كيف حاز الإمام جعفر الصادق ثقة جميع العلماء وأئمة المذاهب؟
متابعات
2022/05/27

لقد تجلت في شخصية الإمام الصادق تلك الكمالات التي تذكر من سمع ومن قرأ جانبا من سيرته بمنهج وعظمة جده المصطفى ﷺ وآبائه الأئمة الطاهرين ، والذين أشرقت الدنيا بأنوار انقطاعهم لله تعالى والخشية منه والزهد في هذه الدنيا وقطع العلاقة مع مظاهرها الخداعة، وفي المقابل كان الناس ينهلون من عطائهم المعرفي وبث العلوم الفقهية والقرآنية والعقائدية والأخلاقية، وقد صعد الإمام الصادق منبر جده المصفى ﷺ في المسجد النبوي محاطا بجموع التلاميذ وعشاق المعرفة يدونون ويفهمون أنوار معارفه، ويعد عصر الإمام الصادق العهد الذهبي لنشر علوم أهل البيت إذ أن العيون قد أغمضت والنفوس انشغلت بغيره فلم يتوان الإمام من انتهاز هذه الفرصة، متحملا عبء تنوير العقول وتهذيب النفوس والوقوف في وجه الشياطين الإنسية ممن يبثون الشبهات العقائدية «خصوصا الزنادقة»، فكان الكهف الحصين والركن الوثيق الذي يلجأ له الناس لمعرفة الأجوبة الشافية، وحاز ثقة جميع العلماء وأئمة المذاهب لما انفرد به من المعارف اللدنية وأجوبة فصل الخطاب، فما سئل عن مسألة إلا وأجاب عنها بما يذكرهم بمرجعية رسول الله ﷺ، كيف وهو القائل : والله إني لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفي..» «الكافي ج 1 ص 229».

وهذا القول من الإمام الصادق لم يصدر من اختلال نفسي وأخلاقي وغرور وإعجاب بالنفس – حاشاه -، وإنما هو نداء المحب المشفق للناس المتعطشين للمعارف الحقة والباحثين عن المنهل العذب، وذلك في وقت كثر أدعياء العلم والفقاهة وقادة المذاهب الكلامية والتيارات العقائدية المنحرفة، فهو يشير للناس إلى باب النجاة وسفينة الخلاص والمنهل الصادق الذي يمثل امتداد الدوحة النبوية، فيؤكد على أهم خصائص مدرسة أهد البيت وهي العدل والثقل الآخر لكتاب الله تعالى بأنهم الأوعية التي استوعبت فهم القرآن المريم وعلم رسول الله ﷺ، فالقرآن الكريم يمثل دستور المسلمين مع سنة الرسول الأكرم ﷺ وأهل البيت هم الراسخون في العلم ويحملون الفهم والوعي الكامل بمعاني الآيات وما تحمله من مضامين وبطون، فهذه الإشارة منه نداء الحق والهدى كجده المصطفى وهو يصدح بصوته الصادق بين جنبات مكة المكرمة يدعو قريش وغيرهم للتوحيد ومكارم الأخلاق، وهذا النداء الصادقي وجه من أوجه التحدي للمناوئين والمشككين بما يحمله من علم لا يجهل معه شيئا، وهذه دروسه ومناظراته خير شاهد على صدق دعواه بعلمه بكتاب الله تعالى ظاهره وباطنه.

ولقد شاع وانتشر علم الإمام الصادق من آلاف التلاميذ الذي تربوا وتعلموا من منبر علمه الصافي، ولما انتشروا في الحواضر الإسلامية كان كل واحد من هؤلاء العلماء صوتا ومنبرا صادقيا يميث الجهل والضلال.

ومن مظاهر العظمة والعطاء وتحمل المسئولية الرسالية والتبليغية عند الإمام الصادق هو قيامه بدوره في بلسمة آلام وحاجات المعوزين، فلم يكن ليهنأ له عيش وهو يرى الجوع والفقر ينهش في أبدان المساكين دون أن يدفع عنهم غائلة العازة، ولقد امتلأت سيرته بكثير من المواقف الدالة على ندى يديه وجوده، ومنها: سأله فقير فأعطاه أربعمائة درهم فأخذها الفقير وذهب شاكراً، فقال لخادمه: أرجعه.

فقال الخادم: سئلت فأعطيت، فماذا بعد العطاء؟

قال : قال رسول الله ﷺ: خير الصدقة ما أبقت غنى»، وإنا لم نغنه، فخذ هذا الخاتم فاعطه فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم، فإذا احتاج فليبعه بهذه القيمة» «بحار الأنوار ج 47 ص 61».

لقد كان الأمل يحرك خطى هذا الفقير لمن هم أهل للعطاء بلا من ولا أذى، لما عرف عنهم من طيب القلب وبياض الأيادي والرحمة بالمحتاج وتفهم الظروف الحياتية القاسية التي يعاني منها، ولما أعطاه الإمام أربعمائة درهم كان مقدرا لما يسد حاجته ويرفعه نحو حياة كريمة لا يبذل فيها ماء وجهه، وقد استكفى الفقير بذلك وأبدى مشاعر العرفان والامتنان لما لاقاه من رحابة صدر وقضاء حاجته وذهب لحاله، ولكن الإمام يستدرك ويطلب من خادمه إرجاع ذلك الفقير فاستغرب من هذا الطلب، فاستشهد الإمام بما يبين غايته من ذلك بقول عن جده المصطفى الدال على أن أعلى درجات العطاء لا يقف عند سد الحاجة بل يرتقي إلى إيصال الفقير لحالة الغنى، والمقصود بالغنى هو توفير كل احتياجاته وأسرته وسد دينه وما يكف وجهه مستقبلا عن الحاجة وطلب المساعدة من الغير، وهذه الدرجة من العطاء والكرم تمثل أعلى الدرجات وأرقاها، فمفهوم الإغناء الذي جسده الإمام يفوق مستوى العطاء بما تجود به النفس، فجاد الإمام بخاتم عنده تناهز قيمته العشرة آلاف درهم بما يغني الفقير عن سؤال الناس مستقبلا، وهذا العطاء يكشف لنا عن تجافي أهل البيت عن دار الغرور والاحتفاظ بشيء من متاعها، وإن احتفظوا بشيء فهو معد لقضاء حوائج الناس.

السيد فاضل علوي آل درويش/جهينة الإخبارية

[33: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني