أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ (١٨)
نزار حيدر
2015/07/05

السّنةُ الثّانيَةِ

   {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}.

   اثنان لا خيرَ فيهما بلا أمانة، ويجب تجنّبهما، المبلّغ والمُستشار.

   انّ مبلّغ الرسالة، أيّاً كان نوع الرسالة، اذا لم يكن أميناً، فسيتلاعب بمحتواها، فيغيّر ويبدّل ويجتهد ويُضيف ويطرح ويزوّر، وبالتالي سيغشُّ في تبليغِها، امّا جهلاً او هوىً او متعمّداً مدفوعاً بأجنداتٍ معيّنة.

   كذلك المستشار، فاذا لم يكن أميناً، فسيقدّم اسوء استشاراته التي قد تقود المعنيّ بها الى التهلُكة، ولذلك ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) قوله {المستشارُ مؤتمن} وتاسيساً على ذلك قال الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام {اعلم انّ ضارب عليّ عليه السلام بالسّيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثمّ قبلتُ ذلك مِنْهُ لادّيت الأمانة}.

   للاسف الشديد فان بعض المبلّغين وخطباء المساجد ومَن يرتقون الأعواد هم من هذا النوع، غير أمناء في تبليغ الرسالة، ولذلك فانّهم يمارسون عمليّة تضليل كبرى بحقّ المتلقّين، فيكذبون ويتقوّلون ويتّهمون ويتلاعبون بالنّصوص ويستشهدون بهوىً وميلٍ، ويقتبسون وينقلون النّصوص بشكلٍ انتقائي فضيع، وكلّ ذلك من اجل تحقيق اجندات خاصّة لتدمير الامة وتجهيل مجتمعاتنا، ولشد ما أثارني اليوم احد هؤلاء (الخونة) عندما سمعتهُ وتابعتهُ، في برنامجٍ تلفزيوني رمضاني تعرضهُ عدّة فضائيّات! يتصرّف بآيٍ من الذّكر الحكيم بحذف {وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ} من الاية الكريمة {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} وكلّ ذلك لالغاء دور أمير المؤمنين عليه السلام وحضوره في قصة المباهلة المعروفة، وبالفعل فهو عندما ذكر اسماء من اصطحبهم رسول الله (ص) للمباهلة مع نصارى نجران، لم يذكر امير المؤمنين (ع) وانّما اكتفى بذكر فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله (ص) والحسن والحسين (ع) سبطيه!.

   وانّما انعتُهُ بالخيانة لانّه يخون العلم والتاريخ والذاكرة ويخون العقل والقران الكريم ويخون رسول الله (ص) فهو لم يكن أميناً لا في النّقل ولا في الشّرح ولا في التفسير، فكيف سيعّلم هذا وامثاله الامة، يا ترى، الشيء الصحيح؟ وماذا سيعلّم مجتمعاتنا؟ وماذا سيبلّغهم؟ والله تعالى يحذّرنا الخيانة بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}؟.

   انّهُ وامثالهُ اخطر الناس على الامة، فمن يجرؤ على خيانة الله ورسوله وخيانة الرسالة، يجرؤ على الكذب على الله ورسوله وعلى الرسالة، فهو اليوم ينقِص من الاية شيئاً وغداً سيزيد عليها أشياء، كما انه اليوم ينقص من تفاصيل الواقعة شيئاً وغداً سيُضيف عليها أشياء، وهذا هو الواقع، فامثاله هم الذين غسَلوا ادمغة الشباب المغرّر بهم ليزجّوهم في محارق الارهاب الأعمى ليقتلوا الأبرياء من المصلّين الصّائمين السّاجدين بذريعة الكفر والشّرك والخروج على الملّة، كما حصل الجمعة قبل الماضية في مسجد الامام الصادق عليه السلام في دولة الكويت.

   انّهُ وامثاله يزيدون وينقصون كيفما يشاؤون لتدعيم ما يحملونه من فكر تكفيري ارهابي منحرف بما يعتقدونه انه يشرعنه فينخدع بهم الشباب المغرر بهم لينخرط في صفوفهم!.

   وللاسف الشديد، فقد خدعت طريقتهم هذه الراي العام، لانه ليس كلّ الناس تتحقّق مما تسمع، وليس كلّ الناس يتثبّتون من أقوال وعّاظ السلاطين، خاصة الذين نجحوا، ونجحت السلطات الحاكمة والاعلام المأجور، في صناعة هالة من القدسيّة المزيّفة حول شخصيّاتهم، والتي يخشى احدٌ، بسببها، ان يسأل ويبحث ليتأكّد ويتثبّت، ولذلك انتشرت في مجتمعاتنا ظاهرة حاكميّة كلّ ما يقوله هؤلاء بلا نقاش او شكٍّ وتردّد!.

   يجب ان يتحلّى المبلّغ بأقصى درجات الأمانة في النّقل، فلا يتقوّل ولا يكذب ولا يستقطع من الرواية او يقتبس ما يحلو له وبما يمليه عليه هواه ونفسه المريضة وشيطانه الذي يأمره بالخيانة  فيُطيع.

   انّنا نسمع من هذه النماذج الكثير من التقوّلات على طوائف بأكملها، كما هو الحال بالنّسبة لما ينقلونه عن شيعة اهل البيت عليهم السلام، فيقوّلونهم وينقلون عنهم ما تضحك منه حتى الثكلى! وليس في ذلك غرابةً ابداً فالخائن الذي يتقوّل على الله ورسوله، ويتجرّأ على الرسالة السماويَّة، هل تراه يحتاطُ او يتقي الله في التقوّل على النّاس؟ ابداً، الّا انّ الغرابة، كلّ الغرابة، فيمن يصدّق مثل هذه التقوّلات والخزعبلات، وقديما قيل [حدّث المرء بما لا يليق، فان صدّقك فلا عقلَ له] فاذا كان الخائن يتعمّد الكذب والتزوير لحاجة في نفسه، فما بال من يصدقّه كالاعمى؟ الا انْ يكون بلا عقل! أليس كذلك؟ ولقد حذّر رسول الله (ص) من انتشار هذه الحالات المرضيّة المدمّرة بقوله؛ {كيف بكم إذا صُدِّق الكاذب، وكُذّب الصادق؟ إذا اؤتمن الخائن وخوّن الأمين؟}.

   امّا المستشار، فاذا لم يكن أميناً فسيدمر المستشير، أيّاً كان عنوانه وعمله ومنصبه، ولذلك ينبغي علينا جميعاً ان ندقّق في اختيار من نستشيره، سواء كان ذلك على المستوى الشّخصي، كأن نستشيرَ احدٌ لامرٍ شخصيٍّ ما، او على مستوى الشأن العام.

   يجب ان نتأكّد بأنّ من نستشيرهُ أميناً لا يخوننا برأيٍ مغرضٍ او معلومةٍ غير صحيحةٍ او استشارةٍ في غيرِ محلّها.

   ولا يَكُونُ المستشارُ أميناً الا اذا كان عالماً متخصصاً فيما انتُدب اليه، فمن يستشير الجاهل او غير المتخصّص ثم يقع في ورطةٍ او في تهلُكةٍ فلا يلومنَّ الا نَفْسَهُ.

   وهذا ما هو موجود الان في العراق فالكثير من المستشارين لا يختارهم المسؤول لعلمِهم وخبرتهم واختصاصهم وتجربتهم، ولا لامانتهم، وانّما محاباةً وأَثَرَةً في إطار الفساد المالي والاداري، بعد ان تحوّل عنوان المستشاريّة امّا كمصدرِ رزقٍ او كطريقةٍ مفضوحةٍ لتكريم الابواق والإمّعات من قِبَلِ القائد الضّرورة جزاء وقوفهم (المشرّف) معه أيّام الكذب والدّجل وصناعة الأزمات والفشل والتضليل.

   ان بعض المستشارين على نوعين؛

   فامّا انه جاهل تماماً فيما انتُدبَ اليه، او انّه جاهلٌ تماماً في كلّ شَيْءٍ، فهو مُستشارٌ (دمج)! لا يميّز بين النَّاقَةِ والجمل!.

 

[168: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني