الفراغ الدستوري في العراق "بدعة"
متابعات
2019/12/24

لاشك ان "الضرورة" هي التي دفعت بالمجتمعات الى اعتماد الاعراف والعادات كقوانين لغرض تسيير حياتهم وتنظيمها..لتصبح واجباً للتطبيق وان تكتب على حجر وتوضع في الساحات العامة لغرض اعتمادها كنظام قانوني كما في "مسلة حمورابي" التي تعود الى 1792 ق.م في بابل القديمة ..اما القبائل والمجتمعات العربية فقد اعتمدت شخصيات عرفت بالعقل والحكمة وسط الصحراء يتم قصدهم للفصل بين بين المتخاصمين، ورغم عدم وجود نص مكتوب لديه، وليس له ادوات تطبيق من حرس وشرطة وسجون الا ان الخصوم يرضخون لقراراته، وليس غريباً ان نسمع مصطلح "اهل الصنف" يتداولها الحرفيون خاصة، حين يختار مثلا ً الباعة او الحدادون او النجارون شخصاً له القدم بالحرفة ويحتكمون الى رايه في حل المشاكل بينهم بعد اتفاق مسبق بين الاطراف...

والدساتير التي تكتب في العالم هي نتاج هذه العقول، وما نتج عن احداث وصراعات في المجتمعات ليكون القانون الاعلى الذي يحدد القواعد الاساسية لشكل الدولة ونظام الحكم، والعلاقة بين السلطات وحدود كل سلطة..والدساتير عموماً تخضع لطبيعة المجتمعات ومزاجهم، فالهنود يمتلكون دستوراُ مملاً في تفاصيله، فيما الكويتيون دستورهم هو "الاصغر" في العالم..

ولايمكن لاي دستور مهما استطلعت في تفاصيله ان يكون نصه قاطعاً، حيث يبقى عرضة في الحاجة للتفسير، لذا توضح "المحاكم الاتحادية" لتفسير ما يلتبس في تفسيره..

وهذا الامر يتمدد حتى على الكتب السماوية، حيث ورغم ايمان الناس بها بانها منزلة في السماء وان الله سبحانه وتعالى هو "العدل" ونصوصه واضحة، لكن ترى التفاسير تتعدد، والاراء تختلف، وحين ارسل الامام علي "ع" عبد الله بن العباس لمحاججة الخوارج اوصاه "لاتخاصمهم بالقران فان القران حمال اوجه، تقول ويقولون" فالقران حمال اوجه لدى الخصم وليس للامام علي "ع"، وقد ورد عن ابن عباس قال : "القران حمال وجوه فاحملوه على احسن وجوهه" وهنا تكمن "الحكمة" ان النصوص الدستوية تفسر وفق مبدأ "احسن الوجوه" .

بريطانيا بلد ديمقراطي لايمتلك دستوراً مكتوباً، اي احكام الدستور غير مضمنة بوثيقة واحدة اسوة بالدستور الفرنسي او الامريكي ، لكنها لاتعاني باعتبار ان طبقة السياسيين يفهمون مالهم وما عليهم ومثل ذلك الشعب.

يعتقد البعض ان الدستور العراقي كتب على عجالة، وفيه "الغام" كثيرة، وهذا ليس صحيح، لوكانت "نية" طبقة السياسيين "صافية" كما يقول المثل، وكانت الروح الوطنية هي مفتاح الحلول، لكن "فقدان الثقة" وتعدد الاهداف والارتباطات الخارجية، جعلت التفاسير تتعدد ويتحول "الدستور" الى مشكلة!!.

منذ امس والاعلام يتحدث عن "الفراغ الدستوري" وهو امر "مقصود" وخلفه من خلفه، باعتبار انتهاء مدة (15) يوماً التي بموجبها يلزم رئيس الجمهورية بتسمية رئيس الوزراء، وقد انتهت المدة دون ان يعلن الرئيس عن "اسم المرشح"، وهذا الامر لاعلاقة له بـ"الفراغ الدستوري" بل هو تقصير من قبل رئيس الجمهورية، لان واجبه ان يعلن عن اسم المرشح من الكتلة الاكبر، دون النظر الى تداعيات ذلك على المتظاهرين او غيرهم..واذا كان هنالك سوء "ترشيح" فتتحمله "الكتل الاكبر" وليس رئيس الجمهورية، ثم ان العراق يعتمد "النظام البرلماني" وما دام البرلمان قائماً وغير منحل فليس هنالك من فراغ دستوري قط.

الذين اشعلوا الاعلام بالفراغ الدستوري ذاهبون بنا الى "مبادرة الجيش لتولي ادارة المرحلة المقبلة" كما حدث في 30 تموز بمصر او تدويل الازمة للذهاب الى "التدخل الدولي" ..وكلاهما موضع خطر على العراق، لاننا نعلم ان الخيارين يصبان في صالح "امريكا" و"خصوم العراق"، حيث ان الخيار "العسكري" سياتي بشخصية عسكرية مثل "السيسي"، يعقد المشهد السياسي ويملأ السجون بالخصوم، وفقاً للرغبة "الامريكية" لاننا نعلم ان معظم الضباط المرشحين لهذه المهمة اسرهم "رهينة" في الولايات المتحدة مثلما "السيسي" الذي جاؤوا به من امريكا ، وسوف يعمل على انشاء قواعد امريكية في العراق ويغلق طريق المقاومة مع سوريا ويحل الحشد الشعبي ويحاصر ايران على جميع الاصعدة، كما سوف يخنق الحريات ويرتب الانتخابات وفقاً لمقاساته، ليعاد انتخابه ، خاصة وانه سيساهم في "صفقة القرن" والتنازل عن جزء من اراضي العراق لاسكان الفلسطينيين!!.

اما "التدخل الخارجي" فنهاياته مفتوحة، لانه سيدخل ساحة صراع النفوذ العالمي، ويصبح العراق اشبه بالصومال او البوسنة والحديث في هذا طويل.

محمود الهاشمي

[115: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني