موازنة 2018.. تكرار التوجهات الخاطئة (2)
الدكتور عادل عبد المهدي
2017/10/26

ستطرح الموازنة قريباً.. والموازنة امر مهم في اقتصاديات الدول، لكن ما يؤسف له ان الموازنات العراقية تقوم على هيكلية قديمة، تعمق ازمة البلاد الادارية والاقتصادية. وما لم نشهد مفاجئات جذرية، فان موازنة 2018 ستكون مماثلة لموازنة 2017، حاملة ارث وهيكليات سابقاتها، مع غياب الحسابات الختامية وحساب الارباح والخسائر، وستختلف بعض الارقام، لكن التوجهات ستبقى نفسها، من حيث الواردات والنفقات والنتائج.

ففي باب الواردات سيتكرر الحديث عن تقدير اسعار النفط، والكميات المصدرة وهما الركنان الاساسيان في الموازنة اللذان يكشفان طبيعة الاقتصاد الريعية. السعر المقدر لبرميل النفط قد يزيد قليلاً عن 42 دولاراً المفترض في موازنة 2017، الا اذا كانت هناك توجهات تضخمية، وهو ما سيتعارض مع توجهات "صندوق النقد".. وستكون الكميات المصدرة المقدرة قريبة ايضاً من موازنة 2017 والبالغة 3.750 مليون/برميل/يوم (3.2 من الجنوب والوسط، 300 من الشمال، و250 من الاقليم)، ذلك ان تم تصدير نفط الشمال وكردستان لمصلحة الخزينة الاتحادية. مما سيجعل الموارد النفطية اعلى بنسبة معينة من تقديرات 2017 (68 ترليون دينار)، بسبب تحولات الموقف التركي وادخال نفط الشمال (واحتمال كردستان ايضاً)، وامكانية التصدير مباشرة عبر فيشخابور/جيهان بعد تحرير الموصل، وذلك كله رغم استمرار قرار "اوبك" لخفض الانتاج. وقد تكون هناك خصوصية اخرى لها علاقة بالتطورات الاخيرة، وتتمثل بمبدأ الـ17% المعتمد في الموازنات السابقة، بتطبيقاته المتذبذبة للاسباب المعروفة.. فهل سيجري تعديلها واعتماد آلية جديدة؟ كدفع تشغيلية الاقليم (او بعضها كالرواتب) مباشرة؟ وما هو مصير الاستثمارات النفطية في كردستان؟ وكيف ستنظم موارد ونفقات الاقليم، في ظل الارتباك والانقسامات الحالية، داخل الاقليم ومع المركز، وغيرها من موضوعات معقدة، مطلوب البث فيها، مراعاة لمصالح اهلنا في كردستان، وفي العراق باسره، وفق نص وروح الدستور، ولتعزيز المواطنة والوحدة الوطنية.

اما الموارد الاخرى، او بكلمات اصح ما سيوازن النفقات، فستكون الضرائب والديون والعجز. أ) الضرائب: وهي من اهم فقرات الموازنات في الاقتصاديات الاخرى التي تعتمد الاقتصاد الحر واقتصاديات السوق، والتي من شأنها تحريك الاقتصاد بالاتجاهات التي يراها المخطط في صالح الاقتصاد والمجتمع والدولة، لكنها عندنا لن تمثل اكثر من 10-13% من مجموع الواردات، علماً ان ما يستحصل منها فعلاً هو جزء بسيط من المبالغ المقدرة، وهو ما يكشف تخلف النظام الضريبي، وبالتالي الاقتصادي والاداري. فلا نحن بقينا عند الاقتصاد المركزي ذات الصبغة الاشتراكية حيث لا تعني الضرائب الشيء الكثير، ولا نحن انتقلنا فعلاً للاقتصاد الحر واقتصاديات السوق حيث تلعب الضرائب دوراً اساسياً، او اي شيء متوازن ومنسجم بينهما.. ب) الديون: وتعكس بدورها الطابع التبعي والمتخلف للاقتصاد. ففي موازنة 2017 ادرجت القروض السيادية ليتم التصديق عليها في اطار قانون الموازنة، مما يغني الحكومة عن التقدم بها الى مجلس النواب ثانية.. وقد تضاف قروض جديدة.. وهناك قروض لم تستنفذ في موازنة 2017.. فهل سيعتبر البرلمان ما شرعنه كافياً، اما سيطالب بادراجها مجدداً، لان قانون الموازنة هو قانون ساري لسنة واحدة فقط.. ت) العجز: سيبقى مرتفعاً، اي بحدود 21-22% من النفقات الاجمالية، وهو يعكس في موازنات الدول الاخرى منحى تضخمياً يستخدم احياناً لتحريك الاقتصاد، ان كان جانب الانتاج مرناً، لكنه لدينا لن يمثل سوى تجميد حقيقي للنفقات الاستثمارية، رغم انها العنصر الاساس الذي تحتاجه البلاد.

وفي باب النفقات، فان التشغيلية ستستحوذ على 80% تقريباً.. وسيصعب تصور ان الموازنة ستلعب دوراً تنشيط الاستثمارات والقطاع الاهلي والخاص.. وستكون محكومة بالترهل الوظيفي وملايين الملاكات التي انخرطت في القطاع العام، ليس لحاجة القطاع اليها، بل لتراجع القطاعات الحقيقية، وازدياد البطالة ونسب النمو السكاني. فهي اقرب لمفهوم الرعاية الاجتماعية. نستنتج، اذا صحت التوقعات، انه دون اصلاح حقيقي، فان الموازنة ستبقى انعكاساً لفشل الاقتصاد واعتماده على النفط وتزايد المديونية، وستكون اداة لتوزيع سيء للموارد والنفقات، ومصدراً رئيسياً للهدر والترهل والفساد والاحتكار.

[1201: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني