صَدِّقُوهُ وَلا تُصَدِّقُوا غَيْرَهُ!
نزار حيدر
2016/02/27

 يبدو لي انّنا الان ندخل مرحلةً جديدةً من مراحلِ الحربِ على الفسادِ، مُبتدأَها المثل العراقي المعروف [لو تخاصمَ اللّصوص إِنكشفتِ السّرقةُ].
   فمنذُ ان ظهر علينا قبل مُدّةٍ وجيزةٍ أحد النّواب اللّصوص متحدّثاً من خلال الشّاشة الصغيرة عن الفساد والسّرقات والّلصوصيّة التي لم يستثنِ أحداً من زملائه المسؤولين والسّياسييّن منها، وبكلّ وقاحةٍ وقلّةِ شرف، أعقبتهُ تقارير هيئة النّزاهة التي سمّت للقضاءِ عدداً من كبار المسؤولين بتُهمة الكسب والثّراء الفاحش غير المشروع، واخيراً تقرير لُجنة النّزاهة في مجلس النُّواب الذي نشرتهُ اليوم والذي تحدّثت فيه عن إِهدار ما قيمتهُ (٣٥٠) مليار دولار من المال العام في مشاريعَ وهميّة، من وقتها تتوالى علينا التّهم المتبادَلة بين اللّصوص.
   وبرأيي، فانّ أفضل شاهد على اللّصوصية والفساد هو الذي ينتمي الى فصيلةِ الفاسدين أنفسهم، فهو الشّاهد الوحيد الذي لا يطعن بهِ رفاقهِ المشاركين في الفساد، فعندما يشهد {شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا} يصمُت جميع اللّصوص والفاسدين، او هكذا ينبغي!.
   لذلك ينبغي لنا ان ننصُت للّصوص وهم يفضحون بعضهم!.
   انّ ايّ تقريرٍ مُعتبر يصدر عن الفساد، ومن ايّةِ جهةٍ تكون، يطعنُ فيها [العُجُول والذُّيول] لأنّهم لا يريدونَنا ان نصدّق قولاً غَيْرَ الذي يُدلي به عِجْلٌ يثنّي عليهِ ذيلٌ أو أكثر من ذيولهِ، فكلُّ مَن عداهُ مشكوكٌ بنواياهُ ومطعونٌ بدوافعهِ، على قاعدة المثلِ المعروف [قيلَ للكلبِ مَن هو شاهدُكَ على ما تقول؟ أجابَ؛ ذيلي!].
   فاذا صدرَ التّقريرُ عن مؤسّسةٍ دوليّة، أميركيّةٌ مثلاً، فلا ينبغي ان نصدّق الإمبريالية العالميّة لانّها تُريدُ تقسيمَ الْعِراقِ! وهي تتأبّطُ بِنَا شرّاً.
   وإذا صدرَ عن هيئةِ النّزاهة فالكيديّةُ واضحةٌ جداً في تقريرِها، والاستهدافُ السّياسيُّ تقرأهُ من عنوانهِ! لانّها مُسيّسةٌ ومدفوعةٌ لتحقيقِ أغراضٍ حزبيّةٍ!.
   واذا صدرَ التّقريرُ عن لجنة النّزاهةِ في مجلس النّواب، فَإِنَّ مَن يصدّقُ محتواهُ والمعلوماتِ الواردةِ فيه مشكوكٌ بعقلهِ ووعيهِ، اذ كيف يمكنُنا ان نصدّق كلامَ جِهَةٍ كلّ أعضاؤها مشبوهون وتدورُ عليهم أَكثر من علامةِ استفهامٍ، منذُ اوّل لجنة تشكّلت ولحدِّ اليوم، حتى اذا كانت هذه اللّجنة تشريعيّة ورقابيّة! دستوريّة!.
   انظر كيف يطعنونَ بالمؤسّسات التي هم أسّسوها ثمّ قسَّموا عضويّتها على أنفسهم بالمحاصصة!.
   انّهم يدمّرون الدّولة وهيبتها، وذلك هو الفساد الأعظم الذي يجب ان يُحاكموا عليه، قبل ان يُحاكَموا على فسادهم المالي والاداري!.  
   امّا اذا تحدّثت المرجعيّة الدّينية العُليا عن الفساد الكبير الذي ينخُر بجسدِ الدّولة، داعيةً الى الضّربِ بيدٍ من حديدٍ على رؤوس الفاسدين، فهي بالتّأكيد لا تقصُد أبناءها ابداً [وهم طبعاً كلّ الطّبقة  السياسيّة والمسؤولين في الدّولة العراقية منذ التغيير في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣ ولحدّ الان!].
   كلّهم يتحدّثون اليوم عن الفسادِ والاصلاحِ،  وكُلّهم يوجّهون أصابع الاتّهام الى بعضهمِ البعض الآخر، ولكن لا أَحدَ يُشيرُ بإصبعهِ الى نَفْسهِ! وكم اتمنّى ان يتجرّأ واحِدٌ منهم على الأقلّ فيُشير بإصبعهِ الى نَفْسِهِ وليس الى غيرهِ.
   ستكونُ الصّورةُ ذات مصداقيّةٍ اكبر اذا اشار كلّ واحدٍ منهم باصبعهِ الى نَفْسهِ.
   كلّهم يُحاضرونَ ويخطبونَ اليوم في مَشروعِ الإصلاح، وكلّهم تبيّن لنا انّهم يمتلكون رؤية ومنهج وورقة للإصلاح، وكلٌّ يتخندق وراء عنوانٍ مقدّس يحترمهُ الشّعب، فهذا يتخندق خلفَ العنوان المرجعي وذاك يتخندق خلف عنوان الشّهادة والتّاريخ والاسرة، وثالث يتخندق خلف عنوان المقاومة والممانعة والحشد، ورابع وخامس، وما أكثرها من عناوين كادوا ان يشوّهوا مصداقيّتها!.
   انّهم يخلطونَ الامور والعناوين والمفاهيم ليفلتوا بجلدهم، وصدق الله العظيم الذي قال في محكم كتابه الكريم {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}. 
   اتذكّرُ مرّةً سمعتُ بأذُنَيَّ هتين السيد رئيس مجلس الوزراء السابق يتحدّث للجالية العراقية هنا في واشنطن عن مَشروعِ بناء (٧) آلاف مدرسة في عموم العراق تمّ التعاقد به مع شركةٍ عالميةٍ على ان تُنجزهُ خلال عامَين فقط، لتحلّ حكومتهِ بذلك مشكلة التّعليم والمدارس الطِّينِيَّة ومدارس القصب والنّقص بالرّحلات والمدارس ذات البناء المُهترئ والآيل للسّقوط، والمدارس التي ليس فيها دورات مياه وغير ذلك الكثير الذي ورثتهُ حكومتهُ من النّظام البائد!.
   كان ذلك في العام ٢٠١١ خلال احدى زياراتهِ المكوكيّة الى الولايات المتّحدة، والتي لم يفهم العراقيّون الى الان ما الذي جنَوهُ منها، ومع مرور حوالي خمسة أعوام على بشارتهِ تلك، الا انّ قطّاع التّعليم لازال يتدهور بشكلٍ مُتسارع يوماً بعد آخر.
   انّهُ أحدُ المشاريع الوهميّة من مجموع آلاف المشاريع الوهميّة التي تتحدّث عنها تقارير الفساد في العراق، والتي اهدرت جزءاً من مبلغ الـ (٣٥٠) مليار دولار الذي تحدّث عنه اليوم تقرير لجنة النّزاهة النيابيّة.
   لقد أهدرَ ألْفَسادُ أموالاً طائلةً من ميزانيّة العراق، كما اضاعت المشاريع الوهميّة اضعافها، ومع ذلك لم يتحمّل احدٌ لحدّ هذه اللحظة المسؤولية ابداً لا الحقيقيّة منها ولا الاخلاقيّة ولا أيّ نوعٍ آخر من المسؤوليّة، وهو دليلٌ على استهانتهم بالدّولة والشّعب والمال العام، بالماضي والحاضر والمستقبل!.

   انّ العراقيّين يُطالبون اليوم، وبالحاح، ان يقفَ [عِجْلٌ سمينٌ] واحِدٌ على الأقل امام القضاء خلفَ القُضبان ليعرفوا اين ذهبت كلّ هذهِ الأموال؟ ولماذا افلست الدّولة بعد تلك الميزانيّات العامّة الانفجاريّة؟ هل انّها تبخّرت في الهواءِ مثلاً؟ او سرقتها الصّهيونية العالميّة؟ او حملَها مَلَكٌ على جَناحَيه وصعد بها الى السّماء السّابعة؟ ام حملها عفريتٌ من الجنِّ على بِساطِ سُليمان ورمى بها في صحراءٍ او في جُبٍّ عميقٍ؟ ام ماذا؟!.
   شخصيّاً، اعتقدُ انّ أفضل من يمكنهُ ان يُحيبَ على كلّ هذه الأسئلة وغيرها الكثير، هو رئيس الحكومة السّابق، 
فحسب معلوماتنا المتواضعة فانّ الموما اليه لازال يحتفظ بالملفّات التي ظلّ يعدَنا بها طوال فترة حكمهِ التي دامت (٨) سنوات!.
   والمُستغرب هنا، كيف انّ (النّزاهة) لم تأتِ على اسمهِ لحدّ الآن! على الرّغمِ من انّهُ من اكثر المسؤولين الذين يحتفظون في ذاكرتهم بالأسرار وفي أدراجهم بالملفّات الحسّاسة والخطيرة!.
   لا ينبغي ان يظلّ مصير هذه الأموال الطّائلة مجهولٌ عن العراقييّن لا يعرفونَ شيئاً عنها!.  
   انا اعتقد انّ علينا كمواطنين ان لا نُصدّق من الان فصاعداً اي كلامٍ عن الفساد الا اذا ادلى به لصٌّ او فاسدٌ او مُرتشي، وتحديداً ان يكون من السياسيّين والمسؤولين أنفسهُم، لأنّهم اعرف ببعضهِم واعلمُ بخفايا الفساد من أَكبر مؤسّسة رقابيّة عالميّة كانت او محلّيّة!.
   وانا اتوقّعُ انّنا سنسمعُ من الان فصاعداً الكثير من هؤلاء اللّصوص والفاسدين وهم يتحدّثون عن خفايا وخبايا الفساد، بعد ان دبّ الخلاف بينهم، فستترى الفضائح على السنتهِم.
   ٢٤ شباط ٢٠١٦ 
  

[194: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني