الإقصاء السياسي تجاه الشيعة في العراق في العهد العثماني
وكالة شفقنا
2021/03/24

عانى العراقيون منذ أزمان بعيدة من سياسة الاقصاء والتهميش وبمختلف ألوانه ووسائله، ومن أعنف موجاتها ما جرى على ايدي المحتلين العثمانيين الذين استباحوا البلاد العراقية مدة قاربت أربعة قرون 1534-1918، ومارسوا سياسة الاقصاء تجاه العراقيين ورسخوا جذورها وبنطاق واسع وكانت حصة شيعة العراق هي الاكبر من هذه الممارسة المقيتة.

فقد مارست الدولة العثمانية سياسة الاقصاء والتهميش ازاء ابناء العراق منذ الأيام الأولى لاحتلالها العراق في 31 كانون الأول 1534 واستمرت بهذه السياسة حتى 30 تشرين الأول 1918م اثر هزيمتها أمام قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى 1914-1918 م.

نال شيعة العراق العرب المسلمون الحظ الأوفر من هذه السياسة الخرقاء، فانها لم تعترف بالمذهب الجعفري على العكس من المذهبين السنيين (الحنفي والشافعی) اللذين كان لمفتييهما مقعدان دائمان في إدارة ولاية بغداد.

بلغ الاقصاء تجاه الشيعة في العراق منع ابناء الشيعة من حق التعليم والمشاركة في الادارة العامة، وقد اكد ذلك عبد الرزاق الهلالي قائلا (كان الولاة في مختلف الأدوار تظاهرا منهم بالإخلاص للدين و رجاله يقومون بتأسيس المدارس ويوقفون لها الأوقاف الخيرية، مستثنين من ذلك أبناء المذهب الجعفري الذي يشكل ابناؤه جانبا كبيرا من البلاد، مما اضطرهم إلى إنشاء المدارس الخاصة بهم بعيدا عن تشجيع الولاة أو مساعدتهم المالية معتمدين في ذلك على الحقوق الشرعية وما يرد من أموال التركات والأوقاف والتبرعات والهبات التي كان يقدمها المحسنون لهذه المدارس).

وتضيف المس بيل إلى ذلك بالقول (لقد أوضحنا ايضاحا كافيا خلال وضعنا الأساليب الادارة العثمانية، أن الأتراك لم يبدوا اهتماما بالسكان الشيعة مع أن جميع سكان الريف تقريبا وأكثرية سكان المدن من مصب شط العرب الى فوق بغداد بقليل هم من الشيعة، غير أن العنصر السني فضلا عن الموازرة التي كانت تبديها له الحكومة السنية، كان يتمتع بمنزلة اجتماعية لا تتناسب مع عدد نفوسه).

وذكر الباحث في شؤون الاقليات في الدولة العثمانية لورانت واني شابري (في الامبراطورية العثمانية قبعت الطائفة الشيعية في العراق مستبعدة عن أجهزة الدولة، وقد احتفظ العثمانيون للسنة بكامل المراكز الوظيفية وفتحوا امامهم اوسع الأبواب للوصول الى التربية الحديثة).

وبسبب سياسة الإقصاء والعزل الطائفي (Political Isolation) أصبح الشيعة في العراق دون (اهل الذمة) الذين شملهم نظام المال العثماني بامتيازات كثيرة في حين اصرت الدولة العثمانية على عدم الاعتراف بالمذهب الجعفري والتعامل بقسوة مع أي تحرك شيعي.

لم تسلم مدن الشيعة المقدسة من هذه السياسة ففي عام 1825 م حاصر والي بغداد المملوكي داوود باشا (1817-1831 م) مدينة كربلاء حصارا شديدا استمر اربع سنوات حتى تمكن من اجتياحها في 1829 م وشاع فيها النهب والسلب والقتل في ابنائها.

وتعرضت مدينة كربلاء مرة أخرى للحصار في 1835 م على يد والي بغداد على رضا اللاز (1831-1842م) ولم يفك الحصار عنها إلا بعد أن دفع له أهالي كربلاء (70000) قران عندها رضي وتراجع عن استباحتها.

وكانت أشد الهجمات التي تعرضت لها مدينة كربلاء في 1842 م في عهد والي بغداد محمد نجيب 1842-1850 م الذي قاد جيشا كبيرا لحصار مدينة كربلاء واستمر (23) يوما وبعد معركة دموية دخلتها القوات العثمانية، مما دفع الناس الى الالتجاء بحضرة ابي الفضل العباس بن الامام علي (عليه السلام) ولم تكترث القوات العثمانية لقداسة المكان بل دخلته وارتكبت مجزرة عظيمة بحق المئات من أبناء كربلاء.

وإمعانا بالتشفي بأهل كربلاء واستهانة بالمقدسات اقتحم الوالي محمد نجيب حرم أبي الفضل بجواده ثم أباح لجنده المدينة يوما كاملا، فنهبت بيوتها وارتكبت ابشع الموبقات بحق اهلها، وقدر عدد القتلى من ابناء المدينة بـ (4000) شیعي.

ونكاية بالشيعة بعد مجزرة كربلاء عين الوالی محمد نجيب سدنة من السنة في مراقد الائمة في النجف وكربلاء، وفي عهد الوالي نامق باشا (1850-1851م) تعرضت النجف الى هجوم قاده الشاعر المعروف عبد الباقي العمري والذي تمكن من دخول المدينة بعد أن هدد بقصفها بالمدفعية.

امتدت سياسة الاقصاء تجاه شيعة العراق حتى الى شعائرهم حيث اضطر الشيعة لا سيما في حكم المماليك الى اقامتها في السراديب سرا ولكي لا يسمع المارة صوت قراءة التعزية الحسينية يجلس صاحب الدار امرأة تدير الرحى قرب باب الدار.

وفي عام (1869 م) أيام الوالي مدحت باشا (1869-1872 م) وبتحريض من احد علماء بغداد الوهابي احمد شاكر الألوسي صدر منع اقامة الشعائر الحسينية وهدد الوالي بمعاقبة كل من يقيم مجلسا للعزاء الحسیني.

ولم تسلم نفائس خزينة مرقد الامام علي (عليه السلام) من بطش العثمانيين فان مدحت باشا في عام 1870 م اقترح بيع نفائس خزينة الامام علي (عليه السلام) من اجل انشاء سكة حديد تمتد من خانقين الى بغداد.

وفي عام 1907 م رفع الشيخ احمد شاكر الألوسي تقريره الى السلطات العثمانية في اسطنبول مليئة بالطعون على الشيعة في العراق يطلب فيه منع اقامة الشعائر الحسينية لأنها تثير البلبلة بين الناس.

كانت الدولة العثمانية لا تحبذ دخول ابناء الشيعة الى المدارس الرسمية ومن اجل تحقيق ذلك الغرض جعلت التعاليم الدينية في المدارس منحصرة بالمذهب السني كل ذلك لأجل أن لا يدخل ابناء الشيعة بعد ذلك في الوظائف الحكومية.

قال كامل الجادرجي في مذكراته (كانت الطائفة الشيعية في العراق تعد في زمن السلطان عبد الحميد وبالحقيقة في زمن الدولة العثمانية اقلية تنظر اليها الدولة بعين العداء، فلم تفسح لها مجالات التقدم في أية ناحية من نواحي الحياة، ومن الأمثلة البارزة انها كانت لا تقبل لها تلميذا في المدرسة الحربية ولا يقبل منها فرد في وظائف الدولة الا ما ندر وعند الضرورة القصوى، وحتى في مدارس الدولة الاعدادية كانت تضع العراقيل في طريق دخول ابناء الطائفة الشيعية، فأدى ذلك بطبيعة الحال الى انعزالها لان الدولة كانت لا تعتبر هذه الطائفة جزءا منها).

لذا عمدت الدولة العثمانية الى اقصاء الشيعة عن الشؤون العامة وعن الحكم خاصة، فلم يشغل شیعی واحد منصب والٍ لإحدى الولايات في العراق أو قائم مقام أو مدير ناحية، كما أنهم لم يمثلوا في مجلس ادارة الولايات سواء في بغداد او البصرة او الموصل مع ان مقاعد أعضاء مجلس ادارة الولاية كانت تصل الى اربعة مقاعد في بعض الأحيان.

هذا وأقصت الدولة العثمانية الشيعة العرب في العراق وعزلتهم حتى عن التمثيل النيابي (Parliamentary Represetation) (مجلس المبعوثان العثماني) حيث كانت تعين نوابا سنة عن المدن الشيعية فيما اعطت الدولة العثمانية لليهود والمسيح في العراق حق اختيار او تعيين نوابهم في مجلس المبعوثان، وعلى الرغم من اعادة العمل بدستور 1876م في عام 1908م والذي اعتبر ثورة ديمقراطية شاملة للحرية والمساواة بين مواطني الدولة العثمانية فقد أقصى الشيعة من حق التمثيل عن مدنهم فلم يمثل الشيعة في مجلس المبعوثان العثماني في دوراته الخمسة الا نائب واحد من كربلاء في الدورة الثالثة عام 1908م وهو عبد المهدي الحافظ، أما في باقي الدورات وباقي المناطق الشيعية فكانت الحكومة ترشح نوابا غرباء عن تلك المناطق من اهل السنة، ومما يؤسف عليه أن هذه الظاهرة المقيتة استمرت في العراق حتى عام 2003.

صلاح هادي عبادة

[115: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني