التظاهرات ضرورة ام تخريب؟
الدكتور عادل عبد المهدي
2018/07/17

حق التظاهر والاعتصام ومظاهر الغضب، استنكاراً للباطل وتأييداً للحق، مكسب عظيم قاتل شعبنا لاجله لعقود طويلة.. ودخل الكثير منا السجون، وعُذب، وحُكم عليه بتهمة التظاهر والاعتصام والدعوة للحريات والحقوق العامة. وعندما اعتبرت الحكومات التظاهر والتعبير عن الرأي جريمة وليس حقاً، حُكمها الاعدام والتعذيب والسجن، بدأ الكثير منا بالتفكير بالدفاع امام قمع وسلاح الدولة المانعة للحريات والمستبدة بشؤون البلاد. فدرسنا التجارب القائمة والتاريخية لبلداننا وللصين وروسيا وفرنسا وفيتنام وامريكا اللاتينية وغيرها. وصرنا متمرسين في حروب الغوار وحروب المدن.. وفنون الاتصال والتنظيم التي تحمينا وتحقق خططنا، يوم لم يكن هناك "نت" لعمل "التنسيقيات"، فكان لزاماً علينا تنظيم انفسنا باسلوب "عناقيد العنب" وغيره. وذهبنا للاهوار، وشكلنا المجاميع، فاطلقوا علينا يومها "جماعة الكفاح المسلح" الجيفارية والماوية والجهادية، ليأتي بعد عقود من يحرف ويشوه.. فهذه تهمة لا ننفيها، وشرف لا ندعيه. ففي هذا الطريق ضحى ابطال وعظماء، والذين لولاهم لما صار بوسع شعبنا اليوم التظاهر والمطالبة بالحقوق. وصعدنا لجبال كردستان، وشاركنا البيشمركة.. وذهبنا لبلاد الشام لخوض المعارك مع اخواننا، فاتُهمنا بمواقفنا مع الاكراد، او بالغرق في قضايا فلسطين ولبنان والبلدان العربية. واسسنا "قوات التوحيد"، وكنا و"بدر" كياناً واحداً، ودخلنا بغداد في 2003 بسلاحنا وبقوى عراقية خالصة، قادمين اليها من اراض عراقية اخرى.. ويكذب الجهلاء والمزورون.. فكنا في اتفاق/وصراع، في ظروف حرب فرضها ثنائي الاستبداد والمطامح الدولية.. اتفاق في حقوق البلاد، وصراع ضد الاحتلال والاستبداد. فهوجمت مقراتنا واعتقلونا، ومنا من بقي سنوات في السجون الامريكية ومنهم وزير الداخلية الحالي السيد الاعرجي. هذا كله ليحقق الشعب حرياته وحقوقه. فكان من اهم ما ادرجناه في الدستور حق التظاهر، ودافعنا عنه، حتى عند اختلافنا في الشعارات والاعمال والتوقيتات. فمنع هذا الحق بالعنف غير المبرر، ستكون له نتيجة واحدة، وهي تحول المتظاهرين لعنف مبرر، كما حصل يومها. وان التظاهرات والاعتصامات وحرية التعبير ضرورة حتى عند الاختلاف وبعض الخسائر، لان فيها دفع لخسائر اعظم، إن سارت الامور بطريق الاستبداد والحكم المطلق.
شيء عظيم دعوة المرجعية حماية المتظاهرين وتلبية مطالبهم المشروعة.. وصدور بيانات حكومية ومن القوى السياسية تؤكد حق التظاهر.. رغم تعرض مؤسسات ومقرات للاعتداء. وعظيم ان تخرج الجموع تحت الشمس الحارقة لتطالب وتحتج، فهذه ثقافة يجب ان نفتخر بها ونحميها، ولكنها ثقافة لها اعداء وادوات تخريب، فمن هم؟
1- الجهات الخارجية التي اعتادت استغلال اي حراك في البلاد وتوجيهه لغير وجهته الصحيحة. جهات لا تمثلها دول فقط، بل ايضاً جهات عنصرية وتاريخية ستجعل التظاهر لدينا احقاداً وكراهية ومقدمة للنهب والسلب والتمرد، بينما تعتبره في بلدان اخرى مظهراً حضارياً وديمقراطياً.
2- الجهات الداخلية بوجهيها الارهابي الجديد وبقايا الدكتاتوري القديم، والتي عندما تمكنت و تتمكن من الامور، فانها تقيم اشد الانظمة دكتاتورية وقمعاً وفشلاً. والتي تستغل التظاهرات لاغراضها.. فتتبناها بواجهات مختلفة، وهذا امر، إن وقع، سيقتل المظاهرات والمطالب العادلة. لهذا على منظمي التظاهرات فرز انفسهم عن هؤلاء.. وان التجربة السورية و "ساحات التحرير"، خير مثال.
3- الحكومة والقوى السياسية والعشائرية والاجتماعية والانتخابية، عندما تسعى لاستغلال التظاهرات لاغراض ضيقة، وليس لتحقيق المطالب العادلة، ولا لتقويم الاعوجاجات والاخطاء وفرض القانون.. فالفشل وتكرار الفشل والاصرار على الفشل في الخدمات والحقوق والبطالة هي التي تزرع بذور العناد والتطرف لدى المتظاهرين. فلتحقق الحكومة والقوى السياسية النجاح، او تسير في طريقه، وسنرى جميعاً كيف ستنتظم الامور، وكيف سيطبق المتظاهرون الضوابط القانونية، وسلمية التظاهرات.
4- المتظاهرون انفسهم. فالتظاهر، حق وان الحق ان احسن استخدامه فانه سيعطي اضعافه، وان اسيء استخدامه فسينقلب ضد مدعيه. وهناك من يتكلم ويدعو للسحل والقتل والحرق وتعطيل المصالح.. فليعلم المخلصون من هؤلاء ان جميع من روج لهذه الثقافة في العراق القديم والجديد قد ندم لاحقاً على افعاله. ولم تنجح سوى الاعمال التي سعت لكسب نصرة الشعب، وحماية الحقوق والارواح والممتلكات والمصالح الخاصة والعامة.

[37: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني