أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ (٢٠)
نزار حيدر
2015/07/08

السّنةُ الثّانيَةِ

{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.

   عندما بدأ المنهج التكفيري يتبلور على شكل جماعة منحرفة توظّف ما تشابه من آيات الذكر الحكيم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، كان قرار الخليفة وقتها، الامام أمير المؤمنين (ع) وهو اوّل ضحايا الفكر التكفيري، ما يلي؛

   {لكم علينا ثلاث: لا نمنعكمْ مساجدَ الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال}.

   كان هذا القرار قبل ان يشهروا السلاح بوجه الدولة والمجتمع، ولما أعلنوا الحرب عليهما وشهروا سلاحهم، منعهم الامام المسجد والفيء وقاتلهم، بعد ان ظلّ يلقي عليهم الحجة تلو الاخرى، والتي اثّرت في كثيرٍ منهم، وبقيت فئة معاندة مصرّة على القتال والإفساد وقطع الطريق وابتغاء الفتنة!.

   لماذا المسجد اذن؟ ولماذا المال!.

   اولاً؛ انّ المسجد يمثّل رمز الشّرعية لكلّ جماعة مسلمة في كلّ مكان، وهو المركز الذي تتمحور وتلتفّ حوله الجماعات المختلفة، فمن يسيطر على حركته سيسيطر على شرعية حركة الشارع والمجتمع بشكل عام، ولذلك تتحصّن الجماعات التكفيرية المنحرفة بالمسجد لغسل ادمغة الشباب، وهذا ما نراه اليوم في طول البلاد وعرضها، اذ تمتلئ مساجد المسلمين بفقهاء وائمة التكفير، يوظّفون خطب الجمعة لبث افكارهم التكفيريّة المنحرفة وسمومهم القاتلة لغسل ادمغة الناس.

   كما انّ المسجد هو رمز الخطاب الديني، وشرعيته، فمن يسيطر على منبر المسجد ومنبر الجمعة، يسيطر على اتّجاهات الخطاب الديني وشرعيّته في المجمتع، ولذلك تحرص الجماعات التكفيريّة على السيطرة على المساجد لشرعنة خطابها مهما كان منحرفاً ومهما ابتعد عن جوهر الدين، اذ يكفي، في عرف الشارع، انه منطلقٌ من منبر المسجد ومنبر الجمعة!.

   ثانياً؛ اما المال، فهو عَصب الجماعات التكفيرية للاستمرار والتمدد والانتشار، فبالمال يشترون الذمم، وبه يغطّون نفقات جرائمهم، ويُنفقون على الشّباب المغرّر بهم لكسبهم الى شبكاتهم الإرهابية.

   كذلك، فبالمال يضلّلون الراي العام من خلال شبكة واسعة من الاعلام والدعاية، خاصة على الشبكة العنكبوتية، الاليكترونية.

   ثالثاً؛ وعندما تبدأ الجماعات التكفيرية الإرهابية حربها الضّروس ضد الامة، فيقتلوا الأبرياء ويسبوا النساء ويدمّروا التاريخ والحضارة والتراث، ويهدموا دور العبادة، فانّ على الامة التصدي لهم على مستويين؛

   الفكر؛ ولذلك لم يالُ الامام جهداً في الحوار معهم بالمنطق السليم، حتى تمكّن من إقناع الكثير منهم لترك صفوف الخوارج التكفيريّين، إِما بالانسحاب من ساحة المعركة او بالانضمام ثانية الى جبهة الامام عليه السلام، وهذا ما ينبغي على العلماء والفقهاء والمفكّرين والمثقّفين فعله، لتنوير الراي العام وفضح منهجيّة التكفير للحيلولة دون نجاح الارهابيين في تجنيد المزيد من الشباب.

   القتال؛ عندما لا ينفع معهم المنطق والحوار ولغة الاقناع، اذ لا يجوز تركهم يعيثون في الارض فساداً من دون رادع، الامر الذي يحتاج الى مشروع تعبوي شامل ينخرط فيه الجميع لقتال الارهابيين.

   انّ علينا اليوم ان نواجه التكفيريّين الارهابيين كما واجههم امير المؤمنين (ع) فيلزم منعهم اولاً من المساجد، لاسقاط شرعيّتهم من خلال منعهم من اقامة صلاة وخطبة الجمعة التي تُعتبر بالنسبة للمسلمين مصدر شرعية الخطاب الديني.

   وخيراً تفعل اليوم مصر وتونس عندما شنّت السّلطات المختصّة حملة شاملة لاغلاق مساجد الفتنة وطرد أئمة الارهاب وفقهاء التكفير.

   انّ على الدول الاخرى ان تحذو حذو مصر وتونس، واخصّ بالذكر دول الخليج التي تمتلئ مساجدها بأئمة الارهاب وفقهاء التكفير الذين يغذّون الشباب بالفكر التكفيري الارهابي وبثقافة الكراهية التي تحرّض على القتل والتدمير والتفجير.

   كما ينبغي عليهم إغلاق كلّ المدارس الدينية التي تعلّم النشء الجديد ثقافة الكراهية والغاء الاخر.

   كما ان على حكومات الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، إغلاق كل المساجد والمراكز والمدارس الدينية التي تعلّم وتدرّس النشء الجديد ثقافة التكفير والكراهية والقتل والتفجير والتدمير، مستغلة أئمتها حرية الحركة والتعبير والحرية الدينية التي يكفلها النظام في الغرب، لبناء وتأسيس مثل هذه المؤسسات التعليمية المنحرفة والخطيرة.

   انّها مصانع للتطرّف والتكفير والعنف والارهاب، وهي خلايا نائمة تنتشر في المجتمعات الغربية يوماً بعد اخر، فهي التي انتجت هذه الالاف المؤلّفة من الارهابيين الذين تَرَكُوا بلدانهم واتجهوا الى العراق وسوريا وليبيا وربما مصر، ليفجروا انفسهم بالأحزمة الناسفة والسيّارات المفخّخة وسط الجموع البريئة.

   وليس ببعيد ابداً ان يبدأ هؤلاء بممارسة الارهاب في بلدانهم، بلاد الغرب، اذا ما حرّضهم زعماء الارهاب على ذلك وطلبوا منهم ذلك.

   امّا على صعيد التّمويل المالي، فينبغي ان تشدد كل الدول على مراقبة حركة المال العام، والتي تنطلق إبتداءً من دول الخليج بمسمّيات دينيّة وانسانيّة لتصل الى الارهابيين، ليُديموا ويوسّعوا من نشاطاتهم الإرهابية وجرائمهم البشعة.

   كما ينبغي على المجتمع الدولي التّشديد في تنفيذ القرارات الدولية التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي ذات الصِّلة بالارهاب وما يتعلق بموضوع مراقبة التمويل المالي الذي يصل الى الجماعات التكفيرية الإرهابية من عدد من المصادر سواءً اكانت دول او أشخاص.

 

[185: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني