أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ (٢٨)
نزار حيدر
2015/07/16

 السّنةُ الثّانيَةِ

 {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

   ففي زمنِ التّحديات التاريخية العظيمة، لا يكفي ان تأمر الجماعة بالمعروفِ وتنهى عَنِ المنكر، بل يجب ان تتعدّى العلاقة فيما بينهم ذلك الى التّواصي، وكأنّه يحمِلُ بعضهم بعضاً، في الاعتقادات والعمل، من جانب، وفي الصّبر على المعاصي وعلى الطّاعات والبلاء، من جانبٍ آخر.

   وانّ من اصعب التّواصي عندما يشمل الشأن العام، السّياسي على وجه الخصوص، لانّ تحدّياته اكبر وأدواته اخطر، ولذلك قلّما تجد جماعةً سياسيّة تتواصى فيما بينها بالحق والصبر.

   انّ اغلبها لا تتحمّل مثل هذا التّواصي حتى في داخل صفوفها، ولذلك نجدها تنشقّ دائماً وتتكاثر اميبيّاً، وهذا دليلٌ على انّ الهدف ليس التعاون من اجل الخدمة العامة التي تحتاجُ، في اغلب الأحيان. الى رقابة صارمة وتصحيح وترشيد، ربما بصوت عالٍ وأحياناً عن طريقة الكيّ، وانّما الهدف هو السّلطة والنفوذ، والا ماذا يعني ان يترك احدهم العمل في صفوف حزبه، الذي قضى فيه مدة نصف قرن من حياته، لمجرّد ان قيل له تنحّى عن السلطة؟!.

   نعم، فان كل جماعة تتربص بالجماعات الاخرى لفضحِها وكشف سوآتها، في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، امّا فيما بينها فترى انّ كلّ واحدٍ فيها يتستّر على رفاقه ويدافع عنهم بالحق وبالباطل، لانّهم عادةً ما يتورّطون بالباطل فيحملُ بعضهُم البعض الاخر.

   فمتى تسمع منهم كلمة الحق والصدق؟ عندما يختلِفون فيما بينهم، فيبدأ شرّ الغسيل القذر من على الفضائيّات! فأين كُنتَ، يا ترى، طوال هذه السنين؟ المْ تكنْ جزءاً من الجماعة؟ لماذا أَفَقْتَ الان فقط من سِنَتِك؟ لماذا انّبك ضميرك الان فحسب؟! كما تدّعي لتبرير كلامك ضِدّ جماعتك؟!.

   طبعاً، فان السبب الحقيقي لا يتعدّى احد أمرين؛

   فامّا انّه خسر الان امتيازاتهُ ومصالحهُ مع الجماعة فيبدأ بفضحها.

   او انّه بدأ يشعر بانّ جماعته، او زعيمها، أضحت حصاناً خاسراً لا ينبغي ان يظلّ يُراهنُ عليه، ولابدّ من تغيير الولاء للقادم المحتمل الذي سيُمسك بالسّلطة والقوّة! وينبغي تقديم الولاء له من الآن، ولا يمكن ذلك الا بفضحِ الجماعة ليتأكد القادم المحتمل من انفصالي عنها وبالتالي يقبل ان أكونَ جزءً من جوقتهِ الجديدة.

   هذا هو حال مجتمعنا، للاسف الشّديد، تحكمه الانتهازيّة والوصوليّة والمصلحيّة التي تجذّرت بسبب تحوّل السلطة الى محوريّة في كلّ شيء، في الامتيازات وفي الفرص وفي الإمكانيّات وفي الوجاهات وفي التقييم وفي المكانة الاجتماعية وفي كلّ شيء.

   اننا بأحوج ما نكون اليوم الى تكريس حالة وثقافة التّواصي فيما بيننا وعلى مختلف المستويات، في الاسرة وفي المدرسة وفي الشّارع وفي العمل الحزبي وفي كل المستويات الاخرى.

   ومن اجل تحقيق ذلك، ينبغي ان نتسلّح بما يلي؛

   ١/ ان نتميّز بأرقى مراحل سعة الصدر، فلا نضيق من ملاحظة ولا ننتفض من كلمة تناقضت مع رأينا او نثور من موعظة.

   ٢/ ان نتذكّر بأننا في مركبٍ واحدٍ ينبغي ان لا نسمحَ لاحدٍ ان يخرقهُ، لأنّنا سنغرق جميعاً وليس لوحده، ولذلك يجب علينا جميعاً ان نروّض انفسنا على الاصغاء للرّاي الاخر وإِن كان مراً او لا ينسجم مع ما نعتقد به.

   ٣/ ان نفعلَ المستحيل من اجل خلق الأجواء الآمنة للراي الاخر ليتجرأ الجميع على قول رايه متواصياً بِالْحَقِّ والصبر، فلا يُطردَ احدٌ بسبب رأيٍ او يُحاصر آخر بسبب سؤالٍ او يُقاطع ثالثٌ بسبب ملاحظة، او يُقطع راتب رابعٍ بسبب نقدٍ، فان اجواء الخوف والارهاب في وسط الجماعة تُساعدُ في نموّ حالات الانتهازيّة والوصوليّة وفي نفس الوقت تقلّل من فرص التواصي بكلّ اشكاله.

   ٤/ والمسؤول يتحمل الثقل الأكبر من المسؤولية من بين الاخرين، صحيح انّ التّواصي مسؤولية تشاركيّة وهي ممارسة متبادلة بين الأعضاء، الا انّ الرأس في الجماعة، الاب في الاسرة والمدير في المدرسة والوزير في الوزارة والزعيم في الكتلة البرلمانية او في الحزب والتيار، انّهُ يتحمّل القسط الأكبر من المسؤولية، وعليه ان يُعلّم الجميع قول الحق وعدم المجاملة فيه وهو المسؤول على خلق اجواء الحريّة والأمن للجماعة للتّواصي فيما بينهم.

   ٥/ كذلك، يلزمنا ان نتسلّح بثقافة الحب المسؤول وليس الحُبّ المنفلت او الحُبّ المصلحي، وانّ الفرق بينهما، هو انّ الاول يحثّك على النّقد والرّقابة والإسراع في تصحيح الخطأ لأنك تحبّ الجماعة، وحبّك لها حبٌّ مسؤول، تكره ان تراها تنزلق في مهاوي الخطأ، امّا الثاني فيدفعك للتستّر على الخطأ والسّكوت على الانحراف، مداراةً لمشاعر هذا او ذاك، انّه الحُبّ الذي يُفسد الجماعة، ويقودها للتّهلكة.

   ولأنّك تُحب الجماعة، فيجب ان تتواصى بِالْحَقِّ والصّبر، لأنك تخشى عليها من الانحراف والانزلاق والفشل، اما الحب الذي يحثّك على السكوت عن الخطأ، فهو في الحقيقة ليس حباً وانّما هو بغضٌ في جوهره لانّ نتائجهُ عادةً ما تكون مدمّرة وكارثيّة.

   ان ّمن يتصور في الجماعة انّ كلّ نقدٍ، مثلاً، او تنبيه، هو دٓليلُ عدم الحب فهو واهم، والعكس هو الصحيح، فاذا رايتَ احدٌ يسكت على خطأ وانت تعرف انّهُ خطأٌ، فتأكّد بانّهُ إِمّا وصولي او انتهازي او انّهُ متربصٌ بكَ الدوائر ينتظر ان تكرّر الخطأ المرّة تلو الاخرى لتسقط والى الأبد، وقديماً قيل (لا تمشي وراءَ الذي يُضحكُكَ، وانّما إمْشِي وراءَ الذي يُبكيك) وكذلك قيل (صديقُكَ مَنْ صَدَّقَكَ لا من صَدَقَكَ) فاذا رايتَ احدٌ يؤيّدك وانت تقول باطلاً فتأكّد بانّهُ ليسَ صديقٌ لكَ وانمّا هو عدوٌّ حتى اذا حلفَ لكَ بأغلظِ الأَيمان!. 

 

[160: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني