حوزة النجف تجيد البقاء والسير في طريق المجد والعظمة/ تراث آية الله الحكيم سيزيد من عزيمة حوزة النجف في التخطيط للمستقبل
وكالة شفقنا
2021/09/14

"المرجعية" مؤسسة مدنية روحية قبل أي شيء آخر كما إن "المرجع" نفسه شخصية مدنية روحية؛ خطوات السيد السيستاني ومنها ما يتعلق بحقوق الإنسان ستؤسس لخطاب طويل الأمد

لا شك إن وفاة المرجع آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم حدث مرير لحوزة النجف الأشرف العلمية ولعالم التشيع، كما إن فقدانه لا يعوض عنه إلا بمرور الزمن، وهذا حال فقدان كل شخصية متميزة لها مدرستها في الفتوى والسلوك. ولقد أثار رحيله المفاجئ، حديثًا ونقاشات عن تأثير ذلك في مستقبل حوزة النجف والمرجعية، لا سيّما وإنها مرتبطة بأسماء أربعة من مراجع الدين.

الحديث عن شؤون الحوزة الداخلية نتركه لأهل الحوزة أنفسهم، لكن بصفتي مراقب أجرى في السنوات الأخيرة دراسات تناولت تاريخ حوزة النجف ونظامها وتقاليدها (منه ما كتبته في مقال “مدرسة النجف الأشرف نظرة من الخارج“)، أقول إن حوزة النجف وعلى مر التاريخ، جعلتنا على ثقة واطمئنان بأنها حوزة وَلّادة وخصبة، فهي من أكثر المؤسسات الشيعية عراقة واستقرارًا في إنتاج العلم لم يمنعها سيل جارف من التطورات التاريخية في القرون الفائتة، من الحفاظ على بنيتها العلمية وأساليبها وسماتها التي تتميز بها دون غيرها من الحوزات العلمية فقدمت أو احتضنت عباقرة العلماء أمثال الشيخ الطوسي، وصاحب الجواهر، والشيخ الأنصاري، والآخوند الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ محمد حسين النائيني، والشيخ محمد حسين الكمباني، وآية الله السيد محسن الحكيم، وآية الله السيد أبو القاسم الخوئي، والإمام الخميني (في أيام النفي)، وآية الله السيستاني، فبقيت صامدة محافظة على كيانها على مر العصور وفي أصعب ظروف القمع مثل أيام نظام البعث.

وبعد سقوط نظام صدام كانت حوزة النجف محظوظة لتشهد مرحلة جديدة من الفعالية العلمية والتطور كمًا ونوعًا، كما إنها لم تأل جهدًا لخلق بيئة ومساحة للنمو والإبداع وذلك عبر احترامها الملحوظ لحرية الرأي ولتنوع الاتجاهات في الحوزة وكذلك عبر تفادي التسييس والدنيوية ومحاولات السعي وراء السلطة والتنافس الحزبي المضجر، ومن ثم لتساهم هي بنفسها، في إطار تلك البيئة الإبداعية، في الإجابة على التعقيدات والاحتياجات وصعاب شبهات الحاضر والمستقبل بسلاح الاجتهاد والمنهج العصري.

ولهذا المنهج العصري نموذجات عدّة منها ما قام به زعيم حوزة النجف الأشرف سماحة آية الله السيد السيستاني وكبار علماء النجف من مبادرات وخطوات فريدة وحكيمة في مجال حقوق الإنسان، والحق في الاحتجاج، وحق التصويت، وحقوق الشعب عند الحكومات، واحترام الحريات الفكرية، والحريات المدنية، وحقوق الأقليات، والاهتمام بثقافة الحوار المذهبي والديني (وهذا ما لمسناه وشهدناه في اللقاء التاريخي مع البابا فرنسيس)، وفقه المغتربين؛ وهي كلها تشهد على علاقة النجف المتبادلة بالعالم مما يؤمن الحوزة نفسها لتؤسس لخطاب طويل الأمد وتترك تأثيرات عميقة وخالدة كلنا أمل باستمرارها واتساعها.

إن “المرجعية” في التشيع مؤسسة مدنية روحية قبل أي شيء آخر، كما إن “المرجع” نفسه شخصية مدنية روحية تستمد هويتها ونفوذها من التفقه في “الدين” ومن الالتزام والعمل بالمسؤولية الدينية والأخلاقية والإنسانية والاجتماعية، ومن نظام الحوزة بصفتها فاعل اجتماعي، وكذلك من الاجتماع كداعم حقيقي. أما الهويات الأخرى للمرجعية أو المرجع فلا تتقدم على تلك الهُوِيَّة بل تبقى تابعة لها.

فيما يؤدي رحيل أي مرجع ديني إلى حدوث فراغ على قدر اعتباره الفكري والروحي والأخلاقي، سيترك تراثًا حجمه بقدر تلامذته وتأليفاته وفتاواه وإبداعاته الفكرية وسلوكه في الحياة السياسية والاجتماعية وحتى الشخصية وتارة ما سيكون هذا التراث محط النظر والبحث والدراسة لعشرات ومئات السنين.

فالمرجعية ركن الحوزة ومصدر أو مدار تطوراتها العدّة، فالحوزة ومستقبلها يُعرّفان أساسًا بالمرجعية نفسها. لكن يجب ألا ننسى بأن بقاء المؤسسات الحوزوية العريقة مثل حوزة النجف الأشرف أو حوزة قم العظيمة لا يقارن بحوزات صغيرة ازدهرت لفترة محددة ثم أفل نجمها بسبب هجرة أو وفاة شخصية ما. فالتاريخ شاهد على إن النجف وقم ليستا تابعتين لوجود أو بقاء زعيم ديني أو مرجع دون سواه، وإنما كأي مؤسسة مدنية عريقة تتبعان جملة من المتغيرات مثل التأقلم مع الأهداف التي أسست من أجلها، والمقدرة العلمية والإبداع الفكري، ونطاق أتباع مدرستها الفكرية، والكفاءة، والاستقلال الاقتصادي، والتقاليد، والمناهج، وفوارق وقدرات الزعماء وهيكلية المؤسسة ذاتها في تنظيم العلاقة بالمجتمع المستهدف ومع المؤسسات الاجتماعية الأخرى، كما تتبعان نظرتهما وموقفهما تجاه الناس ومؤسسات السلطة.

ومن هنا تتبين الأهمية المضاعفة لمسار ظهور وتطور وإعلان المرجعية وتحققها في الحوزات الشيعية العلمية العريقة. والحال نفسه عند المذاهب الأخرى لكن في إطار تقاليد مختلفة قد تكون خارج نطاق سلطة المؤسسة الدينية، بمعنى أن المسار هذا تفرضه المؤسسة السياسية.

يجب دراسة وتحليل تقاليد كل مؤسسة دينية في النطاق التاريخي، والاجتماعي، والسياسي الذي تنتمي إليه. فحوزة قم المقدسة والنجف الأشرف وبصفتهما جناحي التشيع العلمي والفقهي، تجمعهما اشتراكات كثيرة كما يفرقهما تمايزات مصدرها البيئة التاريخية والسياسية والتقاليد الداخلية.

إحدى هذه التمايزات هي سنة الإعلان عن المرجعية وما تحملها كل حوزة من فوارق قابلة بالطبع لتوجيه سهام النقد إليها. ففي حوزة قم المقدسة مثلًا لا يستشكل أحد على إعلان مرجعية التلميذ في حياة أستاذه، وها هي تحتضن مرجعيات تقليد من عدة أجيال أعلنت مرجعيتها عبر انتشار الرسائل العملية مما جعل الرأي العام وإلى حد ما، على بينة من مستقبل المرجعيات الدينية وكذلك مستقبل المجتهدين الشباب. لكن لا يمكن تجاهل دور جمعية مدرسي حوزة قم العلمية وكذلك الدور الحكومي في إضفاء صفة الشرعية لبعض المرجعيات أو التقليل من شأن البعض الآخر.

أما في حوزة النجف الأشرف فالأمر ليس كذلك. فالتلميذ مهما علا شأنه ومكانته، يتجنب انتشار الرسالة العملية والإعلان عن مرجعيته في حياة أستاذه؛ وهذا ما يفسر سبب عدم الحديث سوى عن اسمين اثنين من المرجعيات الدينية في النجف الأشرف (المرجع الفياض والمرجع النجفي) إلى جانب سماحة آية الله السيد السيستاني. فهذا الأمر لا يعني غياب الشخصيات العلمية البارزة بمستوى المرجعية وإنما الالتزام بالتقاليد والمبادئ المتجذرة في مئات السنين قد نتج عنها الالتزام بمحورية العلم وبالتقوى، ومنع التنافس الدنيوي وتجنب التدخلات البرانية في مسار إظهار المرجعيات المزيفة.

تحتضن حوزة النجف حاليًا جملة من الشخصيات البارزة التي تنشط في مجال الدرس وتتميز بأبحاثها العلمية الرصينة. وفي ظل جدية هؤلاء الأساتذة وتقواهم وشأن درسهم وعمق أبحاثهم واهتمام الطلاب بهم، تكاد تكون حوزة النجف على علم كامن بهوية المراجع القادمين.

فإذا ما توفي مرجع ما وانتقل إلى جوار ربه، ستبادر مجموعة عريضة ومؤثرة من الأساتذة والطلاب الأوفياء بتقاليد حوزة النجف، إلى تقديم شخصيات جديدة مع الالتزام بالأعراف وبظرائف الأمور.

أما النقطة الأخرى فهي عدم تدخل المؤسسات الحكومية أو الرسمية في مسار الإعلان عن المرجعيات الدينية في النجف الأشرف، ولو أرادت ذلك فهي لن تفلح في تحقيق شيء يذكر. فتقليد كسر الختم وتفادي توريث المرجعية ونظامها، وإرجاع مقلدي المرجع المتوفى إلى المراجع الآخرين، وكذلك إنهاء عمل أو نقل إدارة المراكز والمؤسسات التابعة للمرجع المتوفى إلى المراجع الأحياء تعد من السنن بالغة الأهمية في النجف الأشرف. فقد شهدنا حديثًا مراسم كسر ختم المرجع الراحل آية الله الحكيم بعد وفاته بأيام قليلة.

بعد هذا التمهيد لابد من القول بأن فقدان أحد كبار مراجع دين حوزة النجف ممن تميز بمدرسته الخاصة وكان من رموزها ومن رموز أسرة آل الحكيم، أي آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم، لا يعني مع كل ما يحمله من مرارة وخسارة، ومع ما تركه من حزن وألم عميقين وشعور بالفراق المشهود في حالات كبار علماء النجف، الانقطاع أو الغموض في مسار حوزة النجف؛ فهو وإن بات غائبا عنا، لكن نشاطه الممتد لعشرات السنين في تأليف الكتب وإعداد الطلاب وانتماءه الخاص بحوزة النجف الأشرف وما تركه من تراث وضاء، سيزيد من عزمها وإصرارها على التخطيط للمستقبل.

نعم؛ لا أحد ينكر وجود المشاكل وما يخطط له ويدبره الآخرون، لكن الواقع يقول بأن الظروف الحالية ليست أصعب لا من أيام صدام ولا من بدايات الاحتلال. كما إن الصعاب وإن كانت، فإن حوزة النجف بإمكانها أن تغير الظروف بالاتكال على الله تعالى، سيما ويتزعمها فقيه بليغ الشأن هو أحد أركان عالم التشيع، أي آية الله العظمى سماحة السيد السيستاني وهو الذي يتميز بشخصيته الحليمة، وباعتداله، وببعد نظره، وبصلابته، وبحكمته، قد لعب دورًا منقطع النظير في إعلاء كلمة حوزة النجف بعد المرحلة الصدامية.

يتذكر كل منا إن حوزة النجف سبقت وأن فقدت شخصيتين كان لهما ثقلهما ومكانتهما العلمية البارزة أي آية الله العظمى السيد محسن الحكيم ثم آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي، لكنها بقيت صامدة واستمرت في مسارها، كما إن تراثهما رحمهما الله، زاد من غزارة حوزة النجف فخرج منها كبار المرجعيات الحالية في النجف وقم.

واليوم تزخر حوزة النجف، فضلا عن المراجع الحاليين، بالعديد من الأساتذة المميزين، والشواهد تحكي لنا بأن الصف الأول من الأساتذة الآخرين من المؤهلين لتولي مسؤولية المرجعية، المعروفين بالعلم والفضل عند المجتهدين وطلبة حوزة النجف، ممن لم يتخذ خطوة للإعلان عن المرجعية التزامًا منهم بالتقاليد والأعراف، سيكونون محل الرجوع بشكل تدريجي وستطرح أسماؤهم وسيكون كل واحد منهم حيثما يستحق.

علمًا إن قضية المرجعية الشيعية العليا تتبع جملة من المتغيرات الأخرى مثل ثقل المراجع القادمين، وشبكة الطلاب، وإجماع رأي نخبوي، وإقبال الناس وغيرها من الأمور، لكن الأهم في الأمر هي مشيئة الله تعالى، فقد استقرت في القرن الأخير تارة في قم وتارة في النجف، كما وأحيانًا في كليهما. أما الأسباب والتقاليد الفاعلة في الاختيار والإقبال على المرجعية العليا، فهي موضوع آخر يجب تناوله في مقام وفي وقت آخر.

المستمع لحديث ولخطاب كبار شخصيات حوزة النجف الأشرف والمتتبع لكلامهم وسلوكهم وسيرتهم في هذه الأيام، سيجد أمرين لهما أهمية مضاعفة؛ الأول اعتقادهم بأن حوزة النجف تعود إلى الإمام العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وبأن الله تعالى يمن لطفه عليها ويرعاها أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام. أما الأمر الثاني فهو إيمانهم بأن حوزة النجف لا تجيد البقاء فقط، وإنما على علم ودراية بالسير في طريق المجد والعظمة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بقلم الدكتور أبو الفضل فاتح (خريج جامعة أكسفورد وباحث في الشؤون الثقافية والإعلامية)

ترجمه من الفارسية:سيف علي

 

[15: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني