قنينة الغاز والديمقراطية ومعاركنا الوطنية
الدكتور عادل عبد المهدي
2015/07/13

قبل يومين، ونحن نحيي ليلة القدر المباركة، شاهدت شريطاً تلفزيونياً يقرأ بان الشيخ الخضري رئيس "كتلة المواطن" البرلمانية يطالب وزارة النفط بالغاء التعرفة الجديدة بزيادة الف دينار لقنينة الغاز. اتصلت بالشيخ، وهو من خيرة الرجال والمجاهدين، الذين عرفتهم خلال فترة طويلة سواء في فترة المعارضة، او عندما كان سماحته محافظاً للديوانية. سألته عن التصريح.. فقال انني اؤيد تماماً زيادة اسعار المشتقات النفطية، واعرف الازمة المالية للبلاد.. لكن هناك ضجة سببها قلة الاعلام والتوضيح. شعرت بالارتياح، فالاهم ان صاحبي يقول بان الاجراء صحيح في الجوهر، وخاطىء في الشكل.. وكنت ساشعر بالضيق لو كان العكس. لكني شعرت بالارتياح اكثر لاننا قاتلنا سوية وقدمنا الضحايا لتنعم بلادنا بالحريات، ولكي يقف ممثل الشعب مختلفاً عن المسؤول التنفيذي، رغم انهما من كتلة واحدة.. فالاول يقوم بواجبه كممثل للشعب، ويراقب المسؤول ليمنعه من الشطط والعبث بمصالح الناس.. والثاني يسعى للقيام بواجبه ايضاً، وساشرح ذلك لاحقاً.. واعتقد ان هذه هي الديمقراطية التي يجب القبول بها، او على الاقل التي يجب ان نسير نحوها، بازالة الكثير من الهشاشة والفوضى عنها. فالديمقراطية لا تعني ان المسؤول التنفيذي صحيح دائماً، لانه يعرف الارقام والاوضاع الفعلية.. كما انها لا تعني ان ممثلي الشعب او الشعب نفسه صحيح دائماً لانه يعرف مصالحه اكثر من غيره.. فالاقرب للصحيح هو محصلة تدافعات ونقاشات ومواقف لها ميزان نهائي تستقر عنده. كما انها لا تعني ان المسؤول التنفيذي يستطيع ان يتخذ اية قرارات يريدها، فهناك هيئات اعلى، تستطيع المراجعة فتؤيد وتعترض.. ولكل موقف تبعاته. قرار الزيادة اتخذته "هيئة الرأي" في الوزارة وهو من صلاحياتها.. وقرارها صائب ومسؤول لان النزف المالي يقود الى عجز اكبر واخطر في تزويد المواطنين ببقية المشتقات الضرورية الاساسية، كالبنزين وزيت الغاز والنفط الابيض الذي تعتمد عليه القطاعات الاساسية المختلفة.. بل يعتمد عليها المجهود الحربي وحياة ابنائنا في الجبهات.. ففي كل يوم يرد طلب من الحشد الشعبي والقوات المسلحة والمحافظات والكهرباء ووزارات اخرى على الوقود وعلى النفط الخام، وكله بدون تسديدات، مما اثر في الشهر الماضي على معدل استيراداتنا وصادراتنا بمبالغ هائلة لا يمكن الاستمرار في تحملها.. فلقد توقف مصفى بيجي الذي يمثل نصف انتاج المشتقات العراقية.. و"داعش" تهاجم حقولنا ومصافينا والانابيب.. ونحن نعتمد في تلبية حاجات المواطنين والسوق على الاستيراد، ونعمل جاهدين على زيادة الانتاج.. وهناك ازمة موازنة واموال واسعار نفط.. فلابد من معالجات سريعة وشجاعة.. ان لم يتخذها المسؤول اليوم، فستهجم بوجه البلاد المشاكل الاصعب غداً.. علماً ان اسعار المشتقات المدعومة بقيت واطئة وثابتة خلال السنوات الماضية، وهذا امر لم يشهده اي بلد بعيد او مجاور. وهو ما يشجع التهريب والسوق السوداء، بل يشجع في تمويل "داعش".. فقنينة الغاز، وسعرها الرسمي بعد الزيادة 5000 دينار، تباع في الموصل في احسن الاحوال بـ 40000 دينار.. وكردستان 7000 دينار.. والاردن 15000 د.ع.. ولبنان 12000 د.ع وسوريا 20000 د.ع تقريباً. زيادة الف دينار لن يحل المشكلة المالية للدولة بالتأكيد، كما ان 1000-2000 دينار شهرياً، لن يزيد من اعباء العوائل (بمعدل قنينة للاغلبية وقنينتين للميسورين شهرياً)، وهو قد لا يعادل ثمن مكالمة هاتفية واحدة من هاتف جوال لفرد واحد في العائلة.. لكن الف دينار عندما توزع على ملايين القناني شهرياً ستعني مليارات الدنانير، التي يمكنها –مع اجراءات اخرى- ان تخفف الضغط وتسمح بتوفير الاهم والاكثر الحاحاً.. فهناك مشكلة يجب اتخاذ قرار منها.. فاما ان نوزع الاعباء.. ونضحي بالقليل والثانوي لنحافظ على الاهم والاساس.. او ان نتساهل في كل شيء، فنخسر كل شيء. اتخذت الوزارة القرار فيما تعتقده بالاتجاه الصحيح في اطار مسؤولياتها. لكن الوزارة لا قيمومة لها على الشعب او مجلس النواب او مجلس الوزراء.. وهؤلاء جميعاً لهم كامل الحق باتخاذ القرار الذي يرونه صحيحاً بدءاً من اقالة الوزير، الى تغيير قرارات الوزارة. فان حصل ذلك وكان قرارهم اصح فهذا هو المطلوب، وهذا ما نعنيه بالتدافع والتدقيق والمراقبة.. وان حصل على العكس نقص او خلل في المشتقات الاساسية، فتعجز عن تزويد الجبهات والاسواق والكهرباء وغيرها الكثير، وسط هذه الظروف الصعبة والمعقدة، فالوزارة ستكون قد اعفت نفسها من المسؤولية.

[273: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني