بيعة الغدير في الأدب العربي
متابعات
2022/07/14

مكانة رفيعة خطيت بها بيعة الغدير في الأدب العربي، حيث ورد على ذكر ووصف هذا اليوم العظيم من تاريخ الأمة الإسلامية كل من شاعر الرسول حسّان بن ثابت وكذلك ابن الرومي والشاعر أبو محمد المنصور بالله والشاعر النجفي محمد علي الأعسم.

والشعر كان ولا يزال ديوان العرب الذي دونت فيه كل شاردة وواردة في حياتهم، ولاشك أنّ حادثة الغدير من الحوادث التاريخية المهمة التي جرت في حياة الإسلام, ولهذا دوّنها الشعراء المسلمون شعرا , مازلنا نردده ونتلذذ بسماعه, وهو يصوّر لنا ذلك الحدث الكبير الذي حصل بعد فتح مكة في عهد الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه واله).

وياتي ذلك على الرغم من مرور أكثر من ألف وأربعمائة عاما على تلك الوقفة التي تمثّلت ببيعة الغدير الأغر التي تكتسب أهميتها في كونها لم تأتِ كحدث عابر مر بحياة المسلمين, وإنما جاءت لتكرس مفهوما عقائديا يتجسد بالولاية التي اختص بها الله تعالى,الإمام علي (عليه السلام)ليتبوأ مكانا قياديا في مسيرة الأمة,ولاسيما بعد انتقال خاتم النبيين محمد (صلى  الله عليه واله)إلى الرفيق الأعلى.

وقد تجسد ذلك الأمر الرباني بما أنزله الله على نبيه الكريم (صلى الله عليه واله), يأمره أن يصدح ويبلغ بذلك النبأ العظيم, من دون تردد ولا وجل, مخاطبا له بالقول :((يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربّك))(المائدة -67).

والحق إنّ بيعة الغدير كانت في صلب توجهات العقيدة الإسلامية منذ اللحظة الأولى, إذ أنبرى شاعر الرسول حسّان بن ثابت لتدوينها, قائلا:

يناديهم يومَ الغديرِ نبيهُم

بخمٍ وأسمع بالـــــــرســول مناديــا

فقالَ:فمن مولاكم ونبيكم

فقالــــــــوا ولم يبدو هناك التعاميا

إلهكَ مــــــولانا وأنتَ نبينا

ولم تلقَ منا في الـــــولايــةِ عــــاصيا

فقالَ له: قُمْ يا عليُ فإنني

رضيتك من بعدي إماما وهـاديــــا

فمن كنتُ مولاه فهذا وليّه

فكونوا لــــه أتـباع صــــدق مــوالـيا

هناك دعا اللهم: والِ وليه

وكــنْ للذي عادى عليّا مــعاديا

ثم تبعه عدد كبير من الشعراء المسلمين متخذين ذات المنحى, وهم ينشدون ويصدحون بقصائدهم, مستذكرين صاحب هذه الذكرى العطرة ,الإمام علي ابن أبي طالب(ع),وهو يتوج إماما ووصيا وخليفة للأمة .

وهنا لابد من التذكير بالجهد الكبير الذي بذله العلاّمة الراحل عبد الحسين الأميني (رحمه الله) في تأليف موسوعته الشهيرة الموسومة (الغدير في الكتاب والسُنة والأدب), والتي تعد من أهم الموسوعات الإسلامية التي تصدت لهذه القضية الكبرى.

إنّ ما قيل في الغدير من الأدب العربي منذ القرن الأول الهجري وإلى يومنا هذا كبير وكثير بحيث لا يستطيع أحد أن يحصيه, ولهذا سنضطر لاختيار بعض المقطوعات الشعرية المنتقاة التي تتلاءم مع هذه المناسبة معرجين عليها ببعض اللمحات والتعليقات التي تتناسب ومقام كل قصيدة .

ولنبدأ بابن الرومي الذي يصف عليّا كالتبر المصفى, مبينا أنّ محله من الفضل هو كمحل الشمس في العلو ,أو البدر في الليلة الظلماء, معرجا على يوم الغدير,قائلا:

وأراه كالتبر المصفى جـــــــــوهرا

وأرى ســـــــواه لنـــــــا قــــــــديه مبهرجا

ومحــــــله من كــــــــل فضــــــل بيّن

عال محل الشمس أو بدر الدجــى

قــــــال النبي له مـــــقالا لم يكن

يوم الغـــــــدير لســـامعيــــــــــه ممجمجا

من كنت مـــــــولاه فذا مولى له

مـــــــــــــثلي فـــأصبح بالفـــــخار مــــــــتوجا

وحول يوم الغدير في الأدب العربي، يستغرب الشاعر أبو فراس الحمداني متسائلا لمن ينكرون بيعة الإمام علي(ع),فيقول منشدا:

أتراهـــــم لم يسمعوا مــــا خصّهُ

منه النبي من المقال أباهُ؟

إذ قالَ يومَ (غدير خمّ) معلناً:

من كنت مولاه فذا مولاهُ

هـــــذي وصيتهُ إليه فافهــــــــموا

يا من يقولُ بأنَّ مــــــا أوصاهُ

قروا من القرآن ما في فضله

وتـــــــأملوه وافهمــــــوا فحواهُ

وهكذا تتواصل القصائد حول يوم الغدير في الأدب العربي مستهجنة قول المخالفين والمنكرين والجاحدين.فهذا الشاعر أبو محمد المنصور بالله يشير إلى هذا المعنى قائلا:

وقال فيه المصطفى : أنت الولي

ومثله: أنتَ الوزيرُ والوصي

وكم وكم قالَ لهُ : أنتَ أخي!

فأيهم قــــــــالَ لـــــهُ مثلَ عــلي؟

***

وهل سمعتَ بحديثِ موسى

يــــومَ الغديرِ والصحيحُ أولى

ألم يقــــــلْ فيه الرسول قـــــــولا

لمْ يبقَ للمخالفيــــن حــــــولا

وهلْ سمعتَ بحديثِ المنزله

يجعلُ هــــــــــارونَ النبي مثله

ونلمح ذات المعنى في أبيات من قصيدة للشاعر النجفي محمد علي الأعسم قائلا:

ســــــــألتُكَ أيها الماشي عــــــــــنادا

فأوقـــــعكَ العـــــــنادُ بكل هونِ

مَنْ المخصوصُ يومَ غديرِ خمٍ

من الرحمنِ بـــــــالفضلِ المبينِ

ومَنْ قــــــــــالَ النبــيُ لــــــه بــــــأمرٍ

من الباري أتـــــــــــاه عن يقــــينِ

ألا مَنْ كنتُ مــــــــــولاه فـــهــذا

عليُ الطهرُ مولاهُ أسمعــــــونـي

جعلتُ خليفتي فيكـــم عليّــــــا

وصي وازئي قــــــــــاضي ديـــوني

أما الشاعر علاء الدين الحلّي الشهيفي فيرى أن في بيعة الغدير للإمام علي قد كمل الدين, واشتد عضده بعد أن أصابه الوهن,ولهذا اختاره النبي الكريم (ص) ليكون له أخا ولم يختر سواه أحدا من بين صحابته, فيقول منشدا:

يا من كمل الـــــــدين الحنيف وللإ

ســـــلام من بعد وهــــن حــــــيله عضدا

أنت الذي أختارك الهادي البشير

أخا وما سواك أرتضى من بينهم أحدا

وفي هذه الأبيات نرى الشاعر إبراهيم الكفعمي العاملي يهنئ يوم الغدير نفسه بهذه المناسبة ويعدّه يوما للحبور والسرور حيث تم به إكمال دين الإله سبحانه وتعالى وكذلك تمت به نعمة الربّ الغفور .

فيوم الغدير كما يراه الشاعر هو يوم العقود ويوم الشهود ويوم الفلاح والنجاح والصلاح لهذه الأمة,إذ تتوج به الإمام علي (عليه السلام) الإمارة, فيقول:

هنيئا هنيئا ليوم الغـــــدير

ويــــــــومِ الحــــــبورِ ويوم السرورِ

ويومِ الكمالِ لدينِ الإله

وإتــــــــــمام نعمـــــــــةِ ربٍّ غــفـــــــورِ

ويومِ العقودِ ويوم الشهودِ

ويـــــــــومِ المدودِ لصنو البشيرِ

ويومِ الفلاحِ ويومِ النجاحِ

ويـــومِ الصلاحِ بكلِ الأمورِ

ويوم الإمـــــارةِ للمــــرتضى

أبي الحسنين الإمام الأميرِ

ويستمرُ صوتُ الشعراء صادحا ليوم الغدير ليجسد معاني هذه الذكرى الخالدة,فهذا الشاعر والخطيب السيد خضر القزويني ينشدُ للغدير, ويرى أن العرب قد بلغت مناها بيومه المجيد,فيقول:

عيــــدُ الغـــــديرِ بكَ العــــــربْ

بلغــــــــتْ منــــــــــــاهـــا والأربْ

وغــــــدا لها بـك في الورى الـ

مـــــجد الأثــــــــيل ولا عـجبْ

وحــــــــدتَ نشــرَ صفوفــــــــــها

ومنحتَ وحدتَها الـــــــغلـــــبْ

ورفـــــعـــــــــــتَ رايتَـــــــهـا وفـــــــــي

عليـــــــــائـــــــها كنـــــــتَ السببْ

وينحو الشاعر جعفر النقدي منحى شعريا تساؤليا مبتدأ قوله بالسؤال عن الأحاديث التي وردت في ذكر فضل هذا الفتى الكرار (عليه السلام),مسترشدا بما روي من أخبار الثقاة عن بيعة الغدير وكيف جرت أحداثها على مرأى من تلك حشود الحجيج وهم يلتقون في البقعة المباركة (الغدير),فيقول واصفا:

وسلْ الأحاديثَ التي في فضلهِ

أمستْ لها أيدي العدو تحررُ

يـــــومٌ به جبريلُ جـــــــــاءَ مــــخبـــــرا

عن ربّهِ وهــــو السميعُ المبـصرُ

يا أيها المختارُ بلغْ في الفتى الـ

ــــكرار ما قـد كنتَ قــبلا تسترُ

واللهُ يدفعُ كلَ كيـــــــــــدٍ خفــــــــته

من معشرٍ قــــــد خالفـــــوا وتكبروا

فأقامَ في حرِ الظهيــــــرةِ مــــــــــاله

غيرَ الحدائجِ ما هـــــنالــــك منبرُ

فرقى وكفُ المرتضى في كفهِ

وغــــــــــدا يـــــــنادي والبريـــةُ حُضَرُ

مَنْ كنتَ مــــولاهُ فهذا حيـدرٌ

مــــــولاه ُوالله المـــــــهيـــــــمن يــــــــأمرُ

فهو المطاعُ وخيرُ رجالكم

فـدعوا جميعاً بالقبـــولِ وكبروا

ويطالعنا الشاعر خليل مغنية بهذه الأبيات التي تفيض بعطر الولاء لإمام الحق والعدل والإنسانية,أبي الحسنين فيقول:

أقـــــرآنُ آي المــــــــــدحِ في أسفارهِ

وشــــممتُ آيَ الــــــذكرِ في أزهـارهِ

ورأيتُ كيفَ اللطفُ وضاءُ السنا

غمرَ الجهاتَ الستِ من أنــــــــــوارهِ

وعــــــــرفتُ أنّ اليوم يــــومَ ســعــادةٍ

قد فازَ فيها المـــــــرتــــضى بفـــخارهِ

رددْ على الأسماعِ ذكــــــــرَ ولايةٍ

هي تحــــــفةُ البـاري إلـى كــــــرارهِ

ما في البريةِ غيره كـــــــــفــــــــؤ لها

فأتتهُ إذ كـانــــتْ على مـــــقدارهِ

أما أبو القاسم الزاهي البغدادي فيؤكد في شعره على أن الخلافة من النبي (ص) كانت لعلي (عليه السلام)بأمر من الله وإنها مثبتة بالخبر الصادق المأثور وقد جاء بها نص سماوي فما كان من الرسول الأكرم(ص) إلا أن يبلغه للناس,يقول الشاعر:

إنّ الخلافــــــةَ من بعـــــــدِ النبي لهُ

كانتْ بأمرٍ من الرحمــــــنِ مقدورِ

مَنْ قالَ أحمد في يــوم (الغدير) لهُ

بالنقلِ في خــــــبرٍ بالصدقِ مأثــــورِ

قُمْ يا عليٌ فكنْ بعدي لهـــم عـــــــــلماً

وأسعد بمنقلبٍ في البعضِ محبورِ

مولاهم أنتَ والموفــــــــــي بــــأمرهــم

نصٌ بوحـــي على الإفهامِ مسطورِ

وذاك إنّ إله العــــــــــرشِ قــالَ لــــه:

بلغْ وكــنْ عند أمري خيرَ مأمورِ

ويسترسلُ الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين ببعض أبياته مخاطبا متسائلا جماهير المسلمين: (كيف يظما من يجري فيه الغدير؟) فيقول:

ظمئ الشعرُ أم جفــاكَ الشعورُ

كيفَ يظما من فيه يجري الغديرُ؟

كيفَ تعنو للجدبِ أغراسُ فكرٍ

لعلــي بـها تـــــــــمُت الجــــــــذورُ؟

نبتتْ – بين (نهــــــــــجه) وربيــــــــعٍ

من بنيه غمر العطاء – البـــــــــذورُ

وسقاها نبعُ النبي وهــــــــــــل بعــــ

د نميــــــــــرِ الـــــــقرآنِ يحلـــو نميرُ؟

فزهتْ واحـــــــــــةٌ ورقتْ غصونٌ

ونمــــــا بـــــــــرعـــمٌ ونمــــــتْ عطـورُ

ويتساءلُ الشاعر النجفي الراحل عبد الحسين حمد الكعبي, هل الأمة لم تكن تعرف بأن علي(ع),هو الوتر وشفيع القرآن؟ ألم تسمع ما قله النبي (ص) فيه ؟ لماذا ردت على أعقابها متناسية لشرعة الهادي ومنهجه ؟كل هذه التساؤلات ضمنها قوله بأربع أبيات,فيقول:

ولو أصخنا فـ (بلّغْ) عنــــك مُنبئة

بأنـــــكَ الــوترُ والقرآنُ يــــــــشفعهُ

وقولة المصطفى: (مولاه حيدرة

من كنتُ مــولاه) فوقَ الشمسِ ترفــعهُ

لكنما القومُ قد ردوا على عَقبٍ

لـــلاتِ هــــــــــذا وذا للـغنـم يتــــــــبعـهُ

كأنّما شرعـــــــةُ الهادي ومنهجهُ

زرعٌ وكانَ لهم ما كانَ يـزرعــــــهُ

ولأنّ ما قيل في الغدير لا يتسع له مقالنا هذا فسنختتم بما قاله الشاعر مهيار الديلمي الذي يخاطب الإمام الحسين (عليه السلام) مذكرا بيوم السقيفة ومقارنا بينه وبين واقعة كربلاء,إذ يعد الثانية من نتائج الأولى, فيقول:

فيومُ السقيفةِ يا ابــــنَ النبي

طَــــــــــرّقَ يــــــــومَكَ في كربلا

وغصبُ أبيكَ على حــــــــقهِ

وأمــــــــكَ حـــــــــسّنَ أن تُقــــتلا

((النصوص الشعرية مستلة من دواوين الشعراء ومن موسوعة النجف الأشرف)).

محمد الخالدي/نشرت في الولاية العدد 108-موقع الولاية

[40: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني