أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ (٢٥)
نزار حيدر
2015/07/13

السّنةُ الثّانيَةِ

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}.

   اذا كان السّلاح الوحيد بيد المصلح، اي مصلح، هو قوّة المنطق، فانّ السلاح الوحيد بيد الطّاغوت هو منطق القوّة.

   فالأنبياء، مثلاً، يبذلون جهوداً عظيمة لاقناع النّاس برؤيتهم الجديدة للحياة، فيما يواجههم الطّغاة بالتّهديد بكلّ طرق القتل منها الحرق مثلاً كما فعلوا بأبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام، بقوله تعالى {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

   كما لم يجدْ طُغاة قريش غير الاعتقال والتعذيب والقتل للمسلمين الاوائل لمواجهة امتداد الرسالة الجديدة!.

   لماذا؟!.

   ١/ ان منطق القوّة هو سلاح من ليس له قوةٌ في منطق ولا حجةٌ في جدال، ولذلك فعندما يواجه المصلح طاغوتاً يتعرض مباشرةً للارهاب، لإسكات قوة منطقه وحجته وأدلّته.

   ٢/ لماذا؟ لانّ الطاغوت ما كان يُمكنهُ ان يتمكّن من السلطة اذا لم يتمكّن اولاً من منطق القوة، التي يُرعب بها النّاس او على الأقل تُجبرهم على الخضوع والخنوع له، تارة بالتّضليل الاعلامي حدّ الاستخفاف بعقولهم ووعيهم ومعرفتهم، كما في قوله تعالى يحدّثنا عن طريقة تعامل فرعون مع قومه {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} فتخرَسَّ الالسن ويزداد المصفّقون!.

   ٣/ كما يوظّف الطاغوت منطق القوّة عندما يتنافس مع الاخرين في الشَّأْن العام، لانّه لا يمتلك، عادةً، ما يؤهّله للتّنافس الشريف، ذاك الذي يحدثنا عنه الله تعالى بقوله؛ {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.

   وعادةً ما يتحجّج الطاغوت بالدّين، القانون، وحال المجتمع كلّما اراد ان يواجهَ مُصلحاً، فتراه يحذّر الناس من خطر المصلح على القانون، الدين، من جانب، وعلى اخلاق الناس والتزاماتهم من جانب آخر، وكأنّه المفوّض الوحيد لحمايتهم!.

   ويضيف الزّعماء اليوم تحذيراً آخر كلّما حاول مصلحٌ مواجهة فشلهم، يتمثّل بالخوف على (مذهب) الناس الذي يتعرّض لمؤامرة عالمية!، ولذلك ينبغي عدم الاصغاء لنقدٍ مثلاً حفاظاً على المصلحة العامّة وعلى بيضة (المذهب) التي يجلس عليها القائد الضرورة! خوفاً عليها من الاعتداء! كما أشاعت ابواقه، في مسعىً منها لتخويف الراي العام من خطورة إزاحته عن السلطة على المذهب!.

   انّهم يربطون اليوم كلّ شيء بوجودهم في السّلطة، الدين والمذهب والبلد والقانون وكلّ شيء، بعد ان انقسم المجتمع الى طرائق قدداً توزعت ولاءاته عليها، فلم يَعُد بمقدورِ أحدٍ ان ينتقدَ او يتكلّم او يؤشّر على خطأ او تقصير او مشكلة او فشل، ولذلك ضاعت حقوق الناس وأُهدرت دماءهم واستُبيحت الارض واستُبيح العِرض!.

   لقد جيّش كلّ واحدٍ منهم زُمَرٌ من الابواق والوصوليّين والنفعيّين، شغلُهم الشّاغل الهجوم على كلّ من يحاول ان يوظّف قوة المنطق ومجريات الواقع المعاش لنقدِ ظاهرةٍ او حالةٍ سواء على صعيد الفساد المالي والاداري او على صعيد الفشل في المشاريع او على صعيد توقّف التنمية والاستثمار او على اي صعيدٍ اخر، فتراهم يُفبركون الاخبار والصور ضده لتسقيطهِ والطّعن في خلفيّاته او حتى في ولاءاتهِ، وكلُّ ذلك لانّ (المذهب) في خطر! ولذلك فليس أمامنا الا ان نقبل بالموجود من الزعامات والمناهج وكلّ شيء!.

   انّهُ الأسلوب الاموي الذي كان يوظّف الدعاية الرخيصة والشائعات للتّقليل من تأثير حركة الامام أمير المؤمنين (ع) الرّامية الى تنوير الراي العام وفضح جرائمهم، وعلى رأسهم معاوية بن ابي سفيان.

   ولقد حدّثنا أمير المؤمنين عليه السلام عن بعض هذه الدعايات والإشاعات الأمويّة بقوله عن فبركات عمرو بن العاص؛

 {عَجَباً لاِبْنِ النَّابِغَةِ! يَزْعُمُ لاَِهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً، وَأَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ: أُعَافِسُ وَأُمَارِسُ! لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً، وَنَطَقَ آثِماً،

أَمَا ـ وَشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ ـ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الاِْلَّ; فَإِذَا كَانَ عِنْدَ

الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِر وَآمِر هُوَ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سُبَّتَهُ}.

   انّ سياسات التّسقيط والتشهير واللجوء الى فتح الملفات القديمة، يلجأ اليها السّياسيّون في صراعاتهم على السلطة والنّفوذ، وليس فيهم من هو حريصٌ على دينٍ او مذهبٍ او قانون او مجتمع، انها أدوات قذِرة يوظّفها السياسيون لتحقيق غايات قذِرة هي الاخرى، يضحكون بها على أنصارهم ويستخفّون فيها بعقولهم، ولو كانوا حريصين حقاً على حالِ البلاد والعباد اولاً؛ لما لجأوا لمثل هذه الادوات القذِرة، فالهدف المقدّس لا يتحقّق الا بادوات مقدّسة، كما أشار الى ذلك امير المؤمنين (ع) بقوله {وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلاَ كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غَدْرَة فَجْرَةٌ، وَكُلُّ فَجْرَة كَفْرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِر لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ}.

   وثانياً؛ لتبيّن ذلك من ممارساتهم ومواقفهم وإنجازاتهم، والا، فهي لا تختلف من واحد لآخر قيد شعرةٍ، فلماذا يريدوننا ان نصدّق بأنَّ زيداً افضل من عمرواً وانّ للأوّل مشروع بناء دولة امّا الثاني فلا يتجاوز همه مصالحهُ الشّخصية!.

   انّ جوهر الامر صراعٌ على السّلطةِ والنّفوذ، امّا الشعار والدّثار فالدينُ تارةً والمذهب أُخرى والقوم تارةً ثالثة!.

   ينبغي على مجتمعِنا ان لا يأخذ كلامهم على محمل الجدّ كثيراً، ما لم يلمس واقعاً مغايراً ومختلفاً عند المتحدّث.

   كذلك، ينبغي ان لا ينخدع المجتمع بالدّعايات والشّائعات فلا يتناقلها، ولا يصدّق تلفّع بعضهم بالدّين وكأنّهم ظلّ الله في الارض بعثهم الله تعالى لحماية المذهب، ابداً، فلا يظنّنّ احدٌ ان سياسياً يَصدُق عندما يدافع عن الدّين، انهم يوظّفونهُ لخدمة مصالحهم الذّاتية والحزبيّة والعشائريّة وغيرها من العناوين الخاصّة والضيّقة، فدينُ الله تعالى لا يحتاجُ الى دفاعِ السياسيّين عنهُ ابداً، والعكس هو الصحيح؛ فانّ اعظم خدمة يقدّمها السياسيّون للدّين عندما لا يتدخّلون في شؤونه ولا ينصُبون انفسهم حماتهُ، ولا يتدخّلون في دين الناس، يفتّشون عقائدهم في كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ!.

   انّ تدخّل السياسييّن في الدين والمذهب وتوظيفه في صراعاتهم السياسيّة، هو الذي غذّى الطائفية الى هذه الدرجة الخطيرة التي نراها اليوم في مجتمعاتِنا العربية والإسلامية، والتي بدأت تتمدّد حتى الى بلاد الهجرة واللجوء، بلاد الغرب!.

   انظروا كيف يوظّف نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية الدّين والطائفيّة في صراعاته السياسية؟ وكيف انه تمكّن، وبسبب جهل الامة وقلّة وعيها وصغر عقلها وبسبب سيطرة المصالح على تفكيرها، كيفَ تمكّن من تأطير كلّ الحروب التي تخوضها مجتمعاتنا اليوم ضِدّ نفسها بأُطر دينيّة وطائفيّة، بدءً من اتّهام ثورة شعب البحرين ضد الديكتاتورية والنظام الوراثي الفاسد بالطائفيّة، وانتهاءً بِما يجري في اليمن، مروراً بالعراق قبل ذلك ثم سوريا وغيرهما!.

 

 

[180: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني