من أخلاق الإمام زين العابدين
وكالة شفقنا
2021/03/26

كان من أخلاق زين العابدين(1)، وما أخلاقه إلا أخلاق أبيه الحسين، وما أخلاق الحسين إلا أخلاق أبيه عليّ، وما أخلاق عليّ إلا أخلاق ابن عمّه محمّد، وما أخلاق محمّد إلا أخلاق القرآن التي عبّر عنها الرسول بقوله: «إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(2)، والتي شهد الله بها لرسوله في محكم كتابه العزيز ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(3)، وكلّ واحد من أئمّة أهل البيت على خلق جدّه النّبيّ المختار صلى‌الله عليه وآله.

كان من أخلاق الإمام زين العابدين عليه السلام الإحسان لمن أساء إليه؛ فقد روي أنّه كان له ابن عمّ يؤذيه، فكان يأتيه الإمام ليلا، ويعطيه الدّنانير، وهو متستّر، فيقول له: لكن عليّ بن الحسين لا يصلني، لا جزاه الله خيرا، فيسمع الإمام ذلك ويصبر، فلمّا مات انقطعت عنه الدّنانير، فعلم أنّ الّذي كان يعطيه ويصله هو الإمام زين العابدين عليه السلام(4).

وكان هشام بن إسماعيل(5) واليا على المدينة من قبل عبد الملك بن مروان، وكان أيّام ولايته يتعمّد الإساءة إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، ولمّا حكم الوليد بعد والده عبد الملك عزل هشاما، وأمر أن يوقف في طريق عام، ويعرض للنّاس، كي يقتص منه كلّ من أساء إليه أيّام ولايته، فكان الذين يمرون به من الذين ظلمهم، وأساء إليهم يشتمونه، ويضربونه، ويطالبونه بردّ ظلامتهم، وكان أخوف ما يخاف من الإمام زين العابدين عليه السلام لكثرة ما أساء إليه.

ولكنّ الإمام عليه السلام جمع أهله وخاصّته، وأوصاهم أن لا يتعرض له أحد منهم بما يكره، وكان يمر به فيسلم عليه، ويلطف به، ويقول له: انظر، إلى ما أعجزك من مال تطالب به، فعندنا ما يسعدك فطب نفسا منّا ومن كلّ من يطيعنا(6). فقال هشام: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾(7).

وبعد مذبحة كربلاء ثار أهل المدينة على الأمويّين وطردهم منها، وأراد مروان بن الحكم أن يستودع أهله وأولاده، ويأمن عليهم عند من يحميهم من القتل، والتشريد، فلم يقبلهم أحد، فضمّهم الإمام زين العابدين إلى عياله، وحماهم بكنفه، وأحسن إليهم، ودافع عنهم، ولم يدع أحدا يصل إليهم بسوء (8).

والحكم والد مروان كان يؤذي الرّسول في مكّة، ويستهزيء به، ويخبر عنه المشركين، وقد عفا النّبيّ عنه فيمن عفا من الأمويّين يوم الفتح (9). وابنه مروان قاد الجيوش يوم الجمل (10) مع عائشة، وطلحة، والزّبير لحرب أمير المؤمنين عليّ، وعفا عنه بعد أن وقع أسيرا في قبضته، فتركه لينضم إلى معاوية يحارب عليّا في صفّين (11)، وبعد أن استتب الأمر لمعاوية، ونصّب مروان واليا على المدينة جعل مروان يؤذي الإمام الحسن، ويجرّعه الغيظ (12)، ثمّ كانت مجزرة الطّفّ، وظهرت مخازي الأمويّين في أبشع صورها.

وبعد هذا كلّه لا يصفح الإمام زين العابدين عن أسواء اميّة، ويتجاهلها فحسب، بل أحسن إليهم، وحمى لهم العيال والأطفال، وضمّهم إلى أهله وأولاده، ودفع عنهم السّوء والأذي، هذا بعد أن ذبح الأمويون أخاه الرّضيع(13)، وأوطأوا الخيل صدر أبيه وظهره(14)، وأسروا الإمام زين العابدين مع عمّاته مكبّلا بالحديد، وهو لما به من الأسقام والآلآم(15).

ويعجب كلّ من عرف هذه الحقيقة، ويتساءل في حيرة وذهول : كيف فعل الإمام زين العابدين هذا الفعل مع من وقف ذاك الموقف معه، ومع جدّه، وأبيه، وعمّه، واخوته، ونسائه؟! وهل هذا حلم وعقل، أو إنسانيّة ورحمة؟!.

والجواب : أنّ هذا سمو وترفع عن كلّ ما في هذه الحياة. سمو عن طبائع البشر، وانفعالات النّاس. وعمّا يشترك فيه أنا، وأنت، وغيرنا. أنّ هذا من صنع الإمامة، والعصمة لا من صنعي وصنعك، ولا من صنع الّذين يخطبون ويعظون.

لقد عفا محمّد عن أبي سفيان، وزوّجته هند، وعن وحشي وغيرهم، عفا عنهم، لأنّه مختار من الله لا من النّاس، وعفا عليّ عن مروان وابن العاصّ، لأنّه إمام بإرادة السّماء لا بإنتخاب أهل الأرض، وفعل زين العابدين ما فعل، لأنّه الإمام ابن الإمام أبي الأئمّة الأطهار القائمين بحجّة الله على جميع خلقه.

فلا بدع إذن أن يحسن الإمام زين العابدين لمن أساء إليه، ولا عجب أن يفعل الأمويون ما فعلوا، وإنّما العجب أن لا يحسن الإمام لمن أساء إليه، وأن لا يسيء الأمويون إلى من أحسن إليهم، وإلى النّاس أجمعين(16)، وهذا هو جواب الشّاعر الّذي قال(17):

وعليك خزي يا اميّة دائم *** يبقى كما في النّار دام بقاك

فلقد حملت من الآثام جهالة *** ما عنه ضاق لمن وعاك وعاك

هلّا صفحت عن الحسين ورهطه *** صفح الوصي أبيه عن آباك؟

وعففّت يوم الطّفّ عفّة جدّه ال *** مبعوث يوم الفتح عن طلقاك؟

أفهل يد سلبت إماءك مثلما *** سلبت كريمات الحسين يداك؟

أم هل برزن بفتح مكّة حسّرا *** كنسائه يوم الطّفوف نساك؟

 

اقتباس من كتاب (الحسين و بطلة كربلاء)، ص 83.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سمي زين العابدين لكثرة عبادته وهو الإمام الرّابع على مذهب الإماميّة.

انظر، الصّواعق المحرقة : ٢٠٠، تهذيب التّهذيب للعسقلاني : ٧ / ٣٠٦، شذرات الذّهب : ١ / ١٠٤. ولد الإمام زين العابدين عليه‌السلام بالمدينة الشّريفة يوم الخميس خامس شعبان سنة ثمان وثلاثين في أيّاما جدّه عليّ بن أبي طالب قبل وفاته بسنتين (انظر، أخبار الدّول : ١٠٩، مطالب السّؤول : ٢ / ٤١، تأريخ الأئمّة لابن أبي ثلج : ٤).

وكنيته المشهورة : أبو الحسن، وقيل : أبو محمّد، وقيل : أبو بكر (انظر، بحر الأنساب : ٥٢، صبح الأعش : ١ / ٤٥٢، الإتحاف بحبّ الأشراف : ٢٧٧، بتحقّيقنا).

وألقابه كثيرة : أشهرها زين العابدين، وسيّد العابدين، والزّكي، والأمين وذو الثّفثات (انظر، ذخائر العقبى : ١٥١، تأريخ الطّبري : ٦ / ٢٦٠، تذكرة الخواصّ : ١٥٦).

وصفته : أصفر قصير نحيف (انظر، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ١٨٠، بتحقيقنا).

توفّي عليّ زين العابدين عليه‌السلام في ثاني عشر المحرّم (انظر، مطالب السّؤول : ٧٩، تأريخ الملوك للقرماني : ١١١) سنة أربع وتسعين من الهجرة، وكان عمره إذ ذاك سبعا وخمسين سنة (انظر، المعارف لابن قتيبة : ٢١٥، مطالب السّؤول : ٧٩، الصّواعق المحرقة لابن حجر : ١٢٠).

وله خمسة عشر ولدا (انظر، الصّواعق المحرقة : ٢٠١، تهذيب التّهذيب : ٤ / ٨٦، النّجوم الزّاهرة : ١ / ٢٠٢). ما بين ذكر وأنثى، أحد عشر ذكرا، وأربع إناث، وهم : محمّد المكنّى بأبي جعفر الملقّب بالباقر، أمّه أمّ عبد الله بنت الحسن بن عليّ عمّ عليّ زين العابدين، وزيد، وعمر، أمّهما أمّ ولد، وعبد الله، والحسن والحسين أمّها أمّ ولد، والحسين الأصغر، وعبد الرّحمن، وسلمان أمّهم أمّ ولد. وعليّ وكان أصغر ولد عليّ بن الحسين، وخديجة، أمّهما أمّ ولد، وفاطمة، وعليّة، وأمّ كلثوم، أمّهن أمّ ولد فهولاء أولاده رضي الله عنهم أجمعين.

وفي بغية الطّالب : أن أولاد عليّ زين العابدين الذّكور عشرة فقط. والله أعلم (انظر، بغية الطّالب في ذكر أولاد عليّ بن أبي طالب، السّيّد محمّد بن طاهر بن حسين بن أبي الغيث الحسيني المعروف بابن بحر اليمني المتوفّى عام (١٠٨٦ ه‍). مخطوط، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٥٥، تأريخ أهل البيت : : ١٠٣ نقلا عن تأريخ ابن الخشّاب : ١٨٠ هامش رقم ٣٥، كشف الغمّة : ٢ / ٨١، تذكرة الخواصّ : ٣٤٢، الطّبقات الكبرى : ٥ / ٢١١).

(2) انظر، بداية المجتهد : ٢ / ٣٢١، السّنن الكبرى : ١٠ / ١٩٢، تحفة الأحوذي : ٥ / ٤٧٠، نظم درّر السّمطين : ٤٢، كنز العمّال : ١١ / ٤٢٠ ح ٣١٩٦٩، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٥ / ٢٠٩، كشف الخفاء : ١ / ٢١١ ح ٦٣٨، مكارم الأخلاق للطّبرسي : ٨، مكارم الأخلاق لابن أبي الدّنيا : ٦، مسند الشّهاب : ٢ / ١٩٢ ح ١١٦٤، تكملة حاشية ردّ المحتار : ١ / ٢٣٤.

(3) القران الكريم: سورة القلم (68)، الآية: 4، الصفحة: 564.

(4) انظر، تأريخ مختصر دمشق : ١٧ / ٢٤٠ و ٢٣٥، المناقب لابن شهر آشوب : ٤ / ١٥٧ و ١٦٢، سير أعلام النّبلاء : ٤ / ٣٩٧، الطّبقات الكبرى : ٢١٤، كشف الغمّة : ٢ / ٧٥.

(5) انظر، تهذيب التّهذيب : ٧ / ٣٠٦، تذكرة الحفّاظ : ١ / ٧١، شذرات الذّهب : ١ / ١٠٤.

(6) انظر، شرح الأخبار : ٣ / ٢٦٠، تذكرة الخواصّ : ٣٢٨، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٠، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣١٧، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٥٢٦، مختصر تأريخ دمشق : ١٧ / ٢٤، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : ٥ / ٥٣٣، الطّبقات الكبرى : ٥ / ٢٢٠.

(7) القران الكريم: سورة الأنعام (6)، الآية: 124، الصفحة: 143.

(8) انظر، صفوة الصّفوة : ٢ / ٥٤، تهذيب الكمال : ٣ / ٤٥٤، كانت وقعة الحرّة سنة (٦٣ ه‍).

(9) انظر، النّزاع والتّخاصم فيما بين بني أميّة وبني هاشم : ٢٣، السّيرة النّبويّة : ٢ / ٨٢، طبعة ٢ مصر، شرح النّهج : ١ / ٦٦ و ٢٣٣، مستدرك الحاكم : ٣ / ٣٣٧ و : ٣٤٥، الكامل لابن الأثير : ٣ / ٦٥ و ٧٣، الطّبريّ : ٥ / ٨٠ و ٩٤، مسند أحمد : ٥ / ١٥٥ و ١٦٦، و : ٦ / ٤٥٧، كنز العمّال : ٦ / ١٧٠، العقد الفريد : ٣ / ٩١، المعارف لابن قتيبة : ٨٤، تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٦٨، الإصابة : ٣ / ٦١٩، سنن البيهقيّ : ٨ / ٦١، الطّبقات لابن سعد : ٥ / ٨، أنساب الأشراف : ٥ / ٢٨، كنز العمّال : ١١ / ٦٨٥، البداية والنّهاية : ٦ / ٢١٤، الإمامة والسّياسة : ١ / ٣٤ ـ ٣٨.

(10) ذكر قصّة الجمل، وكلاب الحوأب، الطّبري في تأريخه : ٣ / ٤٧٥، واسم جمل أمّ المؤمنين يسمّى «عسكرا» وكان عظيم الخلق شديدا، فلمّا رأته أعجبها، وأنشأ الجمّال يحدّثها بقوّته، وشدّته، ويقول في أثناء كلامه «عسكر» فلمّا سمعت هذه اللّفظة استرجعت، وقالت : ردّوه لا حاجة لي فيه، وذكرت حين سئلت أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر لها هذا الاسم، ونهاها عن ركوبه وأمرت أن يطلب لها غيره، فلم يوجد لها ما يشبهه فغيّر لها بجلال غير جلاله، وقيل لها : قد أصبنا لك أعظم منه خلقا، وأشدّ منه قوّة، واتيت به فرضيت!

انظر، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٦ / ٢٢٤، وفي : ٦ / ٢٢٧ (أنّ عائشة ركبت يوم الحرب الجمل المسمّى عسكرا في هودج قد البس الرّفوف، ثمّ البس جلود النّمر، ثمّ البس فوق ذلك دروع الحديد)، في تأريخ ابن أعثم : ١٧٦ مثله، وزاد الطّبريّ في تأريخه : ٥ / ٢١٢، وابن الأثير : ٣ / ٩٧ أنّ ضبّة، والأزد أطافت بعائشة يوم الجمل. وإذا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل يفتّونه ـ يكسرونه بأصابعهم ـ ويشمّونه ويقولون : بعر جمل امّنا ريحه ريح المسك …

(11) انظر، الاسيعاب : ٦٤ ـ ٦٧، وقعة صفّين : ٤٦٢ طبعة ٢ سنة ١٣٨٢ ه‍، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ١ / ٢٦١ و : ٢ / ٣٠١، تهذيب ابن عساكر : ٣ / ٢٢٠، تأريخ الطّبريّ : ٦ / ٨٠، و : ٤ / ٢٠، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٤١، تأريخ دمشق : ٣ / ٢٢٢، نهاية الأرب للقلقشندي : ٣٧١، مروج الذّهب بهامش ابن الأثير : ٦ / ٩٣، الجمهرة : ٢٢٨ و ٣٩١، اسد الغابة : ٣ / ٣٤٠، و : ١ / ١٨٠، ابن الأثير : ٣ / ١٥٣.

(12) انظر، المقاتل : ٤٣، أنساب الأشراف : ١ / ٤٠٤، شرح النّهج لابن أبي الحديد : ٤ / ١١ و ١٧ : … تأريخ الخلفاء : ١٣٨، الإصابة الصّواعق المحرقة : ٨١، مروج الذّهب بهامش الكامل : ٢ / ٣٥٣، ٦ / ٥٥، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر : ٤ / ٢٢٦، وأسماء المغتالين من الأشراف : ٤٤، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٢٥، ابن شحنة بهامش ابن الأثير : ١١ / ١٣٢.

(13) انظر، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٤٢، المعارف : ٢١٣، أنساب الأشراف : ٣ / ٣٦٢، مقاتل الطّالبيين : ٩٤، الأغاني : ١٤ / ١٦٣، المسعودي في ينابيعه : ٣ / ٧٧، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٣٢.

(14) انظر، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣١٤، والكامل في التّأريخ : ٣ / ٢٨٤.

(15) تقدّمت تخريجاته. وانظر، مقتل الخوارزمي : ٢ / ٦١.

(16) انظر، صحيح مسلم : ٣ / ١٤٠٨ ح ٨٦، سنن أبي داود : ٣ / ١٦٣ ح ٣٠١٢. فهذا أبو سفيان أشدّ عداوة لرّسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في محاربته، وغزواته تشهد بذلك، وإنّما أسلم على يد العبّاس الّذي منع النّاس من قتله، وجاء به رديفا، شرّفه النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكرّمه فكان جزاء ذلك من بنيه أن حاربوا عليّا عليه‌السلام، وسمّوا الحسن عليه‌السلام، وقتلوا الحسين عليه‌السلام، وحملوا النّساء على الأقتاب حواسرا، وقيّدوا بالحديد زين العابدين عليه‌السلام الّذي لمّا أوقفوه على مدرج جامع دمشق في محلّ عرض السّبايا.

(17) انظر، الدّر النّضيد : ٢٤٠، الغدير : ٦ / ٥٨١، القصيدة للشّيخ عليّ الشّفهيني الحلّي.

بقلم الشيخ محمد جواد مغنية

[131: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني