المرجعية الحكيمة ترسم خطوات لتجاوز الازمة
الدكتور عادل عبد المهدي
2018/07/29

لا يمكن ترك البلاد في مهب الريح.. فصوت يطالب بالغاء الانتخابات وتنصيب دكتاتور عسكري.. وآخر ينادي بالثورة.. وغيره يخوّن ويسقّط الجميع.. ورابع يدعو لتجاوز المؤسسات والحكومة والسياقات الدستورية، وخامس يبرر ويبيض الامور ويبريء نفسه ويتهم الاخرين.. وهذا كله لن يقود سوى الى مزيد من الفوضى والتراجع، ولن يحمل اي حل للازمة الحالية، سواء السياسية، او الاقتصادية والخدمية او الامنية.. خصوصاً مع ظروف إقليمية ودولية متوترة وما تحمله من اثار محتملة على البلاد. لذلك جاءت خطبة الجمعة للمرجعية الدينية العليا بلسماً لكل المخلصين والغيورين على البلاد ومستقبلها. وهذه بعض الخطوات الضرورية.
1- ان نحترم جميعاً التظاهرات وشتى وسائل التعبير بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم التضييق عليها، على العكس حمايتها ونشرها، شريطة منع استغلالها وحماية المجتمع والمواطنين من الاعتداء والاكاذيب والمعلومات التي تثير البغضاء والكراهية والتخريب من قبل العابثين والطائشين والارهاب ودعاة العودة للنظام الدكتاتوري الاستبدادي. وان جميع دول العالم التي تحترم مواطنيها توسع ضوابط حرياتها مع توسيع وسائل انتشارها.. والا سنسقط اما في الدكتاتورية، او في الفوضى، وكلاهما وجهان لعملة واحدة. فالتدافعات الاجتماعية والتظاهر والاعتصام، ممارسات مهمة لانضاج الاراء وبناء عملية الوعي والاحساس بالمسؤولية والوطنية.. فهي جزء مكمل من حريات وحقوق الشعب. فالديمقراطية لا تعني الانتخابات فقط، بل تعني في جوهرها حكم الشعب، والتعبير عن ارادته، وتشكيل راي عام، وحراك اجتماعي ضاغط بالاتجاهات المطلوبة.. وبدون ذلك لن تعني الانتخابات سوى تطور تدريجي لنظام الاقلية، الذي يشرعن لنفسه حكم البلاد خارج ارادة الشعب.
2- الاسراع بعملية العد والفرز واقرار نتائج الانتخابات.. وان تتم المصادقة من قبل المحكمة الاتحادية، للبدء بالاستحقاقات الدستورية من حيث الرئاسات وتشكيل الحكومة الجديدة. ولا يكفي تصريح الحكومة انها تتمتع بكامل الصلاحيات.. فهذا تصريح طمأنة وحسن نوايا اكثر مما هو واقع يسمح بممارسة الحكم بشكل متوازن وكامل وسليم. ومع احترامنا للسيد رئيس الوزراء والسادة الوزراء، لكن من يراقب الحكومة اليوم.. ومن يوافق على تغييرات وزارية اذا ما ارتأى رئيس الوزراء ذلك.. ومن يوافق على صرف الاموال خارج التخصيصات او اقرار موازنة تكميلية.. او التوقيع على عقود سيادية، او ضرورة تشريع قوانين، او اقرار السياسة المطلوب اتباعها اذا ما تدهورت الاوضاع اكثر في المنطقة، او داخلياً.. او اعلان حالة الطوارىء اذا ما اقتضى الامر، وغيرها من اجراءات غير ممكنة بدون موافقة السلطة التشريعية، ذلك اذا ما اردنا البقاء في السياقات الدستورية وعدم تجاوزها بطرق مقصودة وغير مقصودة.
3- الوصول الى حكومة ناجحة بعيداً عن الطائفية والمحاصصة.. تستطيع تجاوز الاخطاء السابقة في الادارة وفي قانون الانتخابات، وتتجه نحو.. أ- وضع برنامج بالارقام والتواريخ عن انجازات عملية تسمح بمحاربة جدية للهدر والفساد، وبالحد من البطالة وتحسين الخدمات خصوصاً في الماء والكهرباء والصحة والتعليم.. وان الحلول موجودة من الناحية المادية والفنية ولا تنقص سوى الارادات ورفع التعطيلات والمعوقات التي تسببها المحاصصة وعقليات التشبث بالسلطة، واستخدامها لمصالح خاصة..
ب- اختيار الرئاسات والحكومة بقرار وطني وليس بقرار طائفي او اثني.
4- جاء خطاب المرجعية الحكيمة الاخير صريحاً وواضحاً. فالعملية ستكون مختلفة هذه المرة.. ولن تعطى التشكيلة صكاً على بياض او دعماً على مجهول. فالحكومة ستفوض وامامها شروط ومهام واضحة. وستكون مسؤولة ليس امام مجلس النواب فقط، بل امام الشعب باكمله ايضاً عبر الوسائل السلمية الدستورية والانتخابية، ووسائل الضغط الاجتماعي، مدعومة كلها بقوة المرجعية والقوى المخلصة. فإن تلكأت الحكومة عن اداء واجباتها، فان اجراءات مشددة ستتخذ بحقها، دون انتظار انتهاء المدة التشريعية.
5- لابد من خط شروع لتحقيق الامور اعلاه، على ان لا يكون افتراضي او قائم على قناعات شخصية، حتى وان كان فيها امور صحيحة.. بل يجب ان يقوم على عملية قائمة لها مقبوليتها وشرعيتها العامة، حتى وان كان فيها ثغرات ونواقص. وهذه لا توفرها سوى النتائج الانتخابية.

[45: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني