء استطلاعات الراي العام.
د ـ كثرة المشاكل المنهجية مثل التشكيك وانخفاض الوعي وقلة العائد من الاستبيانات.
هـ ـ عدم الإدلاء بالبيانات الصحيحة
وتجدر الإشارة هنا الى أن استطلاعات الراي العام يجب ان تنفذ من قبل مؤسسات ومراكز بحثية وطنية وهذا يعطي الاستطلاع مصداقية اكبر بجانب أدائه بالآليات والأدوات المحلية السليمة التي يمكن ان تصل مختلف القطاعات والفئات المجتمعية.
واليوم العالم تسوده نزعة نحو تحقيق الديمقراطية والحرية والابتعاد عن الأنظمة الشمولية والدكتاتورية. خاصة وان العملية السياسية في العراق تخطو خطوات متسارعة نحو بناء عراق ديمقراطي حر.
لذلك لا بد من إنشاء مراكز استطلاعات الراي وتشجيع ودعم المراكز البحثية.

[779: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني