خشية الطغاة من الأئمة الهداة
جميل ظاهري
2017/07/24

يوثق التاريخ كيفية المخاوف التي تنتاب الحكام الطغاة من دور أئمة أهل بيت الوحي والرسالة عليهم السلام وأتباعهم وأنصارهم الأحرار، في الوسط الاجتماعي لما يقومون به من توعية للناس وتعليمهم رفض الظلم والطغيان والتزوير والتحريف، وسبل كيفية تمسكهم بحبل الله المتين وبلوغ المدارج الرفيعة للايمان والتقوى الى جانب العلوم والمعرفة الدينية والدنيوية؛ هي نفس الصورة التي تعيشها الأمة على طول تاريخها منها الصورة الدموية التي نعيشها اليوم في منطقتنا بسبب حكام الجور والإجرام وفقههم الوهابي التكفيري العابث بمقدرات ومقدسات الأمة ومنتهكاً لجميع المحرمات. 

لقد تحمل أئمة أهل بيت النبوة والإمامة عليهم السلام أجمعين الذين إصطفاهم الله سبحانه وتعالى أبشع أنواع العذاب والإجرام في مسيرة هداية البشرية وريادتها وإصلاح الأمة والحؤول دون العبث بمعتقداتها وإيمانها حيث هم أهلاً للهداية الربانية ومناراً صادحاً للحرية والعزة والكرامة ومنبعاً نابضاً لا يجف للعلم والعلوم للبشرية جمعاء، فنرى غير المسلمين أخذوا العلم والمعرفة والحكمة والعقلانية والعلوم الحديثة والمتطورة من منهاج أهل البيت عليهم السلام فيما المسلمون إنشغلوا وأشغلوهم بالفرقة والنفاق تكفير بعضهم البعض وإستباحة دم الأخ للأخ و.... 

الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام السادس من أئمة الهداية الربانية الذي نعيش هذه الأيام ذكرى إستشهاده الأليم على يد طاغوت وديكتاتور عصره المنصور الدوانيقي مسموماً مساء يوم الاثنين (25) شهر شوال سنة (148) للهجرة وله من العمر (65) سنة، متأثراً بسم دسه إليه المنصور العباسي على يد عامله على المدينة، محمد بن سليمان ونحن اليوم نعيش هذه الذكرى الأليمة والفاجعة الكبيرة، بعد أن أحرق باب منزله ليعيد الى الذاكرة جريمة إحراق باب الوحي ومنزل فاطمة الزهراء (ع)، وفاجعة إحراق خيام آل الرسول (ص) في واقعة الطف بكربلاء، لسبب حقده الشديد على الامام الصادق (ع) وخوفه من إلتفاف الناس حوله حيث كان أبرز الأئمة الهداة في كشف العلوم الحديثة وتنظيرها وتنوير أفكار البشرية، خلف كماً وافراً من العلوم والأحاديث وتوزعت رواياته على شتى صنوف العلم والمعرفة من المسائل الفقهية والكلامية و.. ومن هنا نسب المذهب الشيعي اليه (ع). 

كثيرة هي المكاتب التشريعية والتوجهات والرايات التي رفعت وأنطلقت من هذا الفكر أوذاك بقوة وحماس وإندفاع، سرعان ما خفت نورها وأضمحلت حلولها وتبددت مخططاتها ونكست أو كسرت في زمن المواجهة والأزمة لتجد طريقها نحو مزبلة التاريخ ولم يبق لها أدنى اثر ملموس مهما سعت حتى تلك التي رفعت يافطات وشعارات إسلامية مزيفة سرعان ما تبين انها بعيدة كل البعد عن الدين الاسلامي المحمدي الأصيل ومنها ما نعيشه في زمننا الحاضر وما نراه كالفكر الوهابي - السلفي الذي زرعته أفكار مزورة منحرفة جاهلة منحطة قبلية دنيئة إستعمارية عميلة إدخلت الإسرائيليات في ديننا الحنيف، وأوجد الكثير من الحركات التكفيرية الارهابية التي أخذت تعيث بالبلاد والعباد الفساد وتبث الرعب والخوف وتقتل وتذبح وتسبي وتدمر وتستبيح بإسم الدين السمح . 

التحولات التاريخية، والسياسية ينشأ عنها تحولات جذرية في الأفكار والتوجهات. إلا أن البقاء والاستمرار يكون للأقوى والحقيقة الربانية الملموسة لمس العقل والعين، ولمن أسس بنيانه على تقوى الله سبحانه وتعالى والسير ما أوصى به الرسول الأكرم محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين ومنها ما جاء في حديث الثقلين الشهير الذي رواه القوم جميعاً بألفاظٍ مختلفة حتى "أبن تيمية" زعيم فريق الانحراف والتزييف والتزوير وأحقد الحاقدين على الرسول (ص) وأهل بيته الكرام عليهم السلام (منهاج‌ السنة‌: 7/394، الانتصار للصحب‌ لإبراهيم‌ بن‌ عامر الرحيلي‌: 556 )، ومنه ما جاء في الترمذي 5|621 و الدر المنثور 2|60 و صحيح الترمذي 15|621 والبخاري وغيرهم، حيث قال الرسول (ص).. " أيها الناس: إني تارك فيكم ما إنْ أخذتم به لنْ تضلّوا بعدي، أمر بيّن، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي، وإنهما لنْ يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض"؛ أو كما جاء في المستدرك على الصحيحين 3|110 و 3|533، بقوله (ص).."أيّها الناس إني تارك فيكم أمرين لنْ تضلّوا إنْ اتبعتموهما، وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي" . 

لقد عاش الامام جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام في عصر الاتجاهات غير المتجانسة فجمع (عليه السلام) بين المتفرقات وفرق بين المجتمعات ، وكان (عليه السلام) مدرسة شاملة ومستوعبة لكل ما تحتاجه الأمة في حاضرها ومستقبلها ومعبّراً عن طموحها وتطلعاتها. وعاشر الامام (ع) خلال ايام حياته المباركة ملوكاً من بني أمية وبني العباس في حقبة من الزمن كان الصراع بينهما على أشده الى جانب انتفاضات العلويين والزيديين والقرامطة والزنج وسواهم من طالبي السلطة.. مما أتاح للامام جعفر الصادق (عليه السلام) ممارسة نشاطه التبليغي والتصحيحي ودوره العلمي والتربوي على أكمل وجه ويتمتع الاسلام الحنيف والمسلمون وعامة الناس بالمعارف الالهية والحكم النبوية والأسرار العلوية والحقائق الدينية والدنيوية.

فانصرف الامام جعفر الصادق عليه السلام عن الصراع السياسي المكشوف نحو بناء مقاومة علمية، وفكرية، وسلوكية، تحمل روح الثورة وتقاطع حكام الجور وسلاطين الظلم عبرطريق نشر الوعي العقائدي، والسياسي، والتفَقُّه في أحكام الشريعة المحمدية الأصيلة ومفاهيمها ويثبت لهم المعالم والاسس الشرعية والواضحة كقوله عليه السلام: "العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم"- اصول الكافي ج 2 . 

منهله (ع) عذب لرواده، ومنتج لقصاده. يزدحم أهل الفضل في رحابه، ويشرفون بتقبيل أعتابه. والكل يرجعون بطاناً مرويّين يشهدون بقوة حجته وشدة عارضته، يذعنون له تسليماً واطمئناناً، ويعترفون بمرجعيته تقديراً واحتراماً. 

لم تكن علوم الامام الصادق (عليه السلام) محصورة بعلماء المسلمين بل تداولها واستفاد منها وتعلمها علماء وطلاب علوم سائر البلدان والاديان أكثر بكثير مما أهتم به المسلمون ولسوء الحظ رغم وقوفهم جميعاً من أن أهل البيت عليهم السلام هم خزان علم الله وورثة أنبيائه؛ حيث قصـده الطالبون من مختلف البلاد والأقاليم حتى اجـتمـع في مـحضره أربعة آلاف طالب علم؛ ألقى عليهم (عليه السلام) من غوامض الحكم وحقائق العلوم، وأظهر ما أخفى آباؤه وأجداده خوفا من فراعنة بني أمية ، فشرع بترويج حقائق الشريعة المحمدية الاصيلة وإظهار أسرارها، وبيان رموزها ونشر أحكامها، حتى أشرقت شمس الهداية على البلاد، وسطع نور العلم على العباد، وكل أخذ على قدر ذوقه واستعداده واشتياقه من الحكمة والفقه والأخلاق وسائر العلوم مثل الجغرافيا وحتى الكيمياء ومن الجاذبية ودوران الأرض حتى علوم الخلايا والطب و...غيرها رغم انه (عليه السلام). 

كان الامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أول من قال بدوران الأرض حول الشمس، وأول من أشار الى الأوكسجين، والى الجاذبية، والى أن الأعراض لها جزئيات (اللون، الطعم، الرائحة)، ومن فنّد نظرية العناصر الأربعة التي يذهب إليها أرسطو وصححها علمياً. ثم أن من نظرياته في الطب التي توصل إليها قبل الآخرين انتقال العدوى عن طريق الضوء، وليس عن طريق الهواء الملوث فقط. وله نظريات في الفيزياء والكيمياء والأحياء، والطب، والفلك والهيئة والبيئة و... غيرها (كتاب "الامام الصادق كما عرفه علماء الغرب" لمجموعة من البحوث تم طرحها في عدة ملتقيات دولية علمية نظمتها جامعة "استراسبورغ" الفرنسية عام 1968م، شارك فيها مئات العلماء من شرق الأرض وغربها استعرضت حياة الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام العلمية طرح خلالها خمسة وعشرون من أشهر العلماء والمستشرقين في جامعات فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وسويسرا وبلجيكا وأميركا ولبنان وإيران). 

[2246: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني