دور القيم الحسينية في مواجهة الإرهاب؛ حوار مع العلامة السيد حسين الحكيم
وكالة شفقنا
2021/09/17

آمنت مجلة الإصلاح الحسيني ومنذ انطلاقتها بضرورة الإفادة من نتاجات العلماء والمفكرين والباحثين وأفكارهم النيّرة وتقديمها للقراء الكرام بالصور الممكنة؛ فتنوّعت طبيعة الإفادة بأشكال مختلفة، كالمقال والبحث والندوة والحوار، ومن هذا المنطلق اغتنمت مجلة الإصلاح الحسيني فرصة اللقاء  بسماحة العلّامة السيد حسين الحكيم، فكان معه هذا الحوار:

مجلة الإصلاح الحسيني : بسم الله الرحمن الرحيم. نرحِّب بسماحة السيّد حسين الحكيم، ونشكره جزيل الشكر على تقبّل دعوتنا.

السيّد حسين الحكيم: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله الطاهرين. أنا أيضاً بدوري أشكركم على هذا اللقاء، وأسال الله تعالى لكم التوفيق والسداد.

ملامح الاستفادة من القضيّة الحسينيّة في التصدّي للإرهاب

مجلة الإصلاح الحسيني: نحن في لقائنا معكم نحاول أن نستلهم من الفكر الإسلامي المعاصر المتمثِّل بعلماء الحوزة العلمية  ـ الذي ما زال يدرس الحسين عليه السلام  شهيداً عظيماً مُصلِحاً ومعبِّراً حقيقياً عن الإسلام العظيم ـ الحلول الحقيقية لظاهرة الإرهاب وآثارها الخطيرة والمدمِّرة.

ونبدأ أسئلتنا مع سماحتكم عن مدى تأثير القضيّة الحسينيّة في المجتمع كونها قضية ضدّ الإرهاب والتطرّف؟

السيّد حسين الحكيم: قضية الحسين عليه السلام  حيّة رغم تعاقب العصور، ومبادؤه ما زالت تصلح أن تشكِّل معالم هُدى لإنسان هذا العصر؛ تُحقِّق طموحاته وتستجيب إلى تحدياته، وتحفّز فيه دواعي الخير والإصلاح والتنمية البشريّة السليمة.. ومن أبرز تحدّيات ظرفنا الراهن ظاهرة الإرهاب التكفيري الذي أعلن عن بشاعته بشكل غريب ومريب.. غريبٌ لأنّه متميِّز بالبشاعة إلى حدّ يفوق الخيال البشري السليم.. ومريبٌ لأنّه ينسب كلَّ تلك البشاعة للإسلام ويحاكي بعض شعائره وقشوره، وكأنّ هدفه الأساس غير المعلن هو تشويه الإسلام في عقل الإنسان.

مجلة الإصلاح الحسيني : سماحة السيّد، ما هي ملامح العلاقة بين القضيّة الحسينيّة والإرهاب التكفيري والتي من خلال دراستها قد نتمكّن من الوصول إلى رؤية حسينيّة متكاملة تواجه الإرهاب وتعالج آثاره الخطيرة؟

السيّد حسين الحكيم: لا شكّ في أنّكم على بيّنة من أنّ تحديد المراد من المفردات الأساسية في السؤال من أهمّ مفاتيح البصيرة في الجواب؛ ولهذا لا بأس بتبيان المراد من (القضيّة الحسينيّة) و(الإرهاب التكفيري).

نقصد بالقضيّة الحسينيّة: الصراع الذي حصل بين الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، وبين الحكم الأُموي المتمثّل بيزيد بن معاوية بن أبي سفيان، والذي أدّى إلى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام  وصحبه وأهل بيته، وسبي نسائه، وكل الخلفيات الفكرية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية التي كانت أسباباً ودوافع في الصراع، وكلّ الآثار التي ترتّبت على ذلك.

ونقصد بالإرهاب التكفيري: الممارسات العنيفة التي تصدر من الجماعات المسلَّحة على أساس ادّعاء تمثيل الإسلام، وتكفير وتصفية مَن يخالفها بالموقف، والخلفيات التي تقف وراءها، والآثار التي تترتّب عليها.

وعليه نقول: إنّ أهمّ ملامح العلاقة بين القضيّة الحسينيّة والإرهاب التكفيري هو كونه عليه السلام  ضحية عظمى للإرهاب التكفيري، ولكن هناك ملامح أُخرى أيضاً:

أوّلاً: الإمام الحسين عليه السلام  يُمثّل الإسلام على مستوى المرجعية التي نزل بها القرآن في آية التطهير وغيرها، وصدع بها رسول الله صلى الله عليه وآله  في حديث الثقلين وغيره، فهو من العترة الطاهرة، والمُعبِّر عن الإسلام تعبيراً تامّاً، والناطق الرسمي الشرعي باسمه.

ثانياً: هو إمام المسلمين؛ بما ورد عن النّبي صلى الله عليه وآله  من أدلّة إمامته التي لا تُحصى في هذه العجالة، وبحسب وثيقة الاتّفاق بين مؤسس الدولة الأُموية وبين الإمام الحسن عليه السلام ؛ والتي نصَّت على أنّ الخلافة بعد معاوية للإمام الحسن عليه السلام ، فإن مات فإنّها لأخيه الإمام الحسين عليه السلام [1].

ثالثاً: إنّ الإرهاب الذي قتل الحسين عليه السلام  يدّعي تمثيل الإسلام فكرياً وقيادياً، كما هو الإرهاب التكفيري اليوم، وقد تبلور أخيراً بشكل رسمي وتام عندما ادّعت «داعش» الخلافة لأبي بكر البغدادي ودعت النّاس إلى بيعته والنزول على حكمه.

رابعاً: الممارسات الوحشية الفضيعة التي مارسها الإرهاب الأُموي ضد الحسين عليه السلام ، ويمارسها الإرهاب التكفيري المعاصر من قطع الرؤوس بغير حقٍّ، وقتل الأطفال، وحرق البيوت على أهلها الآمنين فيها من الرجال والنّساء والأطفال، والأصحّاء والمرضى، وقطع الماء عن المدنيّين المسالمين، وسبي النّساء، وقتل الأسرى، والإبادة الجماعية على قاعدة «لا تبقوا لأهل هذا البيت باقية»، وإلى آخر ما حفلت به قائمة الجرائم الكبرى التي ترتكبها قوى الإرهاب التكفيري المتعدّدة الأسماء، والتي يتحمَّل جريرتها أوّل ظالم ظلم محمداً وآل محمّد ممَّن سنَّ لهم ذلك؛ أي: جعله لهم سنّة، وشرَّعه لهم تشريعاً.

خامساً: المواقف الحسينيّة الدفاعية التي اتّخذها الإمام الحسين عليه السلام  وأهل بيته وأصحابه الكرام.. بشجاعة منقطعة النظير، واستعدادهم الكامل للتّضحية بكلّ ما يملكون في مواجهة الإرهاب الأُموي.

 مقوّمات المشروع الحسيني في مواجهة الإرهاب

مجلة الإصلاح الحسيني :  إذاً ـ سماحة السيّد ـ ما هي مقوّمات المشروع الحسيني في مواجهة العدو التكفيري وبطشه؟

السيّد حسين الحكيم:أهمّ مقوِّمات المشروع الحسيني في مواجهة الإرهاب هي:

1ـ الفكر.

2ـ الإعلام.

3ـ الاستعداد والتعبئة العسكرية.

4ـ الجهاد دفاعاً عن الإسلام وحرماته حتى النَّـفَس الأخير.

5ـ القيم الأخلاقية في الحرب والسِّلم.

مجلة الإصلاح الحسيني :  هل يسعنا أن نقف عند كلّ واحد من هذه المقوِّمات لندرسه جيّداً، فنحن اليوم بأمسّ الحاجة لبلورة مشروع حسيني في مواجهة خطر الإرهاب. فكيف واجه الحسين عليه السلام  الإرهاب فكرياً؟ وماذا علينا أن نفعل في هذا العصر؟

السيّد حسين الحكيم: نلاحظ في الخطاب الحسيني أنّه ركَّز على بيان المنطلقات الإيمانية له، وحاول جهد إمكانه أن يُقنع بها الآخر، فقد كان خطابه حافلاً بذلك، وكلماته مشهورة،  ومنها ـ مثالاً لا حصراً ـ : «فلمّا مات الحسن بن علي ازداد البلاء والفتنة، فلم يبقَ لله وليّ إلّا خائف على نفسه، أو مقتول، أو طريد، أو شريد. فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين حجَّ الحسين بن علي عليه السلام  وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس معه. وقد جمع الحسين بن علي عليه السلام  بني هاشم، رجالهم ونساءهم، ومواليهم، وشيعتهم، مَن حجّ منهم ومَن لم يحج، ومن الأنصار ممَّن يعرفونه، وأهل بيته، ثمّ لم يدع أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله  ومن أبنائهم والتابعين، ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنُّسك إلّا جمعهم، فاجتمع عليه بمنى أكثر من ألف رجل، والحسين عليه السلام  في سرادقه، عامّتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين عليه السلام  فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد: فإنّ الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي أُريد أن أسألكم عن أشياء، فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني، اسمعوا مقالتي، واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم مَن أمنتموه ووثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون؛ فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون. فما ترك الحسين شيئاً أنزل الله فيهم من القرآن إلّا قاله وفسّره، ولا شيئاً قاله الرسول في أبيه وأُمّه وأهل بيته إلّا رواه، وكل ذلك يقول الصحابة: اللّهم نعم، قد سمعناه وشهدناه، ويقول التابعون: اللّهم قد حدَّثنا مَن نصدِّقه ونأتمنه، حتى لم يترك شيئاً إلّا قاله، ثمّ قال: أنشدكم بالله إلّا رجعتم وحدَّثتم به مَن تثقون به. ثمّ نزل وتفرَّق النّاس على ذلك»[2].

وفي هذا النص عبرة لنا في شدّة اهتمامه عليه السلام  بإيصال الحقّ والمحافظة عليه من الاندراس، ومواجهة عملية التجهيل المركّب الواسعة التي تقوم بها أجهزة إعلام الدولة التكفيرية الأُموية القمعية التي تُعظِّم  الحاكم بالجور (الخليفة)، وتوظّف معالم الدين لخدمة سلطته المعادية لله وللرسول والمؤمنين.

وأيضاً بيان الحقّ في مرجعية أهل البيت عليهم السلام  في تعريف الإسلام للنّاس، وأنّ أيّ حذف لهم عن مقامهم الذي نصّبهم الله فيه فهو تشويه للدين وإضلال للمؤمنين.

كما قد حفلت كلماته التي وصلتنا بتعاريف إسلامية للمفاهيم التالية:

1ـ الحياة والموت عند انتشار الباطل وضياع المقاييس: «فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً»[3].

2ـ الدنيا: فقد روي عنه: «عِبادَ الله، اتّقُوا الله وكونوا من الدّنيا عَلى حَذَر، فإنّ الدنيا لو بقيت لأحدٍ وبقي عليها أحدٌ، كانت الأنبياء أحقّ بالبقاء، وأَوْلى بالرضا، وأرضى بالقضاء، غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للبلاء، وخلق أهلها للفناء، فجديدها بالٍ، ونعيمها مضمحل، وسرورها مُكْفَهِر، والمنزل بُلغَة، والدَّار قُلعَة»[4].

3ـ الفتح (النصر): فقد روي أنّه أرسل إلى أخيه محمد بن الحنفية: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم، أمّا بعد: فإنّه مَن أُلحقَ بي منكم استُشهِد معي، ومَن تخلَّف لم يبلغ الفتح، والسّلام»[5].

وحدَّد أهداف ثورته بقوله: «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله ، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام »[6]. فالثورة لا تبرِّر العنف ولا العدوان حتّى وإن كانت شعاراتها حقّة.

وقد حدَّد الموقف من الذين لم يستجيبوا لدعوته بقوله: «فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أَوْلى بالحق، ومَن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين»[7]. فهذا النّص يدلّ على أنّه لا يوجد قمع في قاموس الحسين عليه السلام  حتّى لمن لم يستجيبوا له.

وغير ذلك كثير ممّا يحتاج إلى مشروع بحثي كبير، أدعوا الباحثين لإيلائه الأهمية التي يستحقّها.

إنّ كل القيم الفكرية الإسلامية التي نطق بها الحسين عليه السلام  وأحيا بها الإسلام في عصره وجسَّدها عمليّاً في نهضته كشفت الزيف الذي كان عند أعدائه، وما زالت تكشف الزيف في التنظير التكفيري للإرهاب الذي يستدلّ ببعض المتشابه من نصوص القرآن، أو السنّة، أو المختلق المكذوب عليهما.

إنّ الإرهاب التكفيري، وإن كانت تحرّكه سياسات ومخابرات عالمية، لكن ديناميكيّته الأساسية تنطلق من عقيدة فكرية زائفة يجب أن تبدأ منها الخطوات الأُولى في المواجهة معه.

القضيّة الحسينيّة وسبل الارتقاء بالمنظومة الإعلامية الإسلامية

مجلة الإصلاح الحسيني :  تعريجاً على ما تقدّم؛ هل ينفع الفكر بدون إعلام قادر على إخراج الفكر من صالات النُّخب الباردة وتحويله إلى رأي عام يصنع الإرادة والحماس؟ وقد أشرتم إلى أنّ الإعلام كان إحدى أهمّ مقوّمات المشروع الحسيني في مواجهة الإرهاب.

السيّد حسين الحكيم:نعم، الفكر بلا إعلام طاقة كامنة، والإعلام بدون فكر عشوائية مشتَّتة، ونحن وإن كنّا نلاحظ على الساحة العراقية ـ بعد الفتوى المباركة بوجوب الدفاع الكفائي ـ بدايات لنهوض إعلام ينطلق من أُسسنا الفكرية الإسلامية الحقيقية التي تعرف للحسين عليه السلام  موقعه من هويّتنا الإسلامية والوطنية، لكنّنا ما زلنا نعاني اليوم من كلتا الأزمتين؛ أزمة الفكر المهجور إعلامياً وأزمة الإعلام الأجوف فكرياً.

:  إذن، ما هو الحل الأنسب لمعالجة هذه الأزمة؟

السيّد حسين الحكيم:الحلّ جانب منه يبدأ عند الفقهاء بالتحديد؛ وذلك من خلال الاهتمام بقضايا العصر وخصوصاً قضية الإرهاب التكفيري، وتقديم المنتج الفقهي والفكري والرؤية التي تُغطِّي الحاجة الفعلية للمسلمين في هذا الشأن، كما وجدنا سماحة المرجع الأعلى السيّد علي السيستاني(دام ظلّه) يتصدّى لكتابة النقاط التوجيهية للمدافعين عن الوطن وحياضه وحرماته ومقدّساته، هذا فضلاً عن التوجيهات المستمرّة في خطبة الجمعة، وإن كنّا نقرّ بأنّ الحاجة الواقعية ما زالت تفتقر للمزيد.

وجانب آخر من الحل عند الإعلاميين؛ وذلك من خلال الاهتمام بتحديد استراتيجياتهم الفكريّة، وأولوياتهم الإعلامية، وعدم الانغماس في التفاصيل الإعلامية الصغيرة اليومية الفنيّة والسياسيّة والشخصية؛ فالإعلام شجرة لا يورق عودها، ولا تمتدّ أغصانها، ولا تؤتي أُكلها.. إلّا إذا تجذَّرت في الأرض، وانطلقت من القيم الأساسية للجمهور المستهدَف بها. وحتى إن كان قادة بعض وسائل الإعلام يمتلكون في عقولهم رؤية رصينة، لكنّهم ما لم يُحوّلوا استراتيجياتهم الفكرية إلى بحوث علمية يربّون عليها كوادرهم، فإنّهم يبقون عاجزين عن قيادة فريق إعلامي قادر على تقديم منجزٍ حقيقي، ويكونون بين خيارين أحلاهما مرٌّ:

أحدهما: الدخول في كل التفاصيل الصغيرة للصورة واللقطة والتقرير والخبر والإعداد و…؛ ممّا يستهلكهم من جانب، ويُعطِّل روح الإبداع في المخرجين والمعدّين والمراسلين وغيرهم.

والآخر: ترك التفاصيل للكوادر الوسطى غير الفاعلة، أو غير العارفة في بعض الأحيان بالأولويات الحقيقية الفكرية التي تتطلّبها المرحلة؛ فيكثر العثار منهم، ويُصبّ اللوم عليهم، ويكونون كبش الفداء للفشل الذي تعاني منه العديد من وسائل إعلامنا، الكثيرة في عددها، والضعيفة في تأثيرها ومصداقيتها وقدرتها على الإقناع والتأثير، وإن كسبت جمهوراً من المشاهدين العاتبين عليها، والمتذبذبين بينها وبين إعلامٍ ممنهجٍ معادٍ لهم لا يجدون إلى التحصّن منه سبيلاً.

وأعتقد أنّ ما تقوم به مجلّتكم الغرّاء من إرساء بُنى التواصل بين الفقه والإعلام، جهدٌ مشكور في الاتجاه الصحيح ينبئ بالمزيد من التطوّر والانتشار.

الإعلام الحسيني في مواجهة الإرهاب

مجلة الإصلاح الحسيني :  في خصوص القضيّة الحسينيّة، ماذا فعل الإمام الحسين عليه السلام  إعلامياً في مواجهة الإرهاب؟

السيّد حسين الحكيم: القضيّة الحسينيّة عطشى إعلامياً كعطش الحسين عليه السلام ، كادوا أن يقتلوا قضيَّته كما حاولوا أن يقتلوه عطشاً (روحي فداه)، لكنّه بذل في هذا المجال ما لا يمكننا استيعابه، بل ويحتاج إلى جهد بحثي جبّار لاكتشافه ووضعه في إطار منهجي، لكنّي سأُشير إلى بعض اللقطات المهمّة؛ فعلى سبيل المثال: نلاحظ أنّ الحسين عليه السلام  وهو يعلم أنّه مستشهد لا محالة ـ كما صرَّحَ بذلك مراراً ـ إلّا أنّه قام بجهد إعلامي جبّار للتعبير عن أمرين أساسيين هما:

أوّلاً: إيصال الفكر من خلال عدالة قضيّته، وصحّة شعاراته وعقيدته، وارتباطها برسول الله حقّاً؛  أي: تقديم الرؤية العقدية والشرعية التي هي امتداد لحركة الأنبياء.

ثانياً: كشف الزيف عند إعدائه، وبيان انحرافهم وظلمهم وبشاعتهم.

:  إذن، كان الإعلام أحد مقوّمات النهضة الحسينيّة، وعليه فما هي الوسائل الإعلامية التي اعتمدها الإمام عليه السلام  في نهضته؟

السيّد حسين الحكيم: لم تكن الوسائل آنذاك متيسّرة جداً، ولكنّه مع ذلك قدَّم ما تمكَّن منه، وبذل جهوداً عظيمة؛ فمضافاً لخطبه في مكّة في موسم الحج وفي الطريق في كثير من التجمّعات، بل وبعثه كتباً إلى كبار الشخصيات في البصرة يدعوهم إلى نصرته، وقد خطب أيضاً في كربلاء خُطباً كثيرة رغم قصر المدّة، ولم يكن لينشغل عن التعبير الإعلامي حتّى وهو في أشدّ الظروف؛ ففي اللحظة الصعبة التي أخرج وَلَده الرضيع فيها إلى أعدائه ـ بعد أن أشرف على الموت عطشاً ـ ليُعلِن عن ظلامته وعطشه حتّى ذُبِحَ ولده بين صدره ونحره في فاجعة من أقسى ما واجهه الحسين عليه السلام  في كربلاء.. لم يشغله مصابه بولده عن أن يرمي بدمه إلى السماء فيراه أكثرُ مَن كانوا في معسكر أعدائه.. فهذه الحادثة بأيّ قصد كان ـ سواء بقصد التعبير الإعلامي أو التضرّع إلى الله أو إقامة الحجّة على أعدائه ـ جعلت من دم وَلَده جزءاً من الإعلام عن مظلمته وعدالة قضيته وبشاعة عدوه، بل نجد أنّ الحسين عليه السلام  أخرج عياله معه، مع أنّهنّ تعرّضن إلى السبي ـ وهو من أعظم الفجائع ـ ولكن كان السبي أبرز الجهود الإعلامية للقضية الحسينيّة التي تمكّنت من أن تقلب معادلات الرأي العام، وتُحدِث فيه هزّة عنيفة رغم المرارة الكبيرة، والجرح العميق الذي أحدثه السبي في بيت الرسالة، بل حتّى في الساعة التي خرّ فيها صريعاً من على ظهر جواده لينتظر من عدوّه أن يذبحه كأشدّ ممّا انتظر إسماعيل الذبح وسلّم له، فقد روي عنه أنّه وهو يجود بنفسه «طلب منهم ماءً، فقال له رجل: واللهِ، لا تذوقه حتّى ترد الحامية، فتشرب من حميمها. فقال: بل أرد على جدّي رسول الله وأسكن معه في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأشرب من ماء غير آسن، وأشكو إليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي»[8].

أفكان ـ روحي فداه ـ لا يعلم أنّ أعداءه لا يسقونه الماء؟! أم كان يروم الإظهار عن مظلوميته وبشاعة عدوّه حتّى آخر نفس.

إنّنا اليوم بحاجة ماسّة إلى أن نستلهم من الحسين عليه السلام  جهاده الإعلامي الذي نجح إلى حدٍّ كبير في إسقاط كل الشعارات التي كانت تتلفّع بها الخلافة الجائرة، وحقّق من خلال ذلك أعظم منجز لنهضته؛ وهو حماية الإسلام من تحريف الخلفاء الذين كادوا أن يُحوّلوا الإسلام من منهج للدّعوة إلى الحقّ وإرساء العدل بين النّاس إلى وسيلة لاستغلال الشعوب والتسلّط عليها باسم الله وكتبه ورسله، كما فصّل ذلك سيّدنا الأُستاذ المرجع الكبير السيّد سعيد الحكيم(دام ظله) في كتابه (فاجعة الطف)[9].

مجلة الإصلاح الحسيني :  واليوم في ظلّ الهجمة التكفيرية هل يمكننا نشر مخازي الإرهاب والإعلان عن بشاعته وإجرامه؟

السيّد حسين الحكيم: نعم، يجب أن نُعطي مسألة المظالم التي تعرَّض لها المسلمون عموماً وشيعة أهل البيت عليهم السلام  بالخصوص أهميّة قصوى في توثيقها وبيان تفاصيلها الدقيقة، وعدم الاكتفاء بالكلام العمومي عنها؛ فإنّ في ذلك حفظاً لحقّ المظلومين، وبياناً لجرائم الإبادة الجماعية التي تعرّضوا لها، وأيضاً ترميزاً إعلامياً قويّاً لبراءة الإسلام من التكفير الإرهابي، فإنّ ضحاياه من المسلمين أكثر من غيرهم، وحقده الأسود عليهم أكثر من حقده على غيرهم.

هذا مضافاً إلى الأولويات الأُخرى التي يجب أن يتبنّاها الإعلام من تقوية الجانب المعنوي وتأكيد رمزية الحسين عليه السلام ، وملاحم البطولات والشجاعة عند أهل بيته وأصحابه ونسائه وأطفاله، والتعبير عن الاستقامة والتقوى والعفّة لدى المدافعين المتأسّين بالحسين عليه السلام ، والمواساة بينهم، بل والرفق حتّى بأعدائهم من الأسرى وغيرهم، ونبذ التعصّب والتحزّب، والإصرار على الخطأ، وغير ذلك من الجوانب الإنسانية الحافلة بالقيم والمثل العليا.

التدابير الحسينيّة الجهادية في الوقوف بوجه الإرهاب

مجلة الإصلاح الحسيني :  الآن وقد اتّضحت المعالم الأساسية في البُعد الفكري، وكذلك البعد الإعلامي للمشروع الحسيني في مواجهة الإرهاب والتكفير الأعمى ومدى تكامل كل من البعدين مع الآخر، فإنّنا بحاجة أيضاً لأن نناقش الأبعاد والمقوّمات الأُخرى في المشروع الحسيني، ولعلّ أهمّها هو الجانب الجهادي، فالإرهاب ليس شبهة فكرية كي تحلّ بندوة نقاشية، وليست حملة إعلامية كي يُردّ عليها بحملة مضادة، بل الإرهاب ممارسات عُنفية تثير الهلع والخوف عند المدنيين، وتهدم الحضارة، وتُدمّر كلّ مقوّمات الحياة.

السيّد حسين الحكيم: صحيح هذا، لكن يجب أن نتذكّر دوماً أنّ الإرهاب التكفيري لم يكن ليفلح في استدراج الأنصار المخدوعين، لولا وجود شبهات عقدية خطيرة تخدع بعض النّاس وتضلّهم ضلالاً بعيداً، فالعمل الفكري لإزالة اللّبس، والجهد الإعلامي لنشر الهدى كلاهما له دور محوري في تفكيك العبوات الفكرية الناسفة لعقول أُولئك الشباب، بأوهام يتحوّلون بسببها إلى انتحاريين يقتلون الإسلام الحقيقي بوهم الإسلام التكفيري.

نعم، أنا أُشاطركم الرأي في كون الجانب الجهادي هو الردع المباشر للحرب الإرهابية التكفيرية التي بدأت تتسع رقعتها، ولكن لم يكن الفكر ولا الإعلام بمستوى التحدّي الكبير، ولو درسنا هذا الجانب عند الحسين عليه السلام  فسنجد بعض العجائب:

أوّلاً: كان يحاول أن يقنع النّاس بنصرته ويدعوهم إلى ذلك بشتّى السّبل، حتّى أنّه أرسل إلى زهير بن القين (رضوان الله عليه) فتمكّن من إقناعه بنصرته، مع أنّه كان يتهرّب من لقاء الحسين عليه السلام  ويحاول التملّص من ذلك بشتّى السّبل.

ومن ذلك نستفيد أنّ الإمام الحسين عليه السلام  كان يتّخذ كامل الاستعدادات اللازمة لمواجهة العدوّ من دون أن يكون توطين النّفس على الاستشهاد ـ بل ولا العلم الحتمي بالشهادة ـ سبباً في التسامح في هذا الشأن، فهو يفكّر تماماً بمنطق المقاتل الذي يريد أن يُهيّئ كل ما يستطيع من أسباب النّصر، وهذا الدّرس من أهمّ الدروس التي تحتاجها الحرب ضدّ الإرهاب الذي يعتمد المكر والغدر واستهداف التجمّعات الآمنة؛ ممّا يوجب شرعاً اليقظة التامّة منه والحذر الشديد للمحافظة على أرواح الأبرياء.

ثانياً: إنّ سيّد الشهداء في يوم عاشوراء اتّخذ استعدادات عسكرية فريدة، وقضى شطراً مهماً من ليلته الأخيرة بذلك، فقد  قال ابن شهر آشوب في مناقبه: «أمر بأطناب البيوت، فقُرِّبَت حتّى دخل بعضها في بعض، وجعلوها وراء ظهورهم لتكون الحرب من وجه واحد، وأمر بحطب وقصب كانوا جمعوه وراء البيوت، فطُرح ذلك في خندق جعلوه وألقوا فيه النّار وقال: لا نُؤتى من ورائنا»[10]. وأيضا فقد حفر خندقاً وراء الخيام ليستقبل العدو من جهة واحدة فلا يتمكّنون من تطويقه[11].

ثالثاً: إنّه لم يستخدم أساليب الاحتماء بالأماكن المقدّسة، ولا الاغتيالات، ولا العمليات الانتحارية، بل ولا استخدام عنصر المباغتة مع العدو، أو قطع الماء عنه، وأمثالها من الأساليب التي تتبعها القوى المقاومة الصغيرة التي تواجه دولاً أو قوى عظمى، وتبرّر ذلك عادة بعدم تكافؤ القوى، فهو عليه السلام  لم يحتلّ مكّة بمَن معه من الأنصار ويتّخذها أو مسجدها الحرام على الأقل حمى يستدرّ به عطف المسلمين، كما فعل ذلك عبد الله بن الزبير بعد استشهاد الإمام بسنة أو سنتين.

وهذا رسوله إلى الكوفة مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) لم يقتل ابن زياد اغتيالاً؛ لأنّ (الإسلام قيد الفتك)، كما فعل الخوارج بقتلهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .

والإمام الحسين عليه السلام  سقى الحرّ بن يزيد الرياحي ـ الذي خرج من الكوفة بأمرٍ من ابن زياد، وأرسل معه ألف فارس ليُجعج بالإمام الحسين عليه السلام  ويُنزله بالعراء في غير حصن  وعلى غير ماء ـ بعد أن اشتدّ بهم العطش في أرضٍ قاحلة، ولم يمنعهم الماء، ولم يقبل مشورة بعض أصحابه بقتالهم وحرمانهم من الماء. مع أنّ أهل المدينة وفيهم كثير من التابعين وأولاد الصحابة عندما ثاروا على يزيد في سنة (62) للهجرة؛ وهي السَّنة التي تلت استشهاد

الحسين عليه السلام ، كانوا قد وضعوا القطران في بعض الآبار التي تقع في الطريق بين العراق والمدينة؛ كي لا يتمكّن الجيش الأُموي القادم لقتالهم من شرب الماء كما يذكر الطبري وغيره[12].

وفي ليلة العاشر من المحرّم لم يُبيِّت العدو ويباغته ويقتل منه أكثر عدد ممكن كما تفعل القوى الثورية المعاصرة فضلاً عن الإرهاب التكفيري.

إنّه يستعد لمواجهة العدو أفضل ممّا يفعله أيّ قائد عسكري محنّك، ويحترم أخلاقيات الحرب كأنّه نبيّ يتلو على النّاس وحي الله إلى عباده.

إنّ القوانين المرعية التي تحفظ الحقوق والحرّيات في حال السّلم تُجمّد عندما تُعلَن حالة الطوارئ؛ لأنّ صوت الحرب يعلو على كل صوت. والحسين عليه السلام  ـ كما كان جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله  وأبوه أمير المؤمنين وأخوه الحسن عليهما السلام  ـ عبَّر في حربه عن قيم الإسلام ومُثُلِه أكثر ممّا يفعله أيّ أحد في حال السلم.

مبادئ الحسين عليه السلام  الجهادية أمثلة تُحتذى

مجلة الإصلاح الحسيني :  هذه عجائب! لكن بصراحة ـ سماحة السيّد ـ في منطق عصرنا ربمّا يعدّها البعض كلاماً مثالياً غير قابل للتطبيق؛ فالعدو المتوحّش إن رأى منّا هذه المرونة والاحتياط الشديد ازداد ضراوة وتنكيلاً، واستغلَّ هذه الطيبة المفرِطة التي لا تصلح ولا تليق إلّا بمثل الحسين عليه السلام .

السيّد حسين الحكيم: إشكالية المثالية والواقعية إشكالية عامّة، ربّما يواجه بها أيّ طرح قيمي وأخلاقي إسلامي، وصفوة القول فيها تتلخّص بنقاط:

أوّلاً: إنّ المثالية إن كانت حكماً شرعياً إلزامياً، فلا يجوز لنا تجاوزه حتّى وإن خفي علينا وجه الحكمة فيه؛ لأنّ حكم الله خطّ أحمر لا يتجرّأ عليه إلّا فاسق، فمثلاً حرمة البدء بقتال مَن لم يقاتل، وإن بيَّت القتال، إن تمَّت أدلّتها الشرعية فلا تجيز القتال حتى وإن كان القتال المتعجّل المحرَّم يؤدّي إلى النّصر بخسائر أقل.

يقول تعالى: ﴿ نَّ اللَّـهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *لتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّـهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[13].

فلابدّ أن نحفظ حدود الله، ولا خيار لنا سوى ذلك، فهل يتحقّق الجهاد بالفساد؟! وهل يُطلَب النّصر بالجور؟!  أم هل يُطاع الله من حيث يُعصى؟!

ثانياً: إنّ هذا الالتزام المبدئي، وإن كان قد يُغري العدو بالجرأة على انتهاك الحرمات من جهة، لكنّه يُفكِّك تدريجاً تراكمات الحقد عند بعض أتباعه، ويُلغي من قاموس البعض منهم على الأقل شعوره بأنّ معركته عادلة.. هذا الشعور الذي إن تحقّق في الجانب المعنوي للمقاتلين ـ ولو بسبب الجهل المركّب ـ فإنّه يلهب الروح القتالية عندهم، ويزيد من فرصة انضمام مقاتلين آخرين إليه، وعندما يشعر عدوُّك بنبلك وشهامتك أو بإيمانك وقوّة بصيرتك، فإنّه يهتزّ، وقد ينتقل بعض أفراده ليحاربوا إلى جانبك، وقد روي أنّ عدداً من جيش ابن سعد قد انتقل إلى معسكر الحسين عليه السلام  ليلة العاشر من المحرّم عندما رأوا عبادته وعبادة أصحابه[14]، وكذا في اليوم العاشر عندما انتقل الحرّ ومعه بعض الأفراد. إنّ المبدئية العالية عندك سلاحٌ فتّاك ضدّ معنويات عدوّك.

ثالثاً: إنّ المعركة التي تهدف إلى احتلال مدينة صغيرة أو كبيرة ربّما لا تخطط إلّا في حدود هدفها، ومعركة الحسين عليه السلام  وأتباعه حتّى في هذا العصر هدفها الأوّل ـ بعد الدفاع عن الحرمات ـ هداية النّاس وإخراجهم من الظلمات إلى النّور، والحرب من أعظم اختبارات مصداقية أيّ مشروع أو منهج ينال المقاتلين فيه ثقة الشعوب الأُخرى إن كانوا يتّسمون بالشرف ويحترمون القيم.

ولم نلاحظ شُعوباً دخلت في منهاج مَن احتربت معه، وتحوَّلت إلى جزء أساس من مشروعه  كالشعوب التي قاتلت المسلمين في صدر الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، بل حتّى من بعده عندما كانت الكثير من الأحكام الإسلامية الحربية قد تحوَّلت إلى قواعد في قتال غير المسلمين، وإن حصلت في بعض الأحيان خروقات كبيرة من بعده لولاها لدخل النّاس في الإسلام بشكل أوسع وبعقيدة أرسخ، بينما نجد اليوم أنّ أيّ شعب يتعرَّض إلى احتلال، ثمّ يرتكب الجيش الذي احتله بعض جرائم الحرب؛ يتحوَّل إلى عدو لدود للدولة التي احتلّته، وتبقى الأحقاد والضغائن بينهما أجيالاً وأجيالاً.

رابعاً: إنّ المبدئية العالية عند القادة في أوامرهم الميدانية تزيد الأتباع المقاتلين بصيرة وهُدًى وإيماناً واحتساباً؛ بكونهم على حقّ، خصوصاً في الأوساط التي تنتمي إلى الأنبياء والأوصياء والفقهاء الأتقياء، وتُحقِّق لهم من الروح المعنوية ما لا يصنعه  أيّ غدر أو انتقام أو تشفّي.

خامساً: إنّ الثقافة الحربية الانتهازية التي لا تراعي حُرمات العدو، تُورِث أعقد المشاكل الكبرى التي تتعرّض لها المجتمعات من محاربيها إن وضعت الحرب أوزارها، فإنّ من أعقد تداعيات الحروب رجوع المقاتلين إلى مجتمعاتهم المدنيّة، وهم يحملون بين جوانحهم قلوباً قاسية، وعادات شرسة في التعامل، وجرأة على سفك الدماء وانتهاك الحرمات.

أمّا إن اتّسم القتال بقيم الجهاد الحقيقي الذي يحفظ الحرمات، ويخشى الله في عدوّه، وحقَّق درجة عالية من الانضباط العسكري بالضوابط الشرعية؛ فإنّه يجعل المقاتلين العائدين من سوح القتال من أكثر النّاس طهارةً ونقاءً والتزاماً بالقيم، فإنّهم خرجوا من امتحان عسير لضبط النّفس ومجاهدتها وتهذيبها وتنمية معاني الخير فيها، وقد روي «عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام  قَالَ: لَمَّا حَضَرَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ عليه السلام  الْوَفَاةُ ضَمَّنِي إِلَى صَدْرِه ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ، أُوصِيكَ بِمَا أَوْصَانِي بِه أَبِي عليه السلام  حِينَ حَضَرَتْه الْوَفَاةُ، وبِمَا ذَكَرَ أَنَّ أَبَاه أَوْصَاه بِه، قَالَ: يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلَّا اللَّه»[15].

وعلى كلّ المجاهدين الصالحين ـ الذين يعتقدون برسول الله صلى الله عليه وآله  وأهل بيته عليهم السلام  ومنهم الإمام الحسين عليه السلام  ـ ممّن يواجهون الإرهاب التكفيري أن يلتزموا بهذا النّهج أوّلاً؛ لأنّهم أتباعه وشيعته، فلا يسعهم إلّا أن يأخذوا بمنهاجه. وثانياً: لأنّ الإسلام يتعرّض اليوم إلى تشويه هائل بسبب الممارسات الإرهابية التكفيرية، كما كان حكم الخلافة في عصر الإمام الحسين عليه السلام ، وأجدر مَن يستحقّ شرف إظهار الحقيقة الناصعة للإسلام ونهج محمّد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) هم أتباعهم، والمواجهة مع التكفير وأشياعه وأتباعه فرصة ذهبية للتأسي بآل محمّد صلى الله عليه وآله  رغم ما فيها من آلام وتضحيات.

وسائل ترسيخ القيم الحسينيّة في المجتمع

مجلة الإصلاح الحسيني :  هل يمكننا الوصول إلى هذا المستوى من الاقتداء بالحسين عليه السلام  واستلهام قيمه الإسلامية العليا وتجسيدها في الميدان؟ وما هي الوسائل التي تمكّننا من ذلك؟

السيّد حسين الحكيم: لسنا عاجزين عن الوصول إلى ذلك وبمساحات مختلفة. نعم، إنّ القيم الحسينيّة تختلف في حضورها في المشهد الجهادي المعاصر لأتباعه؛ فبعضها ـ وبحمد الله ـ ملموس وبوضوح، مثل: قيم التضحية والإيثار، والصبر والاحتساب عند الله، والنَّفس الطويل في مواجهة العدوان. وأمّا قيم النزاهة والأمانة والانضباط بالضوابط الشرعية القتالية فهي تشهد تحسّناً وتنامياً ملحوظاً، وتُمثِّل علامة بارزة وفارقة بين المؤمنين بالحسين عليه السلام  وبين عدوّهم الأرعن (الإرهاب التكفيري) الذي يفتضح يوماً بعد آخر، مع كل ما تمارسه الماكنة الإعلامية الكبرى التي تحاول بشقّ الأنفس التخفيف من وطأة جرائمه، وتضليل الرأي العام عنها بالتخفيف منها تارة وبتعميمها على القوّات التي تواجهه، وبالأخص قوات الحشد الشعبي الباسلة تارة أُخرى.

والوسائل التي تساعد على تنمية هذه القيم وتحويلها إلى تقاليد عامّة كثيرة ومتحرّكة، وقابلة للتجديد والتوالد المتدفِّق، وقد يكون منها على سبيل المثال لا الحصر:

أوّلاً: تعميق البحوث الفكرية والفقهية بالتحديد في هذه المسائل؛ لأنّ كثيراً من الأخطاء التي تُرتَكَب تعود إلى جهلٍ بالأحكام، أو بالاستناد إلى فتاوى بغير علم.

ثانياً: نشْر هذه القيم بمختلف الوسائل الإعلامية التقليدية، مثل: الكتاب والمنبر الحسيني. والحديثة، مثل: الفضائيات، ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.

ثالثاً: التواصل المستمر ـ كما هو حاصل بنسبٍ عالية ـ بين علماء الحوزة وطلّابها ومبلّغيها، وبين المتطوِّعين والمقاتلين من مختلف القوى الأمنية، وعلى الساتر الأمامي في كثير من الأحيان.

رابعاً: تشجيع الأدب والفن بكل أدواته الجمالية والوجدانية؛ كي يُعبِّر عن هذه القيم، ويُجسِّر العلاقة بين القضيّة الحسينيّة والجهاد المعاصر الكبير في مواجهة الإرهاب التكفيري.

خامساً: ـ وهو من أهمّ الأُمور ـ اعتبار القضيّة الحسينيّة بمعالمها الرئيسة جزءاً لا يتجزَّأ من الهوية الوطنية، واهتمام البحث الأكاديمي العسكري العراقي وغير العراقي ببلورة ذلك، واستنباط معالم المدرسة القتالية الوطنية من القضيّة الحسينيّة، فإنّها هي التي تنبثق من وجدان الشعب، وهي التي تستطيع بناء شخصية المحارب الشجاع المنضبِط الذي يُضحِّي بسخاءٍ ويُقاتل بشرف.

وأدعو المراكز البحثية ـ في الحوزة العلمية، والعتبة الحسينيّة المقدّسة، ووزارة الدفاع والداخلية العراقية ـ لتنسيق الجهود في بلورة معالم مدرسة عسكرية حسينيّة معاصرة تنطلق من قيم الحسين عليه السلام ، وتنسجم مع وجدان المقاتل، وتستفيد من تجربة الاستجابة المنقطعة النظير لفتوى الدفاع الكفائي؛ كي تضيف للمدارس العسكرية المعاصرة الكثير ممّا تفتقر إليه.

إنّ ذلك قد يساعد كثيراً في خروج القوى الأمنية العراقية وغيرها من أزمة الهوية الموحَّدة التي تنعكس سلباً على الروح المعنوية القتالية، وتجاوز الكثير من الخلل في النزاهة المالية والإدارية وضعف الانتماء الوطني، فالحسين وأبوه علي أمير المؤمنين وجدّه رسول الله (صلوات الله عليهم أجمعين) رموزٌ وطنية للجميع، أكبر من أن يصادرها مكوِّن خاص، وأعظم من أن نجد عنهما بديلاً وطنياً حقيقياً.

إنّ الاكتفاء بكون الرمز الوطني الواحد هو (العراق) ـ مثلاً ـ ككلمة خالية من أيّ مضمون واقعي، لا يصلح لكي يملأ الفراغ، فالعراق بلا محمّد صلى الله عليه وآله  وعلي والحسين عليهما السلام  عراقٌ بلا عراق.

مجلة الإصلاح الحسيني :  في الختام هل من كلمة أخيرة تختصر اللقاء وتفتح الآفاق للمزيد؟

السيّد حسين الحكيم: الإمام الحسين عليه السلام  كجده رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكالقرآن الكريم، لا يُسبر غوره ولا تحصى مناقبه، وإنّ من أعظم مناقبه ما نلمسه اليوم أكثر من أيّ يومٍ مضى من تأثيره الكبير في حركة التاريخ، وفي بناء الإنسان، وسنخرج إن شاء الله من هذا التحدّي الإرهابي التكفيري أصلب عوداً وأقوى بصيرة بقيم الحسين عليه السلام ، وأيضاً أشدّ إدراكاً لحاجتنا الماسّة له، فبولايته : «عَلَّمَنا اللهُ مَعالِمَ دِينِنا، وَأَصْلَحَ ما كانَ فَسَدَ مِنْ دُنْيانا. وَبِمُوالاتِه تَمَّتِ الكَلِمَةُ، وَعَظُمَتِ النِّعْمَةُ وَائْتَلَفَتِ الفُرْقَةُ»[16].

————————–

[1] آل ياسين، راضي، صلح الحسن عليه السلام ، ص260.

[2] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص18  ـ19.  وقد وردت الرواية مفصَّلة في كتاب سليم بن قيس الكوفي: ص320.

[3] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص305.

[4] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج41، ص218.

[5] الصفّار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص502.

[6] المجلسي، محمد باقر،  بحار الأنوار: ج44، ص329.

[7] المصدر السابق: ج 44،  ص330.

[8] ابن نما الحلّي، محمّد بن جعفر، مثير الأحزان: ص57.

[9] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص109 فما بعدها، ص200 فما بعدها.

[10] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص249. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج2، ص560.

[11] اُنظر:  المصدر السابق.

[12] اُنظر: الطبري، محمد بن جرير: ج 44، ص380.

[13] التوبة: آية111 ـ 112.

[14] اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص 57.

[15] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص331.

[16] الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج 2، ص 309.

[23: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني