العملية السياسية: أحزابنا سيارات بلا رخص تجوال!
قاسم العجرش
2009/10/13

صادقت مفوضية الأنتخابات على (300) كيان سياسي  وينتظر أن تصادق على خمسة وثمانين كيان آخر للمشاركة في الأنتخابات النيابية التي ستجرى في  أوائل العام القادم، وكان أكثر من اربعمائة وخمسون كيان سياسي هي تلك التي شاركت في إنتخابات مجالس المحافظات التي إنصرمت في 31/1/2009، وهو رقم يقدم عدة دلالات تنبثق عنها معطيات كثيرة وتترتب عليها نتائج خطيرة مؤثرة على مجمل العملية السياسية، فإذا أفترضنا أن كل الذين هم في السن القانونية للإنتخاب  وادلوا بأصواتهم في الإنتخابات المنقضية مرتبطين بشكل أو بآخر بكيان سياسي من الكيانات التي تققدمت لخوض الإنتخابات، وهو أفتراض خيالي، وإذا إفترضنا ايضا  أن توزيع أولئك المرتبطين سيكون بالتساوي، فمعنى هذا أن كل ثلاثة عشر ألف عراقي ينتسبون بكيفية ما الى حزب أو كيان سياسي من تلك التي اشرنا اليها وشاركت في الإنتخابات! اضف الى ذلك عدد غير قليل من التي لم تشارك  من المعارضين او المقاطعين للعملية السياسية اصلا،  وعددهم يربوا على خمسين كيان سياسي، ومعنى هذا أيضا أننا كما الشعب الهندي الذي يبلغ تعداده مليار ونصف المليار عندنا(500) عقيدة تختلف كل عقيدة عن الأخرىن وهم أي الهنود عديدهم يبلغ ستين ضعفا عنا، هذا التصور على عدم واقعيته هو ما موجود بالنتيجة وليس بالسبب، ولو كنا متفقين لما تفرقنا هكذا، فنتيجة لعدم وجود ضابط يحكم الحياة السياسية ويقننها ويضع إشتراطات مقبولة تمارس بموجبها الفعاليات السياسية نشاطاتها تفرقنا أيدي سبأ، وربما هذا هو ما يهدف إليه مصمم العملية السياسية في العراق، وهو غير عراقي على كل حال، وله أهدافه وغاياته من بقاء مساحة الإرتجال والتشظي موجودة، فبالعودة الى نظرية الفوضى الخلاقة التي كانت السيدة كونداليزا رايس عرابها والداعية لها، نجد أن هدف تطبيق تلك النظرية على الواقع العراقي هو الوصول الى مرحلة من العمل السياسي تفسح المجال المنفلت للجميع بممارسة العمل السياسي دون مراعاة الخصوصية الإجتماعية والوطنية والدينية، والأخيرة بالذات هي المقصودة من عملية الإنفلات، ففوبيا الخوف من الإسلام السياسي، سيما والنموذج البن لادني حاظر دوما، سعى مصمم العملية السياسية لعدم السماح بنمو القوى الوطنية الإسلامية الكبرى خشية إستفرادها بالساحة وخروجها عن قبضته، وهو ما لا يتناسب مع (التضحيات!) و(النفقات!) التي قدمها الأمريكان ومعهم التحالف في معركتهم الكبرى التي كان العراق مفردة من مفرداتها، كما أنه غير ملائم للعمل على سطح واحد مع الأهداف الحقيقية لدخول أمريكا معركة العراق، ولذا فالفوضى السياسية هي الضمانة الوحيدة لإعتماد العملية السياسية على مصممها لمدة طويلة حتى لو أنهي الوجود العسكري،إذن فالوعي السياسي الوطني يتطلب أن تدرك القوى السياسية وجميع الفعاليات الوطنية أن وجود ضابط يحكم العملية السياسية أكثر من ضروري لمستقبل العراق السياسي،  وليس مثل قانون الأحزاب من تشريع ينظم الحياة السياسية في البلاد، فهو الضابط الشرعي للعمل السياسي، ومن خلاله يعرف جميع من يروم الدخول في العمل السياسي المساحة التي يفترض به التحرك فيها من دون تداخل أو تأثير أو تأثر بعمل باقي العاملين من القوى والحركات السياسية، وهو المانع الذي يمنع السيل اللافت للنظر والظهور العشوائي للتشكيلات الصغيرة، أوغير المؤهَلة والمجهولة التمويل والخلفيات والارتباطات الخارجية، والتي شوشت المشهد السياسي العراقي، مثلما حصل في إنتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، يوم غزانا طوفان من القوائم المستقلة التي تبين بعد فوات الأوان أن معظمها صناعة لمصمم العملية السياسية الأجنبي، أو أن بعضها الآخر رتبته قوى سياسية كبرى وزجتها في أوساط منافسة لها بغية تفتيتها بتشتيت أصوات مؤيديها، وهي مفارقة تستحق وقفة طويلة أمامها، فبمجرد أن أعلن عن موعد إجراء الإنتخابات طفت الكيانات الصغيرة على سطح العملية الانتخابية لتجعلها في حالة تزاحم يتوه به الناخب، وهي كيانات لم يكن لها حظ من الوجود الواقعي قبيل الإعلان عن موعد الإنتخابات بيوم واحد فقط! إن مثل هذا الظهور كان من مؤداه أن  تشتت الاصوات في إزدحام شارع الإنتخابات الذي عج بسيارات بلا رخصة تجوال فشكل زحمة شديدة، لم يخرج منها الا الكتل ذات  المقدرة على إدارة عملية إنتخابية ناجحة وبكلفة عالية. وبالحصيلة فإن نتائج الإنتخابات ليست واقعية ولا تؤشر حقيقة رغبات السكان، إنها بالحقيقة تعكس مؤامرة كان من بين أطرافها كتل كبيرة، وستكشف الأيام القادمة ما صنعته بألاعيب أنطوت على خبث ليس غايته خدمة الوطن والمواطن، بل خدمة الأهداف الحزبية والفئوية الضيقة، إن من المعطيات ما يؤكد ذلك، وحيما تحين ساعة الإعلان ستعلن عن نفسها، وهي ليست إتهامات فارغة أو تهويل إعلامي، بل هي أرقام ودلالات ونفقات وحسابات ومصاريف مدفوعة لعمال مساطر، ولمطابع وشيوخ عشائر ووجهاء ورجال دين ومطاعم وسماسرة أصوات ومراكز أعلامية وصحف وفضائيات، ولكل حادث في حينها حديث..

[680: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني