من وراء صناعة "الكراهية" بين سكان الاقليم وباقي مناطق العراق؟
متابعات
2020/03/06

في اسبوع واحد حدثت قضيتان ملفتتان للنظر في اقليم كردستان، شغلت مساحة ليست قليلة في مواقع "التواصل الاجتماعي" ووسائل الاعلام ايضا، الاولى المهرجان الفني باربيل وكيف هتف احد الحضور "يحيا العراق"، بعد ان  تفاعل مع نص مسرحي فرده احد الحضور من ابناء الاقليم بقسوة، داعيا اياه ان يهتف باسم الاقليم فقط، والحدث الثاني ما كان بملعب "حريري" حيث تم الهجوم من قبل جمهور  الاقليم  على حكم المباراة، وما رافق ذلك من هتافات وجمل بالكراهية للعرب... مثل هذه "الاحداث" خلفت ردود فعل، حيث انبرت عدد من الاقلام، التعريض بالاكراد و "بمسعود"، وكيف انهم كانوا سببا بفشل العملية السياسية بالعراق، وان مشكلتهم ازلية من قرن تقريبا، وقد تخللتها دماء ومعارك وتداعيات كثيرة، وختموا قولهم ان "هؤلاء لا يصلح معهم اي تفاهم".

اننا عندما نزور اربيل او السليمانية لا نتعرض لمثل هذه الكراهية، لدى الاوساط العامة ، حيث يقطن الالاف من العرب، في محافظات الاقليم ويعيشون دون ان يشعروا بالغربة، لا في الاجراءات العامة ولا في الاسواق، وليس هنالك من يحاول استغفالهم في مال او سواه، على العكس تجد حسن التعامل والصدق، انما السؤال: من وراء هذه الروح العدائية و"الكراهية" للعرب؟..

الجواب ان ذلك ياتي في ثقافة السياسيين لانهم يرون في "التعايش" بين القوميات مضرة لهم، حيث اجهدوا انفسهم بان لايتعلم "الكوردي" اللغة العربية، الى درجة ان جيل "التسعينيات" فما فوق" لايحفظ كلمة عربية واحدة..

في مرة "عام 2012" زار وفد من الكتاب والمحللين السياسيين محافظة السليمانية بدعوى من الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان د.برهم صالح هو من رافق الوفد، حيث دار  بنا اغلب مناطق المحافظة ، والتقينا الاغلب من قيادات الاتحاد، فيما  اقاموا لنا وليمة طعام عن الحدود العراقية الايرانية وحظينا برعاية واهتمام كبير من لدن الجميع، ومازال معنا  د.برهم صالح ، حتى في العودة بذات الطائرة، دون ادنى اجواء رسمية.

لم يكن في برنامج الوفد زيارة اربيل واللقاء بالسيد مسعود برزاني، لكن وفيما كان د.برهم صالح الى جواري يجلس جاء اتصال من المرحوم مام جلال، الذي سأل  يومها عن الوفد فيما الح على د.برهم ان يذهب الوفد الى زيارة اربيل واللقاء بقيادات الحزب الديمقراطي والسيد "مسعود برزاني" وكان القلق واضحاَ على د.برهم لكنه اضطر الى ذلك، ولم يكن احد من اعضاء الوفد يتوقع هذا القلق واسبابه، المهم وصلنا الى اربيل وكان عددنا "40" شخصاً ومعنا د.برهم صالح واسكنونا بأحد الفنادق ، ثم دعينا الى وليمة طعام في غرفة تجارة اربيل، وحضر بعض قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد، ومنهم النائب طه شوان ، وعدنان المفتي ولم يكن د.برهم معنا، وفيما العشاء جاهز، نهض احد قادة الحزب الديمقراطي، وقد تجاوز عمره الـ"60" عاماً، وافتتح حديثه "انتم العرب غير مرحب بكم في كوردستان" وراح يستطيل في كلام جميعه مدعاة "للكراهية" مما حفز احد الشباب من ذات الحزب ان ينفعل ويزيد على ما قاله من سبقه بالكثير، دون ان يسكتهم احد بما في ذلك النائب طه شوان، ولاشك ان هذا الموقف ازعجنا جداً ، وامتنع اغلبنا حتى عن تناول العشاء.

في اليوم الثاني كان للوفد لقاء مع السيد مسعود برزاني، غاب عنه البعض منا خشية ان نتعرض لمشكلة اكبر خاصة وان د.برهم قال "ساعتان من الحوار مع السيد مسعود كي يتقبل اللقاء بالوفد".

يومها زرنا الاسواق، وجلسنا في مقهى عام وجلساؤه معظمهم من كبار السن، ومن الذين يحسنون اللغة العربية، ولديهم ذاكرة ملأى بالاحداث الجميلة مع اخوة لهم من العرب، واحتفوا بنا حيث تعرفوا علينا من خلال الاعلام الذي غطى زيارتنا الى الاقليم ..هؤلاء من جلساء المقهى انتقدوا "مسعود" كثيراً وتحدثوا عن قسوة حزبه وازلامه كثيراً..

ما نريد ان نقوله ان الاحزاب السياسية في الاقليم ، وراء زرع "الكراهية" واثارة " العرقية" لانهم يرون في هذا سبباً لوجودهم وسطوتهم لذا فان "هؤلاء" الذين يثيرون الشغب او يطلقون هتافات "التعصب" هم مكلفون بواجب لاغير.

ان الذي يطالع تاريخ الاكراد وعلاقتهم باخوتهم العرب، سيجدون علاقة مبينة على روح المودة والتآخي والتاريخ المشترك، ولهم مساهمات كثيرة في الثقافة العربية والاسلامية وكذلك في الدفاع عن سيادة الامة، ومن يتذكر الى حد قريب ان ليس هنالك من منطقة في العراق من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه الا وفيه "حي للاكراد" .

هؤلاء يسكنون هذه الاحياء منذ ايام الدولة العباسية وقبلها، وكانوا "الحراس" الامناء على معظم القادة العرب.

بعض المؤرخين يعتقدون ان "الكراهية" هذه جلبتها اسرة "ال بارزان" التي وردت الى العراق من الدول المجاورة، وسكنت قرب الزاب الكبير في اواخر الدولة العثمانية، وفرضت سطوتها على العشائر الكردية لاحقاً ودخلوا في حروب مع العثمانيين ومع الانكليز ومع العهد الملكي والجمهوري حتى يومنا هذا .

وبالقدر الذي يعاني العرب من هذه "السطوة" لهذه الاسرة، يعاني الشعب الكوردي من تسلطهم على المال والسلاح والحكم ، ويعتقد المؤرخون ان زوال هذه "الكراهية" ليس بالبعيد فالاجيال "الجديدة" لهذه الاسرة لديهم ثقافة معاصرة، وزوالها بزوال "الشيوخ" وان مناطق "سطوتهم " محصورة في جزء من مناطق الاقليم وبدأت بالانحسار شيئاً فشيئاً .

لاشك ان جهات خارجية حاولت وتحاول من حث قادة الاقليم الى المزيد من "الجفوة" مع العرب "العراقيين" ، والترويج الى "الانفصال" وخاصة امريكا واسرائيل ، وحتى دول الخليج فيما يعلم الجميع ان هذا "المشروع" مجرد "نزعة" لاغير ، لانه محكم بثوابت الموقع الجغرافي، كونه "حبيساً" ودون اطلاله بحرية، وبـ"حساسية" دول الجوار حيث ان هنالك اتفاق شبه تام بين ايران وتركيا على العمل في عدم انشاء "مشروع دولة" في الاقليم بما في ذلك من تداعيات ومخاطر على بلدانهم.

ان "المنطق" الحقيقي يقول ان مشتركات الاكراد في الاقليم مع بقية مناطق العراق يفوق اي مشترك آخر، سواء في البعد الوطني و الديني والاجتماعي والاقتصادي وان الخيارات الاخرى لاتصب بمصلحة الجميع.

وان ما حدث في ملعب الحريري يحدث في معظم ملاعب العالم، وحتى ما حدث في المهرجان الفني، لكن ان نرفع من منسوب الخلاف بين القوميات في بلدنا عبر اقلامنا وخطابنا يخدم المخططات الخارجية وطبقة السياسيين. في ذات الوقت علينا ان لا نرى الإقليم من خلال طبقة السياسيين بل من خلال الناس هناك وهم ونحن من نصنع الوطن

ــــــــــــــ

محمود الهاشمي

 

[21: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني