سيرة الإمام الرضا العلمية.. قراءة تحليلية
متابعات
2022/06/12

أهم الخطوط العريضة في سيرة الإمام الرضا العلمية وخاصة في الفترة الثالثة من عمره الشريف – ونعني بها فترة تواجده في إيران – لتسنّم منصب ولاية العهد في زمن المأمون، الخليفة العباسي.

تمتاز حياة الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) بجوانب مختلفة من أهمها الجانب الثقافي والعلمي وذوده عن ثغور المعتقدات الإسلامية أمام الهجمات العاتية التي تعرضت لها أصول الإسلام وفروعه من قبل المدارس والفرق المختلفة في ظروف ذلك العهد الخاصة.

إن دراسة هذا الجانب العلمي والذي ينبع من ولاية الإمام الإلهية، وفي الظروف التي نعيش بها في عالمنا اليوم، يكون مفيداً وبناء للغاية ويحتوي على تعليمات وارشادات دقيقة ولطيفة تساعد على مواجهة المذاهب والمدارس المختلفة[1].

نشأة الخلافة العباسية

لما تم استئصال حكم بني أمية واجتثّ كشجرة خبيثة(اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار)[2]. ورميت إلى مزبلة التاريخ[3].

بعد الثورة التي قام بها أهل فارس ومقاتلو خراسان الشجعان بقيادة أبي مسلم ليصل الدور إلى آل العباس لاستلام الحكم بعد رفعهم شعار «الرضا من آل محمد» حيث أصبح الشعار المعتمد والثابت للثورات الإسلامية والشعبية ضد آل أمية[4][5].

وما برح حتى أماط بني العباس اللثام عن وجههم. فعندما استتب لهم الأمر واستقر بهم الملك وارتفعت شوكتهم عادوا بممارسات بني أمية القمعية وسلطوا الأشقياء على رقاب الناس حتي فاقت جرائمهم تلك التي ارتكبها بنو أمية[6][7].

وسرعان ما انكشف للأمة زيف ادعاءاتهم وتعرفوا على حقيقتهم[8]. حيث تكونت نواة الثورات الشعبية ضد هذه الأسرة المنافقة والمرائية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي عامة وإيران وتحديداً خراسان خاصة حيث اندلعت ثورات شعبية عارمة لاسيما بعد مقتل أبي مسلم الخراساني على يد المنصور العباسي[9].

المأمون والعداء مع أهل البيت عليهم السلام تحت راية العلم

وجاء دور مأمون الذي كان يمتلك دهاء سياسياً خارقاً وكان على جانب كبير من الذكاء والفطنة فضلاً عن القسوة والفظاظة. وفي محاولة منه لاحتواء الأزمة وإخماد الثورات المشتعلة، قام المأمون بنقل عاصمة الخلافة من بغداد إلى خراسان بؤرة الثورة المتقدة للعمل عن كثب لإدارة الأزمة من خلال الترهيب طوراً والاستمالة طوراً آخر[10][11].

وكان المأمون على معرفة تامة بأن الأنظار كانت آنذاك متجهة نحو الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) فهو من يستطيع أن يقوم بقيادة هذه الثورة العارمة.

فقام وقبل أن يتمكن الناس من الاصطفاف حول الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) باستدعائه إلى خراسان لتسلم ولاية العهد. خطوة تعبر في الظاهر عن احترامه للإمام وإجلاله ولكنها مبطنة بفرض الرقابة على تحركاته ورصد توجهاته[12][13].

وتزامنت هذه الفترة ونظراً لحث الإسلام على طلب العلم[14]. مع ازدهار علمي نتج عن ثورة الترجمة من اليونانية والمصرية والهندية والفارسية إلى العربية من حيث كونها لغة الدين الحنيف، مما هيأ الأسباب لتسريع الحركة العلمية في المجتمع الإسلامي[15].

وما كان يثير القلق آنذاك هو قيام عدد من أتباع الديانات الأخرى المتعصبين من المجوس والصابئة والنسطورية والروم وبراهمة الهند بترجمة المصادر العلمية الأجنبية الإغريقية والفارسية والسريانية والهندية واللاتينية وغيرها إلى العربية.

ولم يمتلك كل هؤلاء حسن النية البتة فبعضهم كان يحاول الاصطياد في الماء العكر وينتهز الفرصة لتسويق بضاعته الرخيصة ونشر آراءه السامة والفاسدة في سوق نقل العلوم الأجنبية إلى العالم الإسلامي المستعرة حمى تداول العلوم فيه.

إن هذا التعريب أدخل معه معتقدات وآراء خرافية وغير إسلامية حيث اكتست بمظهر علمي فوجدت طريقها نحو المجتمع الإسلامي واخترقت وبسرعة أفكار فئات من الشباب المسلم والسذج من المسلمين[16][17].

وقام المأمون وفي هذه الظروف إلى إجراء مناظرات علمية دعا فيها الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) إلى المشاركة والإجابة على الأسئلة المطروحة.

وكان المأمون يرمي من وراء خطته هذه إلى أكثر من هدف؛ ففي الدرجة الأولى يكتسب اعتباراً وميزة باعتباره داعماً للعلم والمعرفة[18].

كما يشغل الناس بمسرحية مزيفة تحجب أنظارهم عن المشاكل الاجتماعية والاضطهاد السياسي[19]. في الدرجة الثانية.

فضلاً عن نيّته في استقطاب آراء المفكرين وعلماء المجتمع الإسلامي نحوه بشكل يؤدي إلى تعزيز دعائم حكمه[20].

ولقد وضعت هذه الظروف الفكرية والثقافية الخاصة أعباء هذه المهمة الثقيلة على عاتق الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام).

ومن جهته فالإمام(عليه السلام) والذي كان يعيش المرحلة بحذافيرها وكان ملماً بتفاصيل قضاياها[21]. دخل هذا المعترك الفكري بما يمتلكه من علم جم ورثه أبا عن جدّ ليؤسس لثورة فكرية معمقة وليحافظ على دفّة سفينة المجتمع الإسلامي في مواجهة هذا البحر المضطرب الأمواج ورياحه العاتية فيقودها نحو برّ الأمان وينقذها من الوقوع في مهالك ومتاهات الانحراف والاستلاب الفكري[22][23].

تنظيم اللقاءات والجلسات العلمية الهادفة إلى تشويه الإمامة

من المعروف في صفحات التاريخ أن المأمون وبعد فرض منصب ولاية العهد على الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) وبهدف الحفاظ على موقعه واستقرار منصب الخلافة -وتفاصيل يطول ذكرها لسنا بصدد الخوض فيها- دعا الإمام(عليه السلام) الى المجيء من المدينة المنورة إلى طوس.

وعندما قدم الإمام(عليه السلام) إلى ولاية خراسان، أقدم المأمون على عقد جلسات[24]. مناظرة علمية موسعة دعا إليها كبار علماء زمانه من المسلمين ومن غير المسلمين.

ومما لاشك فيه فإن العنوان والغطاء الظاهر لهذه الدعوة كان قائماً على إثبات وتبيين مكانة الإمام(عليه السلام) الرفيعة في مختلف مجالات العلوم عامة والعلوم الإسلامية خاصة ولكن ما كان كامناً وراء هذا الغطاء الظاهري[25]. يمكن تكهنه والإشارة إليه من خلال النقاط التالية:

تشويه شخصية الإمام والانتقاص منها

  1. 1. لم يعمد المأمون إلى إقدامه هذا إلّا لتشويه صورة الإمام –حسب تصوره- بين الناس عامة ولاسيما الإيرانيين الذين كانوا يكنون حباً واحتراماً لأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام[26].

تشويه الإمامة ونشر الإسلام العلماني

  1. 2. وكان ينوي المأمون أن يحصر مكانة الإمام الثامن(عليه السلام) في الجانب العلمي وتغييبه عن المشهد السياسي تدريجياً ليلوّح للناس بأن الإمام بهذا الشخصية العلمية المرموقة لا يتدخل في الشأن السياسي وبهذا يكون قد نفذ فعلياً مبدأ فصل الدين عن السياسة وعلمنة الحكم[27].

التستر على مواطن ضعف الحكومة

  1. 3. كما أراد المأمون أن ينفذ أجندته السياسية بارتياح تام دون تدخل جهات أخرى وكانت هذه الجلسات العلمية توفر له الغطاء اللازم لصرف الأنظار عن مواطن الضعف في حكمه[28].

وقفة تأمل في حقيقة مناظرات الإمام الرضا العلمية

لقد عقد الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) مناظرات كثيرة امتازت سبعة منها بأهمية بالغة:

1- مناظرة مع الجاثليق[29][30].

2- مناظرة مع رأس جالوت[31].

3- مناظره مع هيربذ الأكبر[32].

4- مناظرة مع عمران الصابي[33].

لقد انعقدت هذه المناظرات الأربعة في مجلس واحد حضره المأمون وعدد من علماء ورجالات خراسان.

5- مناظرة مع سليمان المروزي[34]. وهي مناظرة مستقلة بجلسة واحدة وبحضور المأمون وعدد من حاشيته[35].

6- مناظرة مع علي بن محمد الجهم[36].

7- مناظرة مع قادة المذاهب المختلفة في البصرة.

إن مجموع هذه المناظرات وكل واحدة منها على حدة تعدّ مدرسة كبيرة ذاخرة لم يعفي الزمان أثرها بالرغم من مضي أكثر من 1200 عام عليها، حيث تحتوي مضامين تعليمية مفيدة ومضيئة يجدر بها أن تُتخذ نموذجاً لخوض المناظرات من حيث المضمون أو من حيث الشكل كفن من فنون المناظرة وكيفية الدخول إلى المناقشات والخروج منها[36].

ونشير هنا إلى ملخص بعضها التزاما بالإيجاز ودون الإطناب والتوسع:

المناظرة التي أجراها مع الجاثليق(العالم النصراني الكبير)

عندما دخل الإمام علي بن موسى الرضا على المأمون، أمر المأمون الفضل بن سهل وزيره الخاص[38]. أن يدعو أتباع المذاهب والمدارس الأخرى[39]. للحضور في مجلس يستمعون فيه إلى كلام الإمام ويستمع الإمام إلى كلامهم ومن هؤلاء المدعوين كان الجاثليق العالم النصراني الكبير ورأس الجالوت حبر اليهود الأعظم وقادة الصابئة وهيربذ الأكبر زعيم المجوس الأعلى ونسطاس الرومي من كبار علماء النصارى[40].

وبعد أن جلس الإمام(عليه السلام) وأتباع المذاهب الأخرى في مجلس المأمون، أقبل المأمون على الإمام الرضا(عليه السلام) يحدثه ساعة ثم التفت إلى الجاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمّي علي بن موسى بن جعفر وهو من ولد فاطمة بنت نبيّنا وابن علي بن أبي طالب(صلوات الله عليهم) فأحبّ أن تكلمه أو تحاجّه أو تنصفه، فقال الجاثليق: كيف أحاج رجلاً يحتجّ علي بكتاب أنا منكره ونبيّ لا أؤمن به فقال له الرضا(عليه السلام): يا نصراني، فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقرّ به..[41].

قال الجاثليق: أخبرني عن حواري عيسى بن مريم(عليه السلام) كم كان عدّتهم وعن علماء الإنجيل كم كانوا؟

قال الرضا(عليه السلام): على الخبير سقطت، أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلاً، وكان أفضلهم وأعلمهم ألوقا وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنا الأكبر بأج، ويوحنا بقرقيسيا، ويوحنا الديلمي بزجان وعنده كان ذكر النبي(صلى الله عليه وآله) وذكر أهل بيته وأمته وهو الذي بشّر أمة عيسى وبني إسرائيل به[42].

ثم بعدها خاطب الإمام(عليه السلام) الجالسين ومنهم رأس الجالوت حبر اليهود الأعظم وقادة الصابئة وهيربذ الأكبر زعيم المجوس ونسطاس العالم النصراني الكبير[43]. حيث انتزع منهم تاييداً لأجوبته حتى أقرّ الجاثليق في النهاية له قائلاً: ما ذكرت شيئًا مما في الإنجيل إلا ونحن مقرّون به[44].

وطرح الإمام(عليه السلام) بعد هذا أسئلة أخرى حول الإنجيل الأول المفقود وكتابته من بعده على أيدي الأربعة مرقس ولوقا ويوحنا ومتّى وهي الأناجيل الموجودة الآن بين يدى النصارى أوقع فيها الجاثليق في الكلام المتناقض والمتباين[45]. .

وتوجه الإمام نحو حبر اليهود الأعظم رأس الجالوت وقادة الصابئة وزعيم المجوس الكبير هيربذ الأكبر ونسطاس الرومي العالم النصراني الكبير بشكل عام وعمران الصابي العالم شبه المادي بشكل خاص حيث طرح قضايا علمية مختلفة وردّ على الشبهات الموجودة لدى الجميع وكل حسب مصادره الخاصة.

مناظرة الإمام الرضا مع عمران الصابي(العالم شبه المادي)

وتجدر الإشارة هنا الى مناظرة الإمام(عليه السلام) وعمران الصابي حيث تتسم بطابع الأهمية أكثر من غيرها لتناولها شبهات تتعلق بمعرفة الله وذاته وصفاته والإجابات الوافية الذي قدمها الإمام(عليه السلام) في هذا المجال[46].

وقام الإمام في هذه المناظرة والحوار بشرح مفاهيم «الإبداع» و«المشيئة» و«الإرادة» واصفاً إياها بحقيقة واحدة بثلاث عناوين وتحدث عن الإبداع الأول في عالم الكون ومن المثير للاهتمام أن الإمام عدّ «الحروف» هي الإبداع الأول فالحروف لا تدل على غير نفسها ولكنها تدل على غير ذلك مجتمعة[47].

وكان عمران الصابي يطلب من الإمام(عليه السلام) ايضاحات أكثر يمدّه الإمام بها من نبع فيضه الصافي حتى خاطبه الإمام قائلا: أفهمت يا عمران ؟

وأجاب عمران وسط ذهول الجميع: نعم يا سيدي، قد فهمت واشهد ان الله تعالى على ما وصفت ووحّدت، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبده المبعوث بالهدى ودين الحق، ثم خرّ ساجداً نحو القبلة وأسلم، ليبلغ ذهول الحاضرين قمته[48].

المناظرة مع أتباع المذاهب المختلفة في البصرة

وفقا للرواية التي ذكرها القطب الراوندي وبشكل تفصيلي في كتابه «الخرائج والجرائح»، فقد كانت الكوفة آنذاك مسرحاً للصراع المذهبي حيث اتخذت الفرق والمذاهب المختلفة منها قاعدة لنشر آراءها وأفكارها وسرعان ما أدى هذا الوضع الفكري المتلاطم إلى إشعال نيران الفتنة في هذه المدينة.

فعندها قام الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) -مستغلاً الفرصة التي سنحت له- بزيارة المدينة لإخماد نار هذه الفتنة المتأججة وحضر مجالس مختلف التوجهات الفكرية وحاورها ثم دعاها إلى الحضور في مجلس يضم كبار علماء النصارى واليهود والفرق الأخرى والتي كان لها دور فاعل في الساحة آنذاك.

وقام الإمام(عليه السلام) في هذا المجلس بسرد فصول الإنجيل المختلفة وبشارتها عن رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله) وكذلك البشارات الموجودة في أسفار التوراة المختلفة وفي الزبور.

ثم التفت إلى جمهور المسلمين المحتشدين في المجلس وخاطبهم قائلاً: يَا مَعَاشِرَ النَّاسِ أَلَيْسَ أَنْصَفُ النَّاسِ مَنْ حَاجَّ خَصْمَهُ بِمِلَّتِهِ وَبِكِتَابِهِ وَبِنَبِيِّهِ وَشَرِيعَتِهِ[49].

قَالُوا نَعَمْ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام): فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِإِمَامٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ إِلَّا مَنْ قَامَ بِمَا قَامَ بِهِ مُحَمَّدٌ حِينَ يُفْضَى‏ الْأَمْرُ إِلَيْهِ وَلَا تَصْلُحُ الْإِمَامَةُ إِلَّا لِمَنْ حَاجَّ الْأُمَمَ بِالْبَرَاهِينِ لِلْإِمَامَةِ فَقَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ وَمَا هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى الْإِمَامِ قَالَ: أَنْ يَكُونَ عَالِماً بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ فَيُحَاجَّ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وَأَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ وَأهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ وَأن يَكُونَ عَالِماً بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ لِسَانٌ وَاحِدٌ فَيُحَاجَّ كُلَّ قَوْمٍ بِلُغَتِهِمْ ثُمَّ يَكُونَ مَعَ هَذِهِ الْخِصَالِ تَقِيّاً نَقِيّاً مِنْ كُلِّ دَنَسٍ طَاهِراً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ عَادِلًا مُنْصِفاً حَكِيماً رَءُوفاً رَحِيماً حَلِيماً غَفُوراً عَطُوفاً صَدُوقاً بَارّاً مُشْفِقاً أَمِيناً مَأْمُوناً رَاتِقاً فَاتِقاً[50]. وبهذا قد أكمل الإمام(عليه السلام) الحجة على أهل البصرة وأدّى واجبه في الذب عن بيضة الإسلام[51].

مسك الختام سيرة الإمام الرضا العلمية؛ دروس وعبر

  1. 1. إن مناظرات الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) لا تعد قضية تاريخية تعود للماضي بل هي عبرة تاريخية ونموذج شامل يجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل من حيث الزود عن حريم الإسلام ونهج المذهب[52].
  2. 2. يجب القول بأن وسائل الإعلام في ذلك العصر لم تكن متوفرة ومنتشرة كما هي اليوم ولكن الإمام(عليه السلام) استغل جلسات الحوار المنعقدة في بلاط المأمون كأحد أكثر وسائل الإعلام تأثيراً في ذلك العصر؛ لأن أخبارها كانت تنتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي بسبب الظروف السائدة آنذاك. فالإمام(عليه السلام) لم يفشل مخططات المأمون التخريبية فحسب بل أنقذ العالم الإسلامي من الانحراف بسبب الظروف الفكرية والثقافية المخيمة على الأمة في ذلك التاريخ[53].
  3. 3. ولنا أكثر من عبرة في كيفية تعامل الإمام(عليه السلام) مع أتباع الديانات والطوائف الأخرى. فعلينا أن نتعلم بأن مواجهة الإسلام لأتباع الطوائف الأخرى ووقوفه في وجههم يجب أن يكون قائماً في الدرجة الأولي على العقل والمنطق. فالمسلم لا يبادر إلى الحرب قبل فرضها عليه من قبل أعدائه كما لا ينبغي له أن يسبق السلاح منطقه واستدلاله[54].
  4. 4. إن الإسلام وبقوة منطقه لا يخشى أبداً من مواجهة أي طائفة وديانة أخرى ولذلك دأب الإسلام وفي جميع فتراته التاريخية بإفساح المجال الكافي لهؤلاء للإدلاء بآرائهم وبمعتقداتهم حتى يستمعوا للإجابة عليها من علمائه. وكانت حرية الرأي متوفرة حتى لمن لم يؤمن أساساً بالله وبرسله[55].
  5. 4. على علماء الإسلام وفي كل مرحلة وعصر أن يكونوا على معرفة بجميع الملل والنحل ليحدثوهم وفق منطقهم وليثبتوا من خلاله أحقية الإسلام وفضله على سائر الطوائف والديانات[56].
  6. 5. كما يجب أن يكون من بين العلماء من يجيد اللغات العالمية الحية ليقوم -عند الحاجة- بالتحدث مباشرة مع الناطقين بتلك اللغات دون وسيط أو مترجم يحرف الكلام عن غير قصد أو متعمداً لخدمة مآربه الشخصية[57].
  7. 6. ويجب على علماء الإسلام أن يستغلوا وسائل الإعلام العالمية المتوفرة أفضل استغلال لإبلاغ نداء الإسلام وتعليمات القرآن لجميع أهل العالم[58].

ويجب التنويه في نهاية المقال بأنه يمكن لمحبي معارف أهل البيت عليهم السلام وعطاشى تعاليم الإمام الرضا(عليه السلام) – وبقصد التزود الكامل بسيرة هذا الإمام الهمام- الاستعانة بكتاب ثمين من تأليف سماحة آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي(دام ظله) تحت عنوان: مناظرات الإمام الرضا التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى».

المصدر: المكتب الإعلامي التابع لسماحة آية الله مكارم الشيرازي

————————–

المقالات والتقارير المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 [1] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص7.

[2] ابراهيم/ 26 .

[3] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص14.

[4] تاريخ الحضارة الإسلامية، ج 1، ص 125.

[5] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص: 15.

[6] يقول الشاعر: تاللهِ ما فعلت أمي فيهمُ‏… معشارَ ما فعلت بنو العبّاس! ( شرح ميميه ابوفراس، ص 119).

[7] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص15.

[8] نفس المصدر، ص17.

[9] نفس المصدر، ص18.

[10] ينقل أن مأمون أرسل مجموعة من عماله إلى آل أبي طالب(وكانوا يعيشون في المدينة آنذاك)، وأمر باحضارهم ـ بما فيهم علي بن موسى الرضا عليه السلام ـ إليه أي إلى خراسان، حيث أمرهم أن يمرّوا بالبصرة. إن من أشرف على عملية نقل الإمام الى خراسان هو شخص بإسم (جلودي). وعندما أحضرهم إلى خراسان أدخلهم على مأمون فأمر أن ينزلوا في دار وأن يكون للإمام الرضا عليه السلام بيت معزول حيث أكرمه كثيراً واحتفى به. (الارشاد ص290 بالضمون).

[11] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص: 18.

[12] اقترح المأمون على الإمام التصدي للخلافة إلا أن الإمام عليه السلام رفض الموضوع بشدة. ثم طرح على الإمام موضوع ولاية العهد إلا أن الامام طلب منه أن يعذره عن قبول ذلك. فقال له المأمون كلاما فيه كالتهديد له على الامتناع عليه وقال فى كلامه: ان عمر بن الخطاب جعل الشورى فى ست احدهم جدك امير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام وشرط فيمن خالف منهم ان يضرب عنقه ولابد من قبولك ما اريده منك، فانى لا اجد محيصاً عنه»، نفس المصدر.

[13] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص19.

[14] نفس المصدر، ص20.

[15] نفس المصدر.

[16] لقد أشار طه حسين الكاتب المصري الشهير إلى هذا الموضوع وكيفية تأثر البعض بالفلسفة الاغريقية. الشريعة الإسلامية، ص266.

[17] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص: 27.

[18] نفس المصدر، ص23.

[19] نفس المصدر.

[20] نفس المصدر، ص24.

[21] نفس المصدر؛ ص27.

[22] لا سيما وأن العديد من الكتب الفلسفية والعلمية تم ترجمتها من اللغة الاغريقية والسريانية وغيرها الى اللغة العربية، حيث أقبل الناس على تعلّم العلوم العقلية والاستدلالية. وعلاوة على ذلك، ينقل أن المأمون الخليفة العباسي كان معتزلي المذهب، ويهوى الاستدلالات العقلية في المذاهب، وبالتالي انتشرت البحوث العقلية والاستدلالية في ذلك الزمان.

[23] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص: 28.

[24] نفس المصدر، ص29.

[25] نفس المصدر، ص30.

[26] نفس المصدر، ص30.

[27] نفس المصدر؛ ص34.

[28] نفس المصدر؛ ص34.

[29] الجاثليق( بكسر الثاء واللام) لفظ يوناني، يعني رئيس الأساقفة والزعيم العيسوي، وهو لقب يمنح لكبار علماء النصارى، وهو ليس اسم لشخص معين، وربما يكون الإسم المعرب للـ كاثوليك.

[30] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص36.

[31] رأس الجالوت هو لقب علماء وأجلاء الشعب اليهودي(وهذا أيضاً ليس اسماً خاصاً لشخص معين).

[32] هربز الأكبر لقب يمنح لكبار الديانة الزرادشتية، ويعني: الزعيم الديني الكبير، والقاضي الزرادشتي، وخادم  كه مخصوص بزرگ زردشتيان بود، به معناى پيشواى بزرگ مذهبى وقاضى زردشتى وخادم معبد النار.

[33] عمران الصابي، كما يتضح من الاسم، كان صابئياً يدافع عن مذهبه(الصابئة جماعة تنسب نفسها الى يحيى عليه السلام، وتنفسم الى طائفين: الموحدون والمشركون. عكف بعض الصابئة على عبادة النجوم ولذا يطلق عليهم أحياناً عبدة النجوم. معقلهم السابق كان مدينة حران العراقية ثم انتقلوا الى المناطق العراقية الاخرى وكذا مدينة خوزستان. وطبقاً لطقوسهم الدينية يستوطنون المدن المجاورة للأنهار، فيما يتواجد بعض أتباع هذه الشريعة حالياً في اهواز ومناطق أخرى.

[[34 سليمان المروزي أشهر علماء علم الكلام في مدينة خراسان في عصر المأمون، حيث كان المأمون يكنّ له احتراماً بالغاً.

[35] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص: 37.

[36] على بن محمّد بن الجهم، ناصبي وعدو أهل البيت. وقد روى الصدوق رحمه الله رواية عن علي بن محمد بن الجهم تشير إلى انه كان يكنّ الود للإمام الرضا عليه السلام الا أن الصدوق أورد في ذيل الحديث التالي: هذا الحديث غريب من طرق علي بن محمّد بن الجهم مع نصبه وبغضه وعداوته لاهل البيت عليهم السلام. عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 195- 204. وقد ذكر صاحب جامع الروا هذه النكتة في ترجمته أيضاً. جامع الروا، ج 1، ص 597 596).

[37] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص: 38.

[38] فضل بن سهل( 202 154 ق) وزير معروف في عهد المأمون، دخل دار الخلافة وهو في سنّ الطفولة، حيث تخّلى عن المجوسية سنة 190 ق على يد المأمون واعتنق الاسلام حيث اشتهر بـ ذو الرياستين. كان فضل رجل السياسة والحرب، قتل سنة 202 ق في حمام سرخس( وفيات الاعيان، ج 1، ص 413). يشير طائفة من المؤرخين إلى أن فضل هو من طالب المأمون باسناد ولاية العهد الى علي بن موسى الرضا عليه السلام، وان ولاية العهد أوكلت الى الامام تحت وطأة ضغوط الايرانيين السياسية والاجتماعية ( تاريخ البيهقي، ص 141)، إلا أن القرائن المتوفرة تشير إلى غير ذلك.

[39] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص38.

[40] نفس المصدر،ص 39.

[41] نفس المصدر، ص 44.

[42] نفس المصدر، ص 47.

[43] نفس المصدر؛ ص39.

[44] نفس المصدر،ص 50.

[45] نفس المصدر،ص 51.

[46] نفس المصدر، ص63.

[47] هذا التعبير قد يشير إلى أن الله تعالى خلق في بادئ الأمر المواد الأولى لخلق العالم باعتبارها اللبنة الأولى لايجاد الكون. وإن هذه المواد لا تشير إلى كيان منظّم على انفراد، إلا أن تركيبها مع بعضها البعض أدى إلى ظهور المخلوقات والموجودات إلى عالم الوجود.

[48] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص 64.

[49] نفس المصدر، ص 93.

[50] الخرائج والجرائح، ص 204- 206(مع التلخيص).

[51] نفس المصدر، ص94.

[52] مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) التاريخية مع أتباع المذاهب والمدارس الأخرى، ص 97-36.

[53] نفس المصدر، ص: 64.

[54] نفس المصدر، ص95.

[55] نفس المصدر، ص96.

[56] نفس المصدر، ص96.

[57] نفس المصدر، ص97.

[58] نفس المصدر، ص97.

[59] نفس المصدر، ص97.

بقلم آية الله مكارم الشيرازي

[71: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني