مؤتمر النجف 1156 هـ/1743 م.. الملتقى التاريخي الأول لعلماء الشيعة والسنة (1)
وكالة شفقنا
2021/03/24

تميز العراق بأنه كان موئلاً للقضايا الفكرية والعقائدية المتعددة، ومنها قضية الخلاف بين الشيعة والسنة؛ إذ إن موقع العراق الجغرافي الوسيط في العالم الإسلامي ، والوقائع التي حدثت فيه منذ خلافة الامام علي بن أبي طالب (ع) ، كان له أبعد الاثر في ظهور الافكار والتيارات الدينية وما جرى لها فيما بعد من تأصيل، وخاصة ما تعلق منها بالانقسام المذهبي واتجاهه نحو الطائفية.

لقد ساهمت عوامل عديدة أخرى في زيادة ذلك الانقسام كالسلطة السياسية الحاكمة في العهدين الاموي والعباسي، والتي حاولت إشغال المجتمع من خلال تبني ودعم اتجاه معين ضد الاتجاه الآخر. والهدف من ذلك كله توجيه الاختلافات في الآراء والمواقف من قضية الخلافة والامامة نحو المزيد من الانقسام بين أتباع الفريقين. ولا يخفى هنا عوامل التعصب من قبل بعض العلماء والدعاة، والجهل الذي كان يدفع بالعامة إلى الفعل ورد الفعل ضد بعضهم البعض كل وفق مذهبه وطائفته. أضف إلى ذلك دخول العنصر الاجنبي كعامل مساعد في تعميق الخلافات والصراعات الطائفية منذ القرن الرابع الهجري، فكان الديلم إلى جانب الشيعة والاتراك إلى جانب السنة. وأصبح الامراء والقادة من الفريقين يعملون من خلال ذلك الصراع على تقاسم النفوذ والسلطة على المناطق، والعوام من الناس هم وقود الفتنة والاقتتال الطائفي. فمثلاً كانت بغداد بين الفينة والاخرى تشهد فتن طائفية بين الشيعة والسنة يذهب ضحيتها الكثير من السكان.

ولم يشذ ذلك الامر في العصور الحديثة، خاصة وأن قضية الخلاف بين الشيعة والسنة اتخذت طابعا سياسيا وعسكريا من خلال بروز قوتين كبيرتين على تخوم العراق وهما الدولة الصفوية والدولة العثمانية، واللتان تبنتا نهجا متشددا في العلاقة بينهما، كان أحد أبرز دوافعه قضية الخلاف الطائفي. فمنذ مطلع القرن السادس عشر أصبح العراق ساحة تنافس وصراع بين الصفويين الذين تبنوا قضية الدفاع عن الشيعة والتشيع (وفق المذهب الاثني عشري)، والعثمانيين الذين كانوا يعدون أنفسهم حماة الدين والعالم الاسلامي السني (وفق المذهب الحنفي). واستمر ذلك لأكثر من قرنين من الزمان ، كان فيها العراق بمدنه ومناطقه من أهم ساحات المواجهة بين الطرفين ، الامر الذي ترك آثاراً سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية كبيرة. ومؤتمر النجف المراد تناوله في هذا البحث كان جزءاً من تداعيات ذلك الصراع، والذي حاول فيها (نادرشاه) خليفة الصفويين في حكم إيران أن يضع حداً لها من خلال جمع علماء الفريقين للتباحث والوصول إلى اتفاق.

1- الصراع الصفوي العثماني ودوره في تعميق الطائفية

لقد فرضت طبيعة النشأة والتكوين لكلتا الدولتين إلى تبني الشعار الديني كأساس للشرعية والتوسع. فإذا كان العثمانيون قد تبنوا في بادئ الامر شعار الجهاد ضد أوربا وفق قاعدة (دار الاسلام ودار الكفر)، والذي استمر طيلة القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين ، فإن ظهور الدولة الصفوية في الشرق وتوجهاتها التوسعية نحو مناطق شرق الاناضول والعراق كان له الاثر البارز في التحول السياسي والعسكري للعثمانيين من الغرب إلى الشرق، مع تغيير طارئ للمنطلقات الدينية العثمانية بحيث عدَ الصفويين أشد خطراً من الاوربيين المدافعين عن مناطقهم. فلقد كانت الدعاية الصفوية في عهد الشاه إسماعيل الصفوي (1501-1524م) تعمل على قدم وساق في المناطق المتاخمة من خلال الدعاة المرسلين ضد الدولة العثمانية وتأييد التوجهات الصفوبة. وهذا ما دفع السلطان العثماني سليم الأول (1512-1520) إلى استحصال الفتاوى من قبل العلماء بضرورة قتال هؤلاء ومؤيديهم أينما وجدوا. فتم إبادة أربعين ألفاً من الشيعة في الاناضول في وقت واحد من قبل الجيش العثماني. وكرد على مذابح السلطان سليم قام الشاه إسماعيل قام بارتكاب المذابح الجماعية ضد السنَة في بلاده أيضاً. فتحول الصراع السياسي بين الدولتين إلى صراع ذي صبغة طائفية لم ينتهي بنهاية معينة، وإنما امتد للقرون التالية.

ولم يكن العراق بعيداً عن توجهات الدولتين التوسعية نظراً لموقعه الجغرافي الفاصل بينهما، ووجود العتبات الدينية المقدسة، ورغبة الطرفين في السيطرة عليه. فأصبح ساحة للصراع السياسي والعسكري من خلال الحروب وحصار المدن والمناطق وما كان يتخللها من عقد اتفاقيات ومعاهدات تركزت بالدرجة الاساس حول ترسيم الحدود، وتبادل السفراء، وزيارة الاماكن المقدسة في العراق. وقد ورثت الدول والحكومات التي أعقبت حكم الصفويين في إيران الصراعات والحروب مع العثمانيين، خاصة في عهد حكم نادرشاه (1732-1747م).

2- نادرشاه وتوجهاته التوسعية في العراق

برز دور نادرخان ـ الذي سمي فيما بعد بـ نادر شاه ـ على مسرح الاحداث في إيران بعد نجاحه في طرد الافغان عام 1729م. ونتيجة لضعف الدولة الصفوية بدأ نادر يمهد لنفسه الوصول إلى العرش، والذي تم بشكل رسمي عام 1732م. وعمل منذ ذلك الوقت على تكوين إمبراطورية واسعة لنفسه ولاحفاده عن طريق قيادة الحملات العسكرية نحو المناطق المختلفة في إيران، وأفغانستان، والهند، والخليج، والعراق، وتركستان، وداغستان، ومناطق بلاد ما وراء النهر.

فبالنسبة للعراق بدأ نادر شاه طموحاته التوسعية نحوه منذ عام 1733م ، عندما قام الاخير بحصار بغداد طيلة سبعة أشهر حدث خلالها دمار كبير للمدينة، واضطر أهلها آنذاك إلى أكل الميتة من الحيوانات السائبة. وتكررت المحاولة عام 1734م، والتي انتهت بالاتفاق على الاعتراف المتبادل بالحدود المرسومة منذ عام 1639م، وإطلاق سراح الاسرى من الطرفين، وتسهيل زيارة الايرانيين للعتبات المقدسة في العراق.

تجددت محاولات نادرشاه للسيطرة على مدن العراق عام 1743م عندما تقدمت قواته عبر ثالث محاور باتجاه بغداد، والبصرة، والموصل. والمحور الاخير كانت بقيادة نادرشاه نفسه للسيطرة على كركوك وأربيل والموصل، لكنه فشل في السيطرة على الموصل بالرغم من حصار المدينة طيلة واحد وأربعون يوماً. فعاد من هناك إلى بغداد وطلب من الوالي أحمد باشا عقد الصلح بال قيد أو شرط، فتم الاتفاق على ذلك شريطة عودة نادرشاه إلى بلاده وعرض القضية على الدولة العثمانية.

وقرر نادرشاه الذهاب إلى النجف وكربلاء لزيارة العتبات المقدسة، والاطلاع على البناء الذي كان قد أمر به سابقاً، ولا سيما تذهيب قبة مرقد الامام علي بن أبي طالب. ودعا هناك إلى عقد مؤتمر للتقارب بين علماء الشيعة والسنة، وأرسل إلى والي بغداد طالباً منه من يمثله في ذلك المؤتمر.

والسؤال هنا: لماذا اهتم نادرشاه بقضية الخلاف بين الشيعة والسنة؟ ولماذا دعا إلى هذا المؤتمر في مدينة النجف بعد الحروب والصراعات التي خاضها في العراق؟

إن قضية الخلاف بين الشيعة والسنَة ارتبطت بتوجهات نادرشاه منذ اعتلائه للعرش وتظاهره بالقبول بها شريطة موافقة الجميع على التخلي عما جاء به الصفويون، وخاصةً المؤسس الشاه إسماعيل الصفوي من التعصب الطائفي. وأعلن بأنه سوف يعمل على توحيد المسلمين بمذاهبهم المختلفة مع إضافة المذهب الجعفري كمذهب خامس للمذاهب السنية الاربعة (الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية).

ويعلل البعض ذلك إلى أن نادرشاه أراد أن ينسى الايرانيون الاسرة الصفوية وما خلقته من العداوة والبغضاء بين الاثنيات المتنوعة في إيران، والتي كانت سبباً للكثير من الثورات والتمردات في المناطق المختلفة. فيما يرى البعض الآخر إلى أن نادرشاه كان يحلم بزعامة العالم الاسلامي بعد القضاء على الدولة العثمانية، وأنه يستطيع من خلال الدعوة للتقارب بين المذاهب في بناء دولة مترامية الأطراف يجمع فيها الجميع الشيعة والسنة معاً. والحقيقة أنَ ما ترسخَ في الاذهان من عقائد وأفكار جيلاً بعد جيل لا يمكن محوها من الناس بإرادة حاكم ما، أو جهة معينة، أو مؤتمر قصير يجتمع فيها العلماء والمفكرون.

ويبدو أن نادرشاه بحكم نشأته في قبيلة سنية وبروزه كقائد عسكري في جيوش الصفويين قبل أن يتبوأ العرش، لم يكن ميالاً إلى إحدى الطائفتين، وأدرك بحنكته السياسية والعسكرية أن الدولة والجيش والمجتمع الذي سيحكمه يضم أعراقاً وطوائف متنوعة لا يستطيع فيها الانحياز إلى طرف ما ضد طرف آخر. وأنه من الضروري توليفها خدمة لاهدافه وطموحاته في بناء دولة كبيرة وقوية. وليس أدل على ذلك من جيشه الذي دخل به العراق عام 1743م كان يضم جنوداً من أصول وأعراق متعددة مثل: (الفرس والاذربيجانيين، والجورجيين، والتركستانيين، والافغان، والهنود، والعرب، وغيرهم).

واللافت للنظر أن نادرشاه أراد فرض توجهاته في تثبيت المذهب الجعفري كمذهب خامس ليس على رعايا دولته فحسب، وإنما على الدولة العثمانية أيضاً من خلال مطالبته إيَاها بالاعتراف بذلك، والسماح لهذا المذهب أن يكون له ركن في الكعبة أثناء موسم الحج كما للمذاهب الاخرى، مع تعيين أمير إيراني للحج يكون مركزه مساوياً لمركز أميري الحج السوري والمصري. غير أن الدولة العثمانية كانت ترفض ذلك باستمرار كجزء من نهجها الطائفي في عدم الاعتراف بالحقوق الدينية للطائفة الشيعية. فاتخذ نادرشاه ذلك ذريعة لشن الحملات المتكررة على مناطق الدولة العثمانية، ومنها العراق دون أن يتمكن من تحقيق ذلك بالوسائل العسكرية. ومن هنا جاءت دعوته لعقد مؤتمر للتقريب بين الطائفتين في النجف.

بقلم ياسين شهاب شكري

[97: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني