هكذا وجدت السيد عمار الحكيم؛ بقلم أبو الفضل فاتح
وكالة شفقنا
2017/08/07

بعد تأسيس تیار الحكمة الوطني في العراق كتب أبو الفضل فاتح مقالاً تحدث فيه عن لقائه بالسيد عمار الحكيم، وقد تضمن المقال أبعاد ملفتة عن شخصية السيد عمار الحكيم وآرائه، ومن بينها تصوره لمستقبل التشيع ومستقبل تنظيم داعش ومستقبل العراق وولادة العراق الجديد والتحديات الإقليمية والحوار مع .الولايات المتحدة والسعودية ومصر ونظرته إلى إيران وإلى آية الله السيستاني وآية الله الخامنئي.

اعلن السيد عمار الحكيم الاسبوع الماضي عن تاسيس تیار الحكمة الوطني ليعلن انسحابه من المجلس الاسلامي الاعلى في العراق.

على أمل ولادة عراق جديد

إن الإضطرابات وأعمال العنف والحروب المتواصلة بعد سقوط صدام لم يترك مجالاً أبداً لظهور عراق جديد، فالعراق عليه إما أن يقارع المحتل الأجنبي أو يواجه المخربين البعثيين أو يعاني القتل الطائفي أو يخضع لحكومة باسم داعش، أو أن يتحمل دعوات التقسيم والإنفصال القومي. ويأتي كل ذلك بعد اجتيازه حرباً مع إيران في فترة صدام وحربين مع الولايات المتحدة خلال العقود الثلاث الأخيرة. ولابد أن نقبل إن واحدة من هذه الأزمات تكفي للقضاء على شعب أو بلد ما، فمنذ سنوات تعرضت يوغسلافيا إلى أزمة أدت إلى تجزئتها وتحولها إلى عدة دول في فترة قصيرة، وكذلك الحال بالنسبة للإتحاد السوفياتي السابق الذي أنهار سريعا، فيما يبدو العراق وبعد تحرير مدينة الموصل قادر على النظر بتفاؤل إلى المستقبل ويملك فرصة ولادة جديدة، ورغم إن فترة الإنتقال كانت طويلة ومعاناة البلد مع المشاكل التي خلفتها حقبة نظام صدام خاصة فيما يتعلق بإفتقاده لعلوم الإدارة والإدارة الإستراتيجية والتنفيذية المجربة وحجم الأضرار التي لحقت به جراء الحروب الأخيرة والتدخلات الإقليمية والأجنبية المتواصلة أفقدت العراق الحظ في ولادة جديدة تنعدم فيها العيوب. لكن الإمكانيات الإقتصادية والعناصر القومية والفكرية التي يتميز بها الشعب العراقي ودخول الغالبية الشيعية في معترك إدارة البلد وهي التي طالما منعت من لعب دور في عهد صدام كل ذلك يجعل من العراق اليوم ينهض ويرفع قامته ويحيي الآمال من جديد.

إن اعلان تاسيس تيار الحكمة الوطني قد يتم تقييمة لدى آل الحكيم كأحد مؤشرات النظرة الأيجابية للعهد الجديد في العراق . وقال السيد عمار الحكيم ان عهد ولادة الاحزاب والتيارات الجديدة قد بدا وهو يريد الافادة من الطاقات الشابة في مستقبل العراق، والاضطلاع بدور بناء لحياة العراق وامله ومستقبله. وهل يستطيع ذلك أم لا هو سؤال ربما يمكن ايجاد جواب له من خلال القاء نظرة على ماضي المجلس الاسلامي الاعلى وشخصية السيد عمار الحكيم.

آل الحكيم

سماحة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم إلى جانب سماحة آية الله الخوئي وسماحة آية الله الشاهرودي.

لقد حاز آل الحكيم وخاصة في عصر المرجع الأعلى للشيعة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم على مكانة كبيرة داخل العراق، فآل الحكيم يعتبرون من نجباء العراق ويتمتعون بمكانة خاصة فيه، فمن جهة ضربت جذورهم في عمق الحوزة العلمية في النجف الأشرف ومن جهة أخرى شكلوا خلال السبعين عاماً الماضية محور المرجعية وعلماء الدين في العراق، لقد عارضوا التيار اليساري وكانوا قريبين من النهج الذي سار عليه الشهيد باقر الصدر، وفيما يتعلق بإدارة الحوزة العلمية واسلوب مقارعة الشاه كانت لديهم رؤى خاصة وهذا ما ظهر عبر الحوار الذي أجراه آية الله الحكيم مع الإمام الخميني عندما كان في النجف. وبعد رحيل آية الله العظمى السيد محسن الحكيم فإن العوام اتبعت زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف سماحة آية الله العظمى الخوئي الذي كان يشغل مكانة خاصة لدى آية الله السيد محسن الحكيم، وفي تلك الفترة كان للشهيد السيد باقر الحكيم علاقة خاصة بالإمام الخميني. ومع إنتصار الثورة الإسلامية الإيرانية فإن آية الله السيد باقر الحكيم كان يدعو إلى ثورة شبيهة بنموذج الثورة الإسلامية الإيرانية وإلى محاربة صدام وإسقاطه وهذا ما أدى إلى تقديم آل الحكيم الكثير من الشهداء فيما تعرض البعض الآخر لسنوات من الإعتقال والنفي عن البلاد. وبعد رحيل آية الله العظمى السيد محسن الحكيم اعتبر كل من آية الله السيد يوسف الحكيم (الذي كان يعتبر نفسه مرشحاً للمرجعية إلا أنه عدل عن ذلك وقد مدحه الإمام الخميني) وآية الله الشهيد عبد الصاحب الحكيم والشهيد العلامة السيد مهدي الحكيم وآية الله الشهيد السيد باقر الحكيم والمرحوم حجة الإسلام عبد العزيز الحكيم وآية الله السيد محمد سعيد الحكيم من أبزر الشخصيات التي ظهرت من رحم آل الحكيم خلال السنوات الأربعين الماضية، كما يعتبر كل من السيد حيدر نجل الشهيد الحكيم والسيد عمار والسيد محسن نجلي السيد عبد العزيز الحكيم والسید ریاض والسيد محمد حسين والسيد جعفر والسيد حسين الحكيم وآية الله السيد محمد باقر والسيد محمد صاق الحكيم من الشخصيات المميزة في هذه الأسرة التاريخية البارزة.

 

السيد حيدر الحكيم إلى جانب والده الشهيد السيد باقر الحكيم

السيد عمار وقيادة المجلس الأعلى

لقد ترأس عمار الحكيم قبل ثماني سنوات المجلس الاسلامي الاعلى عقب استشهاد اية الله السيد محمد باقر الحكيم ورحيل والده السيد عبد العزيز الحكيم. وفي تلك الفترة كان يبلغ من العمر 39 عاما. وكان طلبة علوم دينية شاب لم يملك خبرة كبيرة في السياسة كما لم تكن له تجربة في المستويات الادارية العليا ولم يكن هو يتوقع ان يصل بهذه السرعة الى قيادة حزب كان يقوده شخص مثل اية الله السيد باقر الحكيم الذي كان من الناحية الكاريزماتية واوجه الفكر التنظيمي يشبه اية الله بهشتي في ايران ومن اكثر المناضلين تاريخا ابان حكم صدام. وبعد اية الله الحكيم الذي تولى قيادة الحزب لمدة 22 عاما، كان السيد عمار الشخص الذي يملك اكبر فترة زمنية للاضطلاع بدور في هذا المنصب. واتسمت قيادته للحزب على مدى ثماني سنوات بتقلبات وصعود وهبوط.

وفي انتخابات عام 2010 وفي السنة الاولى لقيادتة، تلقى الحزب اكبر هزيمة وحصل فقط على 20 مقعدا في البرلمان، لكن استطاع بعدها الحفاظ على المجلس الاعلى كاهم تيار للتحالف الوطني في العراق كما حافظ على موقع هذا التيار في العراق الى حد ما وقام بتحسينه. ويجب التذكير بهذه النقطة بان تولي عدة حقائب وزارية قوية في العراق كان يمنح هذا التيار فرصة الاضطلاع بدور كبير لكن من جهة اخرى، كان بمثابة سيف ذي حدين زاد من توقعات الشعب لرؤية اثر هذه الوزارات في الحياة اليومية والاستثمار طويل الامد. وواضح ان تلبية مطالب وتوقعات الشعب في عصر الصراعات الداخلية والحروب التي اندلعت بعد صدام كان امرا صعبا للغاية وقليل النتائج.

المجلس الأعلى وإنشقاق في القمة

المجلس الأعلى ومنذ تأسيسه تحول وبسرعة إلى أحد أقوى التيارات العسكرية والسياسية المعارضة للحكومة البعثية ولعب دوراً بارزاً في قيادة النضال، ومع سقوط نظام صدام قام هذا الحزب صاحب الشعبية الكبيرة بتشكيل مجموعة الإئتلاف الشيعي في العراق، وعندما حاول المجلس الأعلى أن يضم جميع المجموعات العراقية المعارضة المقيمة في الخارج لم يحالفه الحظ وذلك بسبب التنوع الفكري واختلاف الأساليب التي تتبعها هذه المجموعات، وفي الوقت الذي يشهد العراق تحولاً كبيرا يجد التيار نفسه بعيداً عن مؤسسيه وداعميه أي آل الحكيم، وهذا الإنشقاق سوف ينعكس بالتأكيد على مصير المجلس الأعلى وكذلك سوف يؤثر بشكل كبير على الدور السياسي لآل الحكيم في العراق، وبالتالي تعتبر عملية إنشقاق السيد عمار إنشقاق في القمة وأزمة حقيقية يواجهها المجلس الأعلى وكذلك يعتبر مخاطرة كبيرة بالنسبة لتيار آل الحكيم. إن المجلس الأعلى الذي لم يتمكن من الإحتفاظ بتيار الحكيم الذي يعتبر من أعرق وأقدم التيارات الدينية والسياسية في العراق فإن سيواجه صعوبات كبيرة في استقطاب التيارات البديلة. وذلك لأن التيارات الأخرى وجدت مكاناً في إحدى الأحزاب أو الحركات الدينية والسياسية وابعدت عن ذهنها الإنضمام إلى المجلس الأعلى. وبطبيعة الحال فإن المجلس الأعلى مضطر إلى التأقلم مع حالة الضمور والتقلص التي أصابته مع إنشقاق زعيم شاب وجريء في نفس الوقت عنه. من جانب آخر فإن حزب الحكمة ومنذ إنطلاقه شهد إقبالاً من عدة تيارات وأحزاب عراقية والتي لم تكن راضية كثيراً عن القيادات السابقة للمجلس الأعلى، ونظراً لإنتقال المكاتب والإمكانيات الإعلامية التي كان المجلس الأعلى يتمتع بها إلى حزب الحكمة فإن الحزب كما يبدو دخل الساحة بإمكانيات ودعم سياسي وإقتصادي مناسب. لكن هذا لا يكفي بالتأكيد. فحزب الحكمة الحديث التأسيس وفي حال أراد استقطاب شباب العراق فعليه أن يستثمر المزيد من الوقت، فينبغي أن يتعرف الشباب العراقي على الإمكانيات الفكرية والتنظيمية والبرامج الأساسي التي يمتلكها حزب الحكمة إلى جانب استقامته وقدرته على الصمود الأمر الذي سوف يعزز ثقتة هؤلاء الشباب به، لكن ينبغي أن يرصد الحزب أهدافا قصيرة وبعيدة المدى تتناسب مع الواقع وتصب باتجاه التماسك السياسي والوطني وتحسين الأوضاع الإقتصادية المتأزمة وغير الصحية في العراق، إلا أن هذا الهدف ليس بعيد المنال ويمكن لآل الحكيم ولشخصية شابة غنية بالتجارب مثل السيد عمار الحكيم أن يحققها.

كيف وجت السيد عمار؟

وقبل شهرين وخلال زيارتي للعراق التقيت عمار الحكيم. وكان الهدف اجراء حوار صحفي، لكنه كان يرغب بحوار غير صحفي.

جسر الجمهورية رمز التغيير في العراق

يقع مكتب رئاسة حزب الحكمة بمحاذاة جسر الجمهورية المشهور في بغداد الذي يربط بين ساحة التحرير والمنطقة الخضراء، وكان هذا الجسر يمثل في عهد صدام رمز لقوة صدام وجبروته وعلى الصعيد الأمني لم يكن يحق لأي شخص الوقوف على هذا الجسر، وفي حال تعرضت إحدى السيارات لخلل فني ما وهي تمر من فوق الجسر – على سبيل المثال – فلم يكن يحق للسائق أن ينزل من السيارة لتصليحها، بل عليه أن يتوجه فوراً إلى المفرزة العسكرية الموجودة قرب الجسر وإخبارها بالأمر فتقوم هي بعملية نقل السيارة، وذلك بسبب وجود قصر أحد وزراء صدام على طرفي الجسر ويطل على ضفاف نهر دجلة، وقد تحول هذا القصر هو في الوقت الحاضر إلى مكتب السيد عمار الحكيم وهذا مؤشر على التغيير الكبير الذي طرأ ومظهر من مظاهر القوة التي حصل عليها الشيعة الذين كانوا يرزحون يوماً ما تحت نير صدام، وعمار الحكيم ينتسب إلى أسرة أعدم منها صدام نحو 65 شخصاً بسبب نضالهم.

لقد كنت اعرف عمار الى حد ما وسمعت عن ميزاته، لكن عمار الذي شاهدته في ذلك اللقاء اظهر مستوى اعلى من الانتظار عن عمار الذي كنت اعرفه.

لم أكن غريباً عن أسرة الحكيم. خاصة في السنوات الأخيرة الماضية لكنني تمكنت من التعرف أكثر على أبعاد شخصية الشهيد باقر الحكيم وآرائه وروحه الإنسانية وعلمه الغزير وصلابته وحنكته السياسية والكاريزما الدينية والحزبية التي كان يتمتع بها من خلال نجله السيد حيدر الحكيم الذي كان نموذجاً في طهارة النفس وقوة الإيمان والدقة في العمل والشرف والوفاء.

ينظر إلى مستقبل التشيع بتفاؤل

وعلى الرغم من معاناة ومظلومية الشيعة، لكنه راى ان التشيع اخذ بالتنامي واكتساب القوة. ولم يعتبر أيا من الاصطفافات العسكرية او الفكرية تشكل خطرا مهما امام الشيعة واعتبر ان الشيعة يسيرون على طريق الانتصار على كافة التحديات.

وتحدث عن لبنان والعراق واليمن وكيف ان الشيعة تحت الاضطهاد استعادوا قوتهم. ففي العراق ذهب ماء الوهابيين وتلاشوا. واصبح الشيعة اليوم السلطة الرئيسية. وفي لبنان، اصبح الشيعة يشكلون اهم عائق امام اسرائيل وقوة لا تنكر. وفي اليمن وبينما كان الشيعة قبل هذا من اكثر الشرائح محرومية وحرموا من اي اهتمام دولي والسلطة الداخلية، وكان عليهم اللجوء الى الجبال، تحولوا اليوم الى قوة مؤثرة لا يمكن تاسيس حكومة في اليمن من دون الحوار معهم. واعرب عن ثقته بان داعش لم تحقق اهدافها فحسب ولم تستطع تقييد القوى الثورية وحركة الشيعة فحسب بل تحولت الى فرصة بالنسبة للشعبين العراقي والسوري، وان شعبي البلدين بمن فيهم الشيعة في العراق والعلويون في سورية اصبحوا من خلال نظرة استراتيجية الى موقعهم تيارا مقاوما يملك قوة دفاعية.

هادئ وصاحب إستدلال / يؤيد التصالح الوطني ويرفض التقسيم

وراى ان داعش لا خيار امامها سوى اللجوء الى صحارى ليبيا ومصر والاردن واليمن وباكستان وافغانستان أو العودة الى البلدان التي انتجتها وايجاد كوارث لها.

إنه يعتقد إن أهل السنة كانوا يعولون قليلاً على تنظيم داعش وقد أدركوا أن طريق تثبيت حقوقهم لا تمر عبر داعش وذلك لأن داعش وأينما حل لم يجلب إلا التعاسة والدمار والتخلف والفشل.

واكد ان اهل السنة عرفوا جيدا بان طريق النجاة يكمن في الوحدة، لذلك فانه يعتبر ان مستقبل العراق سيكون زاهرا وهو ينشد عراقا واحداً وموحدا. واكد ان تقسيم العراق ليس لمصلحة الشيعة ولا مصلحة السنة والاكراد او بلدان المنطقة، بل ان منافع تقسيم العراق تجنيها اسرائيل. واعتبر ان الوفاق الوطني يمثل افضل استراتيجية للوصول الى قوة العراق ووحدته وايجاد استقرار وتقدم سياسي واقتصادي واجتماعي. وقد وجدت عمار في هذا المجال سياسيا هادئ جدا وصاحب استدلال وثقة بالذات.

داعية حوار

كان والده الشهيد يشجع إيران على الحوار الإقليمي بمشاركة أمريكية.

يدعو إلى الحوار بين إيران والسعودية

لقد عرفته داعياً إلى الحوار. لقد تحدث عن دور آية الله الشهيد السيد باقر الحكيم في تشجيع إيران للدخول في مفاوضات مع القوى الإقليمية بمشاركة الولايات المتحدة حول العراق بعد صدام، وإن إيران دخلت المفاوضات بحضور الولايات المتحدة بإصرار من والده، واعتبر تلك المفاوضات بأنها كانت النقطة التي دخلت فيها إيران فيما بعد مفاوضات واسعة مع الولايات المتحدة ، وكان يعتبر إن المفاوضات الإقليمية تشكل إحدى السبل لخروج المنطقة من الأزمات التي تعاني منها، وقد دعا قبل عدة أيام إلى عقد إجتماع قمة بين إيران والعراق والسعودية ومصر وتركيا، وباستثناء إسرائيل كان له إجتماعات مع الأطراف الإقليمية وغير الإقليمية والتي امتدت من السعودية ومصر وحتى الولايات المتحدة وروسيا، وهو لا يخفي رغبته بإجراء حوار بين إيران والسعودية.

إشادة خاصة بدور آية الله السيستاني وفتواه المشهورة

وجرى الحديث عن دور المرجعية وفتوى الجهاد التي اصدرتها. وكان كلامه يشهد بعمق على المكانة والدور المحوري لاية الله السيستاني. واعتبر ان هذه الفتوى اسهمت في تغيير معادلات المنطقة وهزيمة الارهابيين. واعتبر ان هذه الفتوى هي ابعد من كونها فتوى جهادية بل تملك ابعادا انسانية واخلاقية ومساعدة اللاجئين والحد من الحروب الطائفية.

يأتي هذا في وقت رفض آية الله السيستاني في فبراير الماضي استقبال وفد الإئتلاف الوطني الشيعي العراقي برئاسة السيد عمار الحكيم، وتم تبرير هذا الرفض لإمتناع آية الله السيستاني عموماً عن استقبال السياسيين فيما كان رد فعل الإئتلاف على ذلك لطيفاً حيث أعلن إنه سوف يستفيد من توجيهات المرجعية لكنه لن يستغل اسم هذه المرجعية.

لقائه بالسيسي ودفاعه عن التشيع

تطرق الحديث عن دور الإمام موسى الصدر فيما يخص المذاهب والشخصيات وقادة الدول الإسلامية وعن الفراغ الموجود في هذا المجال. كما تحدث عن زيارته الناجحة لمصر ولقائه بالسيسي، فعلى الرغم من معارضة البعض فقد تحدث مع السيسي عن وضع الشيعة في مصر وضرورة التعايش المذهبي والديني هناك، فهو يظهر دلائل على استمرار نهج موسى الصدر من خلال مبدأ الحوار مع جميع الأديان والمذاهب والتعايش الوطني والقومي الذي يدعو له.

وجرى الحديث عن دور ايران والعداء الذي يناصب لها على الصعيدين الاقليمي والدولي. ومن ان ايران وبسبب نظرتها في السياسة الخارجية لا تستطيع الدخول في مفاوضات مع دول مثل امريكا. ان تطبيع العلاقات يواجه عوائق داخلية واقليمية جادة ومن ان تيار الحكمة قريب الى ايران وليس لديه في الوقت ذاته عوائق اقليمية ودولية ويضطلع بدور لكي لا تؤدي الازمات الاقليمية الى صراعات. ويعتبر ايران حصنا حصينا في مواجهة جميع هذه الهجمات. ويرى ان ايران والعراق يشكلان جناحين احدهما يضطلع بدور وزير دفاع والاخر وزير خارجية عالم التشيع. ورايت ان نظرته استراتيجية.

واهم هاجسه وقلقه في البعد الخارجي كان توسع التوتر بين ايران والسعودية والذي قد يؤدي لا قدر الله وفي حالة الغفلة الى اشتعاله فجاة وتطال ناره الجميع. وفي البعد الداخلي يرى ان الفرقة وتناسي التحديات السياسية والاقتصادية المستقبلية للعراق في خضم البهجة في الانتصار على داعش يمثل اهم هاجس وقلق.

وحاول في كلامه الحفاظ على توازن بين شخصية عراقية مستقلة وفي الوقت ذاته حرصه وحبه للثورة الاسلامية في ايران. وتحدث باحترام وتكريم عن الجمهورية الاسلامية وقيادتها، وشرح بدقة تحليلاته المستقلة وسلوكه السياسيي المستقل لاسيما في العلاقات مع البلدان الاخرى والحوار مع امريكا ومصر وامثالهما. ففي العراق فان امتلاك شخصية مستقلة للحفاظ على المنزلة السياسية والاجتماعية والدينية وفي الوقت ذاته التواصل مع ايران لا يثير حساسة بحد ذاته. ان اي نشاط شيعي في العراق لا يحقق النتيجة المرجوة خارج اطار المرجعية والشعب والحكومة العراقية. ولا يستطيع عمار نسيان ماضيه في العراق وسنوات تواجده ووالده وعمه واسرته وسنوات الدعم الايراني لحزبه، لكن في نفس الوقت قادر على ابراز السلوك المرجو لسياسي ديني عراقي.

مثله الأعلى هو المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ذو الأصول الإيرانية ولديه علاقة خاصة بإيران وباللغة الفارسية وقلبه يخفق من أجل إيران ومن أجل الشعب الإيراني، لكنه يتمتع بمكانة خاصة في قلب الشعب العراقي وذلك لأنه يضع المصالح العليا للشعب العراقي نصب أعينه ولم يتحدث إلى هذا الشعب من منطلق إيراني أبداً.

مستمع جيد

السيد عمار الحكيم يستمع إلى الآخرين بشكل جيد ويجيب على التساؤلات بشكل جيد أيضا ويتحدث عن المواضيع المختلفة بذاكرة جيدة ودون أن يدون الملاحظات، يتحدث بهدوء وبطء لكن بلهجة قوية ويستقبل الضيوف بحفاوة بالغة، وفي حال كان هناك المزيد من الوقت لوجدنا فرصة الخوض في حوارات مهمة واستعرضنا الآراء المختلفة بالنقد والتحليل، فهو محاور رزين عارف بالتقاليد الدبلوماسية ونظرته عميقة ومؤثرة.

الإعلان عن الحزب الجديد: إنشقاق في القمة ومخاطرة حقيقية

لقد أظهر عمار الحكيم من خلال الإعلان عن الحزب الجديد قدرته على المخاطرة والمبادرة في نفس الوقت، وأثبت أنه قادر على اتخاذ القرارات الصعبة وغير المتوقعة. فهو ومن خلال إيجاد إنشقاق في القمة قام بسحب نفسه من المجلس الأعلى وتمكن من التخلص من الفجوة الفكرية التي كانت تفصله عن الرموز القديمة في المجلس مرة واحدة، من جهة أخرى تمكن من سحب نفسه من تحدي قيادة الحزب التي وصلته بالوراثة، وذلك لأن أعضاء المجلس الأعلى لم ينظروا إليه يوماً على أنه نسخة عن الشهيد السيد باقر الحكيم أو عن والده عبد العزيز الحكيم، هذا فيما يعتبره قدماء المجلس الأعلى أقل شأنا منهم وإنهم أحق بقيادة المجلس منه، لقد أسس حزباً يكون هو أولاً مؤسساً له وثانياً لا يعاني فيه من تحدي القيادة وثالثاً يمكنه من خلاله أن يتواصل مع جيله وجيل الشباب في العراق.

وبهذا الشكل فإن خطوة السيد عمار تمثل أيضاً نوعاً من إبعاد الأشخاص القدماء في المجلس الأعلى وقد أوجدت تحديات حقيقية بهذا الخصوص وأثارت ضجة والكثير من القال والقيل حول مغزى هذا القرار وهي ضجة سوف تستمر لفترة من الزمن، ومن المستبعد أن يقبل القدماء في المجلس الأعلى براحة القرار الذي اتخذه السيد عمار الحكيم بل سوف يثيرون حول هذا القرار العديد من الإستفهامات القانونية والسياسية وحتى الشرعية، وعليه أن يجد الرد المناسب لهذا التحدي وأن يتمكن من إدارته بحكمة.

الخصائص التي يحتاج إليها القائد الحقيقي

بالطبع إن الأمور التي ذكرت ليس كافية لخلق قائد حقيقي، فإن ما يجعل شخصية ما قائد كامل يملك كاريزما حقيقية هو إيمانه بأهداف عليا ومسيرة واضحة ورؤية استراتيجية، وأفكار عميقة، وبرنامج مدروس، ويكون من أهل العلم وينظر بواقعية ويملك نظرة مستقبلية ويقبل بالمشاركة ويعتمد على مدراء فاعلين ويتعاطى بحكمة ومسؤولية ويتميز بالإبداع في الفكر والعمل، ويأخذ بعين الإعتبار الفوارق والإختلافات ويرحب بالإنتقاد ويبتعد عن الإستبداد بالرأي ويقبل بحرية الفكر والخطاب، ولديه قدرة على إتخاذ القرار في الظروف الصعبة، ويتقبل المخاطر، ويبث روح الأمل، ولديه القدرة على تعبئة القوى، ويتمتع بالمرونة، ويعترف بالخطأ، ويتميز بالشفافية والحذر من الفساد والإنحراف، ويتصف بالكرم والأصالة، والذهن المتوقد، ويكون مظهرا للقوة والعزة وتحمل المسؤولية والصبر والمثابرة والفطنة والسخاء والإيثار.

إن السيد عمار يتمتع بميزات خاصة وقد تمكن من تنمية نسبة كبيرة من هذه الصفات في داخله ومن هنا فقد اعتبر من بين الشخصيات البارزة في العراق، إن السيد عمار يدرك خطورة الظروف الراهنة، ويعرف جيداً إن الطريق طويل وصعب وهو بحاجة باستمرار إلى التصويب وتقبل الإنتقاد والآراء الأخرى بصدر رحب، مع هذا فإن السيد عمار يتمتع بخصائص تجعله مميزاً ومتفوقاً على صعيد الفكر والأسلوب في المستقبل.

هل يمكنه أن يملأ فراغ أجداده؟ هل يمكنه أن يتقدم بخطوات على نهج الإمام موسى الصدر؟ هل يمكنه أن يستبدل العنف والنزاع بالحوار والتواصل؟ هل يمكنه أن يتحول إلى حلقة وصل بين الحاكم والمرجعية والشعب؟ هل يمكنه أن يتحول إلى محور للإستقرار في عراق مضطرب؟ هل يمكن أن يحول حزب الحكمة من حزب سياسي يسعى إلى استلام السلطة إلى محور لبعث الأمل والحكمة؟ هناك الكثير من الآمال لكن ينبغي الصبر.

مرقد الشهيد آية الله السيد باقر الحكيم والمرحوم حجة الإسلام السيد عبد العزيز الحكيم في النجف الأشرف.

 

* کاتب  و صحفی ایراني ومدیر عام وکالة شفقنا- موقع التعاون الدولي الشیعي للأنباء. تداول الکاتب في مقال آخر تحت عنوان «مدرسة السيستاني» خصائص المرجعية الشيعية في العراق وسلط من خلاله الاضواء على سماحة اية الله العظمی السید السیستاني.     

* بقلم الدكتور ابوالفضل فاتح (خريج جامعة اكسفورد)

[429: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني