حاجة البلاد لهيئة قرار موحدة
الدكتور عادل عبد المهدي
2017/01/05

يوفر الدستور نظرياً واجرائياً الاطارات لقيام حكومة منسجمة وفاعلة، ولمنع اي عطل او فراغ. اما عملياً فان احتكار الدولة وتفكك مؤسساتها، واستمرار الكثير من ممارسات ومفاهيم النظام القديم، والمواقف المتضادة للقوى والمكونات، وتعارض السلطات التشريعية والتنفيذية او الاتحادية والمحلية، ولد حالة تعطيل وعدم اتفاق على فلسفة الدولة وسياساتها اساساً. مما اوجد فوضى غير معقولة، وكثرت اعمال التعطيل المتبادل والارتباك المتكرر. وان تحول سياسة التوافق الى سياسة لمشاركة جميع القوى في  الحكومة، وكأن عدم مشاركتها عقوبة لها، قاد لمعارضة داخل الحكومة، وبينها وبين التشريعية والقضائية، فولد اختلاف في المناهج والسياقات، مما ولد الشلل في مجالات عديدة، وافقد البلاد مركز قيادتها وقرارها الحقيقي.

لحين استقرار الاوضاع، والقبول العام بالمنطق الدستوري والمؤسساتي لابد من اخراج البلاد من الارتباك والعطل والفراغ. ولعل الخطوة المطلوبة، والتي طرحت مراراً، هي بقيام الكتلة السياسية الاكبر، غير المتفردة من حيث المكونات والقوى. كتلة اساسها "الاغلبيات" البرلمانية المتفقة على منهاج عملي وتطبيقي مدروس للعهد الوزاري. ليتأسس مركز قرار قريب من جهة، في رسم التوجهات العامة، ومن جهة اخرى، بعيد وغير متأثر باغراءات الحكومة والدولة. تؤسسه الكتل البرلمانية لـ"الاغلبيات" السياسية، وحكومتها، مما يمنع اي تفرد او ضياع.. ولابد اولاً من الاتفاق تماماً على الامور ادناه على الاقل:

1- ان تُعطي الاولوية في بناء الدولة للمعايير الدستورية والمؤسساتية، وان يفعّل مجلس الخدمة لانهاء تصادم الاحزاب فيما بينها، وبينها وبين الجمهور في مواقع الدولة.

2- ان يُتفق على سياسات انهاء احتكار الدولة، وجعل المجتمع والشعب اقدر واقوى واكثر ضمانة، وهو الرافد الاساس للدولة، لتكون قوتها من قوته.. والتحول الى دولة عصرية مدنية متكاملة تحفظ حقوق المواطنين، وتجعل العراق قوياً بتوجهاته ومؤسساته وطرق عمله.

3- ان تحمى المعارضة او المعارضات الدستورية لممارسة عملها بكل اطمئنان ووفق القانون.

اذا تم الاتفاق الفعلي وليس اللفظي على ذلك، وهو كله دستوري وقانوني، فنخرج من نظام "الديمقراطية التوافقية" او "المحاصصة الحزبية" او استيزار حتى المخالفين نظرياً وعملياً للمنهاج الحكومي، وسيصعب تحقيق ذلك دون تشجيع المعارضة السياسية الدستورية وحمايتها ومنحها الحقوق لممارسة عملها، وعدم اعتبار مخالفتها وفق القانون لتوجهات الحكومة عمل تخريبي.

تعمل الدول كافة على تعزيز القيادات المسؤولة، صاحبة التيارات الكبرى في البلاد والفائزة بالانتخابات، وتطوير فكرة القيادات الداعمة. ففي ظروفنا، ولوقف النزف المستمر، واستغلال الاعداء للفوضى، لا يمكن للبلاد ان تخرج من اختناقاتها دون الوصول لحكم الاغلبية السياسية، وحماية الاقلية السياسية، ومنع اية قوانين او تأسيسات تخالف الدستور، او تستمر على حكم البلاد وفق عقلية النظام المركزي الاستبدادي الاحتكاري الريعي السابق، او تخليد الطبقة السياسية الحالية وقواها، او غلق الطريق امام عملية البدائل والتداول السلمي.. بخلافه سنصل الى وضع يمهد لما لا يحمد عقباه من احتمالات، قد يراها البعض مستحيلة اليوم، لكن تعمق الفراغ والعطل والفوضى، قد يوفر ظروفها غداً.

لابد من تمكين رئيس الوزراء والحكومة من السير بصرامة وحزم لتنفيذ المنهاج الحكومي الذي نالت الحكومة الثقة بموجبه، والايفاء بالعهد الوزاري. فالنجاح هو بتطبيق المنهاج، وليس بالاستمرار بترضية هذا وذاك.. والخضوع لهذا المطلب او ذاك.. والتقلب بين هذا الرأي وذاك. لابد من توفير عوامل القوة لمجلس الوزراء ورئيسه، بعيداً عن الهروب للامام، بالكلام عن التكنوقراط والمستقلين والحزبيين. وان تكون قوة رئيس الوزراء والوزراء بتوفير الانسجام وعنصر التضامن والكفاءة، وفق مبدأ المسؤولية الشخصية والتضامنية. وان رئيس مجلس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة، وليس القائد العام للبلاد وللسلطة التنفيذية، وذلك كله وفق مبدأ الفصل بين السلطات، التي تتمتع بكامل صلاحياتها وفق قوانينها والدستور، ليس الا.

الخلافات السياسية امر طبيعي، فاذا لم تنظم، الان او في المستقبل، فستتحول الى صدامات. فيجب صرفها في مجاريها الطبيعية. فتتفق الوجهات المتقاربة على منهاج واضح ليكون عهداً وزارياً.. ليلتقي المخالفون بمناهجهم، فيقارن الشعب ويختار الافضل.

[1974: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني