أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ (٢٩)
نزار حيدر
2015/07/16

السّنةُ الثّانيَةِ

   {يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}.

   أنْ تاخذَ الامر بقوّةٍ، يعني ان تفهم اولاً محتواه وسرّهُ وجوهره، ثم ترعاه بجانبيه، العلم، المعرفة، والعمل.

   مشكلتُنا انّنا لا نرعى امورنا، مهما كان شكلها، في الاسرة او في المدرسة او في الشارع او في العمل او في الجامعة او في السياسة او في الاعلام، حقّ رعايتها، لأننا، برايي، لم نفهم سرّها ومحتواها وفحواها، لذلك جلهلناها من ناحية العلم والمعرفة، ثم فرّطنا بها من ناحية العمل والتنفيذ والانجاز.

   متردّدون وغير واثقين، خائفون لا نمتلك الشجاعة، جاهلون لا علم لنا بها، ثمّ ننتظر ان نأخذها بقوّة!.

   ولو استرشدنا بآيات القران الكريم لمعرفة شروط اخذ الامر، ايّ امرٍ، بقوّةٍ، لاستنتجنا ما يلي؛

   اولاً؛ عندما ننشغل باللّغو، نصغي اليه ونتحاور فيه ونتجادل حوله، فسوف لن ناخذَ امورنا بقوة، خاصة في هذا الزمن الذي يكثُر فيه مرضى القلب الذين يشغلوننا بنشر الاكاذيب والتهم والافتراءات ضِدّ كلّ من يتصدى لعملٍ، فيحترق النزيه بسعر الفاسد، وهذا هو ديدنهم، انهم يستغلّون حالة الفوضى الإعلامية وانتشار الفساد في البلد لبث التّهم ضِدّ كلّ من يختلفون معه بأيّ شيء ممكن، ولذلك لم يسلمْ من لسانهم القذر أحدٌ.

   لقد حذّرنا الله تعالى من اللغو بقوله {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} وقوله تعالى {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} وقوله عزّ من قائل {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} ومع كلّ هذا ترانا مشغولون باللّغو اكثر وقتنا.

   وصدق أمير المؤمنين (ع) الذي قال {إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلاَمُ} والمقصود هنا طبعاً اللّغو، اي الكلام الزائد.

   الى متى نُصدّق كل ما يصل إلينا من شائعات وأكاذيب وافتراءات؟ اوَلَمْ يحذّرنا القران الكريم بقوله {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}؟ او لم يقلْ امير المؤمنين (ع) {اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَة لاَ عَقْلَ رِوَايَة، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ}؟ فلماذا، اذن، نصدّق كلّ شيء ونتداول ونتناقل كلّ ما يصل إلينا؟ أَفَهَلْ نظنُّ انّ بمثل هذه العقليّة سنأخذ الامر بقوّة؟ ورأسنا مليءٌ بالاكاذيب والافتراءات والدعايات؟ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَفَلَا تَذَكَّرُونَ* أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ* فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

   ليضع كلّ واحدٍ منّا حداً لاتّباع اللغو والانشغال فيه ومداولته ومزاولته، وليُلقِم كلّ واحدٍ منّا (اللغوييّن) حجراً لنوقفهم عند حدّهم، واذا رأيناهم تمادَوا في لغوهم فلنقاطعهم ونفضحهم ونحذّر المجتمع منهم.

   انّهم ليسوا جهلةً ولا هم غافلون، انّهم يقصدون ما يفعلون، ويقصدون ما ينشرون من افتراءات وأكاذيب، مستغلّين غفلة الناس الذين يمرّرون كلّ ما يصل اليهم، انهم مرضى القلب لا يجدون دواءهم الا في نشر التهم وبث الافتراءات ضد هذا وذاك، ولقد وصفهم القران الكريم بقولهم {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وانّ اسوء ما فيهم هو انّك عندما تحذّرهم من مرضهم يرفضون تحذيرك معتبرين انفسهم زعماء الإصلاح وقادته وسادته! قال تعالى عنهم يصفهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ} وهذا اكبرُ دليل على مرضهم!.

   وانّما تكثر الامّعات في المجتمع، ويصدّق الناس الشائعات والتهم والافتراءات، بسبب الجهل واخطر منه الجهل المركب، فعندما يكثر النّوع الثّالث من الناس على حد قول امير المؤمنين (ع) {النَّاسُ ثَلاَثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاة، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِق، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلَى رُكْن وَثِيق} عندها لا تتوقّع انّنا سنأخذ امورنا بقوة ابداً، فالجهلُ عدوٌّ مدمّر يعتاشُ عليه كلّ الأعداء الاخرين في المجتمع كالإرهاب والفساد والفشل وغير ذلك.

   ثانياً؛ مَنْ يسترسل مع الخطأ ولا يتوقّف بين الفينة والأخرى للمراجعة وجرد الحساب، فلا يمكن ان ياخذَ الامر المتصدّي له والذي يحمل مسؤوليته، بقوّة.

   انّ كلّ متصدٍ يمرّ بتحدّياتٍ مستمرّةٍ، متنوّعة، فاذا لم يُعد حساباته ببن الفترة والأخرى، ويتوقف قليلاً ليعرف الى أينَ هو ذاهب؟ فسوفَ يجدُ نَفْسَهُ بعد فترةٍ في طريقٍ غير الطّريق الذي بدأه، ولذلك قال تعالى {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} ومن الواضح فانّ التوبة لا تتحقّق الا بعد اكتشاف الخطأ والخلل، والذي لا يتحقّق بدوره من دونِ رقابةٍ ومحاسبةٍ، وما أجملها اذا كانت ذاتيّةٍ، ما أجملها اذا خَلَقَ كلّ واحدٍ منّا من نفسه رقيباً ذاتياً عليها، كما يقول امير المؤمنين (ع) {مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، ومَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ} أوليسَ ذلك بافضلِ منْ انْ ينتظرَ ليراقبهُ ويحاسبهُ الاخرون؟ وهذا؛ أوليسَ بافضل منْ انْ ينتظرَ يوماً تشهد فيه عليه أعضاؤه؟ يَوْمَ لا ظلّ الّا ظلّه تعالى {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. 

   ثالثاً؛ ان نفكّر ونخطّط بطريقةٍ وعقليّةٍ استراتيجية، فالانشغال بالتّوافه وبملايين التكتيكات لا ينفع في بناء مجتمعٍ سليمٍ ناجح ومتمكّن.

   صحيح انّ التكتيكات أسهل وأيسر علينا، خاصةً وأنّنا بطبيعتنا مستعجلون على النّتائج، الا ان التكتيكات مثل النار في (العاقول) سريعةِ الاشتعال وسريعة الانخماد، امّا الاستراتيجية فهي مثل النّار في الحطب، بطيئة الاشتعال ولكنّها تاخذ وقتاً طويلاً ان ان تنخمد.

   والتفكير الاستراتيجي بحاجةٍ الى رؤيةٍ استراتيجيةٍ، والاخيرة بحاجة الى علمٍ ومعرفةٍ وارادةٍ استراتيجية، بحيث لا يتركها المرء كلّما مرّ بتكتيكات لأيّ سببٍ من الأسباب.

   ينبغي ان لا تشغلنا التكتيكات عن استراتيجياتنا، فاستراتيجيّة واحدة تُعادلُ مليون تكتيك، والتكتيك لا ينفعُ شيئاً اذا غابت الاستراتيجية عن وعينا، لانّهُ يُرادُ لها. 

   أُنظُر كيف يعلّمنا القران الكريم ان نفكّر برؤية استراتيجية، عندما يقول تعالى {وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ}.

 

[153: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني