ضرورة كتلة الاغلبية السياسية البرلمانية
الدكتور عادل عبد المهدي
2016/02/18

خلافاً للولايات المتحدة فان اعضاء السلطة التنفيذية عندنا هم ليسوا سكرتاريات كالنظام الامريكي، كما ان المجلس ككل ليس جزءاً من السلطة التشريعية كالنظام البريطاني. وان تشكيل الحكومة لا يتم باختيار رئيس مجلس الوزراء ليقوم لاحقاً باختيار وزرائه، بل اشترط اختيار رئيس الوزراء ومنحه شهراً واحداً لتقديم حكومته التي يجب ان تحظى هي والمنهاج الحكومي بثقة مجلس النواب.. فان فشل رئيس الوزراء في مهمته خلال الشهر، فان على رئيس الجمهورية اختيار رئيس وزراء اخر (المادة 76/ثانياً). لذلك تعامل الدستور مع الحكومة على انها تضامنية وشخصية، وشخص هذه الثنائية في المادة (82). فهي تضامنية لان قراراتها وسياساتها تتخذ وترسم باغلبية اعضائها، لكنها شخصية لان لاعضائها مسؤوليات محددة، خصوصا لرئيس المجلس الذي عرفه الدستور بالمسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، فهو الذي يقوم بادارة مجلس الوزراء، وهو القائد العام للقوات المسلحة (المادة 78).

فالدستور منح صلاحيات للمسؤولين.. لكنه طوق ذلك دائماً –عدا استثناءات حصرية حددها- بالعودة الى السلطة المؤسسة للحق، كالعودة الى مجلس الوزراء او مجلس النواب او حتى الى الشعب في حالة حل البرلمان او الاستفتاء على قضايا محددة.

كانت احدى اهم الملابسات في تشكيل الحكومات السابقة والحالية، الخلط بين مشاركة المكونات ومشاركة الاحزاب. ففي الوقت الذي بدت فيه مشاركة المكونات امراً ضرورياً لوحدة البلاد -خصوصاً عند تأكيد كل المكونات لرغبتها في المساهمة الجادة، وعدم الذهاب الى سياسات تفرد وتسلط او افتراق ومشاريع خاصة- بدت فيه مشاركة جميع (نعم جميع) الاحزاب والكتل امراً معرقلاً لحسن اداء عمل الحكومة. مما قاد الى نتائج سلبية عديدة.. منها اختلاط المفاهيم والمناهج سواء داخل البرلمان نفسه او بينه وبين الحكومة، او حتى داخل الحكومة.. ومنها تضخيم مجلس الوزراء بشكل معرقل، وتحوله الى مجلس ترضيات وليس الى مجلس سياسات وخدمات واعمال. وهو ما حاول السيد رئيس المجلس حالياً الى تقليصه.. بل هو ما قاد وبمرور الوقت الى اختلاط اوراق الجميع. فلم يرَ الجمهور في مجلس الوزراء (ومجلس النواب ايضاً) غير نوع من التوافقات والمحاصصات، يقابلها فوضى من الصراعات، فصار يتعامل معها ككل واحد لا يميز فيها بين طرف واخر. 

من هنا تأتي اهمية كتلة الاغلبية السياسية البرلمانية.. فهدفها ليس تكريس سلطة احد او منازعة سلطة قائمة.. بل هدفها الثبات والواقعية في عمل البرلمان والحكومة. فخلافاً لما جرى حيث يتسابق الجميع للمشاركة، وحيث تمنح الوعود بدون حساب، لتضمن الحكومة اعلى الاصوات لنفسها، ولو على حساب الجدية وقدرة الايفاء في التطبيق لاحقاً، فان المطلوب اليوم اغلبية سياسية تضمن المقبولية الوطنية الواسعة، والمتفقة على منهاج الحد الادنى الضروري الذي لا يمكن للبلاد التقدم بدونه.

اغلبية تتفق تماماً حول عدد مركز ومحدد من البرامج والخطوات المحورية والاساسية، ولا تتعداها الى كل الامور والجوانب التي قد تبقى مورد خلاف، لكنها لا تعطل عمل الحكومة وسياساتها الاساسية. اغلبية احدى علامات جديتها حماية اقلية سياسية معارضة.. فتشعر الحكومة ان لديها سنداً قوياً واكيداً من اغلبية ثابتة وواضحة في البرلمان، وتشعر المعارضة ان لديها مساحات عمل لا تجعل اشتراكها في الحكومة قضية حياة او موت. بدون ذلك ستفقد الحكومة ولي امرها، ومصدر قوتها وتأييدها، وستفتح الباب اما لفراغ سياسي واسع، او لفوضى عارمة واتجاهات خطيرة.

[796: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني