معركة اختيار رئيس الوزراء !!!
وكالة انباء براثا
2019/12/24

 يتسائل عراقيون كثر عن السبب الذي جعل ولادة الحكومة الجديدة امرا في غاية الصعوبة ويحتاج الى وقت طويل للاتفاق على شخص رئيس الوزراء واعضاء كابينته ؟ ،كان مفترضا ان يغير قادة الاحزاب والكتل طريقة تعاطيهم مع الازمات السياسية الحادة ،بعد شهرين من الاحتجاجات الدامية ويعيدوا قراءة المشهد الاجتماعي والسياسي بواقعية وليس عبر فرضية المؤامرة والمشروع المضاد ، ولو انهم انصاعوا لصوت الشارع المحتج الغاضب ونصائح المرجعية الدينية ، لما احتاجوا الى كل هذا الوقت المهدور للاتفاق على شخص رئيس الوزراء ، الامر الذي يشير الى ان القوم خائفون ، ولديهم مايخشون عليه ،  ليماطلوا كثيرا ويستعينوا بالاخرين ليهندسوا لهم مخرجا من هذا الانسداد غير المعقول .

هل نستطيع الادعاء بعد اليوم ان لدينا احزابا جماهيرية لديها حضور في المجتمع ؟ وهل يمكن المجادلة بأن العراق فيه من العقول السياسية مالايضطره للاستعانة بالجيران والاشقاء القريبين والبعيدين لاختيار شخص ، تنحصر مهمته باجراء انتخابات مبكرة وتسليم السلطة لممثلي الشعب ، ليقوموا بدورهم باختيار الحكومة التي تباشر الاصلاح ومعالجة الازمات المتفاقمة ؟  ، الى هذا الحد تبدو المهمة صعبة ومعقدة والخيارات محدودة ؟ ، لااظن ان الامور بهذه الصعوبة ،  رغم عدم  معرفتنا باسرار الكواليس والغرف المغلقة ، لكن مايتبدى من المواقف المعلنة والتصريحات ،يكشف ان ثمة استقتال عنيف على ان يحتكر  فريق محدد اختيار  رئيس وزراء الحكومة الانتقالية ، لان هذا الفريق يعتبر خسارة هذا الدور ،  بمثابة خسارة المستقبل السياسي  لهذا الطيف الحزبي وايديولوجيته  السياسية ،  والذي تناله سهام النقد والاحتجاج بشكل عنيف هذه الايام ، طبعا يمكن تفهم سبب هذا الاستقتال نفسيا ومصلحيا ،لكن مالايمكن فهمه ،  هو ذهنية  الوصاية على الشعب وادعاء تمثيل الشرائح الاوسع ،والدفاع عن السلوك السياسي بدعوى قضاء اربعين عاما من (الجهاد ) ضد الدكتاتورية ،وربما ايضا بادعاء  احقية من حملوا السلاح ضد الاستبداد والارهاب ، في ان يكون لهم نفوذ متعدد الاشكال على السلطة السياسية والاقتصاد والثقافة والتعليم والسياسة الخارجية  ،وبالتالي لايمكنهم قبول او  تصور خسارتهم لهذا النفوذ عبر قانون انتخابي جديد ،  ومفوضية جديدة ولاحقا حكومة جديدة .

ان مشكلة هذا الطيف السياسي ،  تكمن في اعتقاده الراسخ بأنه يمثل مشروعا داخلا في صراع مع المشروع المضاد ،وعليه ان لايستسلم ولايتراجع حتى لو خرجت الملايين حاملة شعار كفى ،وحتى لو صرحت المرجعية بالفم الملآن ،  ان مصدر شرعية  الحكومة هو اختيار الناس وتصويتهم الحر ،  بلا تخويف او ضغوط او بروباغاندا اعلامية .

عندما يعود ساسة هذا الطيف الى انفسهم ليفكروا بمنطقية او لامنطقية مواقفهم ،ستجد انهم  يعتمدون  على شرعية التاريخ الجهادي والانتماء الى الاسلام السياسي ومواجهة الاستكبار والدفاع عن الهوية ومواجهة المشروع  الاسرائيلي  ،لكن هولاء ينسون ان التزامهم بهذه الايديولوجية مهما كانت محقة  لايلزم الشعب بشيء ، اذا قرر هذا الشعب رايا لاينسجم مع كل او جزء من هذه المباديء ،  طالما ان الشعب هو صاحب السيادة وهو من يقرر بارادته الحرة موقفه ، وله كامل الحق في استبدال من يحكمونه  بانتخابات نزيهة حتى لو كانوا مصداقا للعشرة المبشرين بالجنة .وهذه نظرية سياسية لادارة الدولة تضاف  الى رصيد نظريات الفقه السياسي الشيعي ، بل هي احدث نظرية يقررها المرجع السيستاني .

ان اصل المشكلة والداء نابع  من عدم الايمان بالتداول السلمي للسلطة وعدم الاقتناع بحق  الجمهور في الاختيار ، ولذلك انفق الساسة ،  وقت العراق الثمين على مشاورات واجتماعات ومداولات لاختيار رئيس وزراء لن يحكم اكثر من سنة ، مايؤكد انهم  قلقون  بالفعل من انقلاب العملية السياسية ،  وصعود من يظنون بهم ،   انهم مراهقون غير مؤصلين عقائديا وسياسيا لحكم العراق ،وهذه الافكار في جوهرها تنسجم مع دساتير الدول الدينية ، ولايمكن ان تقبل في دولة كالعراق ،خرج ناسه الى الشوارع ليستردوا اصواتهم التي منحوها لقوى لم تحقق لهم انجازا ،فخسروا  شرعية الانجاز ، ولم يستند  وجودهم في السلطة الى  شرعية دستوريةحقيقية وليست شكلية ،  وفي الواقع انهم لايؤمنون الا بالشرعية الثورية  ،وهذا هو جوهر الصراع الجاري في العراق ،  والسبب الذي يجعل المرجعية تنطق مسانِدة للناس الذين يريدون الاصلاح ثم التغيير .

ابراهيم العبادي

 

[18: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني