لندحر "داعش" كمجتمع وليس كتنظيم فقط
الدكتور عادل عبد المهدي
2016/02/18

لقد بذلت تضحيات غالية من اجل اخذ زمام المبادرة ودحر"داعش" في بغداد وديالى وتكريت وكركوك وبيجي والرمادي ومواقع كثيرة اخرى، وان شاء الله قريباً في الفلوجة والموصل وبقية المواقع لنطهر العراق من رجس تنظيماته.. وهذا امر عظيم ساعدنا في اعادة تنظيم صفوفنا، وفي امتلاك دفاعات وحصانات لم تكن متوفرة سابقاً.. صحيح هناك الكثير من الاخطاء، لكنها يجب ان لا تغطي الانتصارات الكبرى التي قام بها شعبنا بمختلف مكوناته ومؤسساته وقواه، خصوصاً ما قامت به المرجعية الدينية العليا، دون ان ننسى حركة الدعم والاسناد التي تلقيناها من الكثير من دول الجوار ودول المجتمع الدولي.

يخطىء من يعتقد ان قوة "داعش" هي بتنظيمها وبقدراتها واعلامها واساليبها القتالية ووسائل بثها الرعب في صفوف الناس اساساً.. فكل هذه الامور صحيحة، ويجب الاعتراف بذلك.. لكننا نعتقد ان قوة "داعش" وقبلها "القاعدة" هي في انها امة قائمة بذاتها. انها امة السوء، التي لها امتدادات في بلدان عديدة، والتي لها جذور عميقة في التاريخ، فكراً وممارسة ومؤسسات. هنا الخطر الاكبر، ومن هنا مصدر قوة "داعش" التي باتت تمثل العنوان الابرز لهذه الامة، والتي تؤمن بها اعداد كبيرة من الشباب واجيال غير قليلة من المسلمين. انها نتاج تربية كاملة وعقائد منحرفة وجدت لنفسها ارضاً خصبة في بلدان ومناطق عديدة. فعندما ينصب "البغدادي" نفسه كخليفة للمسلمين، فانه يعرف اي مشاعر يدغدغ، واية منظومة دينية واجتماعية مغروسة عميقاً في التاريخ والحاضر الاسلامي يحرك. لذلك نستنتج بان هزم "داعش" كتنظيم امر ممكن.. اما هزم "داعش" كامة ومجتمع فهذا امر اكثر تعقيداً ويتطلب جهودا كبيرة.

لعل اول واقدر من يستطيع القيام بذلك هم علماء وقيادات ومجتمعات "السنة" انفسهم. بدون هذا سيتعذر القضاء على "داعش"، الذي مهما اوغل في دماء "الشيعة"، فان اذاه وما يحمله من تهديدات للعالم "السني" اكبر بكثير مما يحمله للعالم "الشيعي"، اذا صح التعبير.

فعدوان "داعش" على "الشيعة" هو عدوان من الخارج، بينما عدوان "داعش" على "السنة" فهو عدوان من الداخل. لذلك ما لم تجعل الدول الاسلامية قاطبة محاربة "داعش" كاولوية تتقدم على اية اولوية اخرى، فان "داعش" كامة وكمجتمع سيبقى قوياً، وسيجدد نفسه، وسيستمر في الانتشار. نقول ذلك، لان بعض الدول ترى ان الوقوف ضد "الشيعة" او محاربتهم سيمنحهم التوازن المطلوب لمحاربة "داعش"، وهذا خطأ دفع "الشيعة" و"السنة" ثمناً غالياً بسببه. فلقد برهنت معارك العراق ضد الارهاب و"داعش"، ان المستفيد النهائي لهذه السياسة ستكون "داعش" نفسها، ليأتي البرهان النهائي لخطأ ترتيب الاعداء والاصدقاء دامغاً يهدد مناطق "السنة" وسكانها، اكثر مما يهدد مناطق "الشيعة" وسكانها.. وما حصل في الموصل والرمادي والفلوجة وغيرها افضل برهان على ذلك.. وان الشيء نفسه سيحصل للبلدان الاخرى، ان لم تصحح هذا الخطأ الذي ما زال يربك المعركة ضد "داعش" في العراق وسوريا والخليج وافريقيا وافغانستان، الخ.

اننا في العراق سننتصر على "داعش" تنظيمياً في عموم العراق، ان شاء الله.. وقناعتنا الاكيدة اننا سنكون قادرين، باذنه تعالى، في الانتصار عليه مجتمعياً ايضاً . لان الفكر التكفيري ومؤسساته التي تتعيش منها "داعش" لم تتغلغل عميقاً في النسيج الاجتماعي العراقي، ولأن الغالبية الساحقة ومن كافة المذاهب تقدمت الى حد معقول للتفريق بين الخلافات المذهبية وبين خلافها مع الارهاب والفكر التكفيري الذي تحمله "داعش" ضد كل من يخالفها الرأي. وفي جميع الاحوال، ومهما كانت المجادلات والحجج، فانه "لا يصح الا الصحيح" في نهاية المطاف. والفارق هو هل يجب ان يكون الواقع ومجرياته هو المعلم الوحيد لنا، ام ينتصر الوعي، فيقي الجميع انفسهم خسائر وتضحيات كبيرة.

[793: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني