أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ (٣)
نزار حيدر
2015/06/23

السّنةُ الثّانيَةِ  

 {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.

   التغيير، هو احد اكثر المفاهيم التي تشغل الانسان الفرد والإنسان المجتمع، فليس في العالم من لا يُحب ان يتغيّر، فكلُّ فردٍ يتمنى لو بامكانه ان يتغيّر نحو الأفضل والاحسن، كما ان كلَّ مجتمعٍ، شعب، في هذا العالم يتمنى ان لو يستطيع ان يغيّر حاله الى الأفضل والاحسن، فلماذا لا يحقّق كلّ الناس أمنياتهم في التغيير؟ خاصة عندنا في العالم الثالث؟ واخصّ بالذّكر، مثلاً، مجتمعنا العراقي الذي يستنسِخ تجاربه القديمة والحديثة يومياً وتتوالى عليه الابتلاءات بشكلٍ مستمر ولا تشرق عليه شمس يوم جديدٍ الّا ويلعن فيه الذي كان ليكتشف في يومه ان الذي فاتَ ربّما كان افضل حالا مما هو عليه الان! وهكذا!.

   لماذا؟! لماذا تتكرّر عليه المعاناة؟ لماذا فشل لحدّ الان في تحقيق التغيير المرجو؟! لماذا فشلَ لحدّ الان في إنجاز عمليّة التّغيير المطلوبة على الرغم من كلّ هذه الفرص التاريخية التي تمرُّ عليه من دون ان يتمكّن من اقتناصها وبالتالي توظيفها لتحقيق التغيير المرجو والمنشود؟!.

   لا أُريدُ ان اتحدث هنا عن الأسباب، وهي، ربما، تكون كثيرة، وانما اريدُ ان استنطق الاية الكريمة التي صدّرتُ بها المقال لابني عليها فكرة في غاية الاهمية هي المحور والجوهر في عملية التغيير وكل المحاولات التي يبذلها الانسان من اجل إنجازها.

   انها الذّات، النّفس، التي يجب ان تتغير اولاً، لنغيّر بها المحيط والمجتمع، والتي هي، للاسف، الغائب الأكبر في وعينا القاصر لمفهوم التّغيير.

   كلّنا نسعى لتغيير المجتمع، ولكن لا احدَ منّا يفكّر في تغيير نفسه، ابداً.

   فلقد سألوا عراقياً عن رايه بالموت؟ فقال؛ الموتُ حقٌّ! ولكنّهُ على جيراني!، وكذا التغيير، انه واجب ويجب ان يتحقق ولكن لستُ انا الذي يجب ان يتغيّر، وانما العالم! المجتمع! الاخرين! ولقد سألت مرّة ملكة البلاد عن سبب تظاهرات الشعب ضِدّ الحكومة؟ فقالوا لها ان الشعب لا يريد الحكومة! فقالت؛ اذن غيّروا الشعب!.

   كلّ العراقيين يُنشدون التغيير، ولكن؛ لا احدَ منهم يتصور انه يبدأ من نفسه! وكلّهم ينتقدون الواقع، ولكن لا احد منهم يتصور انه جزء منه، ولذلك؛ فاذا انتقد العراقيون الفساد في المجتمع مثلاً فكلّهم يلومون الاخرين من دون ان ينتبه احد منهم الى دوره شخصيّاً في هذا الفساد، وكأنَّ الفاسدين مخلوقات من كواكب اخرى هبطت الى العراق لتعيث في ارضه فساداً!.

   اذا تحدثوا عن عمليات نشر الاكاذيب والافتراءات واسعة الانتشار في المجتمع، والتي بدأت تهدّدنا في مقتل بسبب حالة الفوضى في النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنهم يلومون كل الناس والاخرين من دون ان يبذل أحدهم أدنى جهدٍ للانتباه الى نفسه لتحديد دوره في ذلك!.

   كلهم يوزّعون يومياً عشرات الايات والروايات والقصص عن الصّدق ونبذ الكذب، وعن الأمانة وحرمة الخيانة، وعن الانصاف وكراهية الظلم، وعن المسؤولية وعدم جواز اللاابالية تجاه الاخرين، وعن القناعة وكراهية البَطَر، وعن التكافل الاجتماعي وحرمة المبيت على شبعٍ والجارُ جائع! ولكن، لا احد منهم يتوقّف للحظة ويتساءل مع نفسه؛ ترى هل انني التزمت بما انشرهُ وادعو الناس اليه؟ هل انا صادقٌ في كلامي لا اكذب اذا تعارض الصّدق مع مصالحي الشخصيّة؟ هل انني أمينٌ على مصالح الناس التي تحمّلتُ مسؤوليتها عندما تصدّيتُ لموقع ما في الدولة العراقية؟! هل سالتُ يوماً جاري إنْ كان قد أشبع اطفاله قبل ان يخلدوا الى النوم! لا احد!.

   انّ القران الكريم يحصر منطلق التغيير بالنفس فقط وفقط، فاذا تغيّرت النفس تغير المجتمع وتغير كلّ شيء، اما اذا تهرّبت النفس من التغيير واستعصت على التغيير فلا تنتظر تغييراً في المجتمع ابداً ابداً ابداً.

   انّها سنة الله تعالى في الحياة، وانّ من يريد ان يتحدّاها، فيحاول التغيير قبل ان يغيّر نفسه، فسينطح راْسهُ بصخرة كبيرة تحطّم راْسه وتهشّم جهده.

   ان واحدة من الظواهر الخطيرة في العراق هي ان الكلّ يتحدث عن المشكلة، ايّة مشكلة، ولكنك لم تسمع ابداً من أحدٍ يتحدث عن دوره في هذه المشكلة او تلك، فهو مَلاك وغيرهُ شياطين، هو نزيهٌ وغيرهُ  لصوص، هو أمينٌ وما سواهُ خونة، هو ناجحٌ وغيرهُ  فاشلون، هو منتصرٌ وما عداهُ مهزومون.

   فمعَ كلّ ما يمر به العراق من تحدّيات ومخاطر سببها فشل القادة والسياسيين، الا انّك لم تسمعْ من أحدٍ ابداً انّه يتحمّل ولو جزءٍ بسيطٍ جداً من المسؤوليّة عمّا جرى ويجري، ولو بمقدار نقير.

   حتى عندما يجتمعَ عددٌ منهم، تراهم يلومون زيداً وعمرواً، فيوزّعون التهم ويقسّمون المسؤوليات على الاخرين، اما هم فلا يتحمّلون شيئاً من المسؤولية ابداً!.

   تعالوا، من الان فصاعداً، لا نتحدّث عن دور الاخرين وتقصيرهم وفشلهم وإخفاقهم وعجزهم ولصوصيّتهم وسرقاتهم، فلا نتحدّث عن سرقة الاخرين وفسادهم المالي والاداري ولصوصيتهم وتعدّيهم على حقوق الاخرين او على المال العام، بل ليتحدّث كلّ واحدٍ منّا عن مسؤوليته في كل ذلك، فليعترف كلّ واحدٍ منّا امام محكمة الضمير عن تقصيره او قصوره ومسؤوليته.

   بدلاً من ان نتحدّث عن مقدار ما سرقه الف من بيت المال، ليعترف كلّ واحدٍ منّا امام ضميره عمّا سرقه هو من بيت المال! وبدلا من ان نرسم خرائط طريق للآخرين لتجاوز هذه الظروف القاسية التي نمرّ بها في العراق، ليرسم كلّ واحدٍ منّا خارطة طريقٍ لنفسهِ ليساهم بنفسه اولاً في تجاوز المِحنة.

   انت!؛ لا تتحدّث عماّ سرقه الوزير الفلاني وانمّا تحدّث عمّا سرقتهُ انت! ولا تتحدث عن فشل النائب الفلاني وانما حدّثنا عن فشلك! ولا تحدّثنا عن لااباليّة الاخرين وترهّلهم في وظائفهم وفسادهم الاداري، انّما حدّثنا عن لااباليّتك وعن ترهّلك في موقعك وعن فسادك الاداري، انت انت!.

   لو أصغى احدٌ الى الاتهامات التي يسوقها العراقيون، المسؤولون تحديداً، للآخرين، وكيف انهم يوزّعون التهم والمسؤوليات على الاخرين، وكلّهم يفعل ذلك بلا استثناء، لتصوّرَ ان الفساد نزل على العراق من السماء السابعة، وان الفشل سببه الجنّ الذي داهم البلاد ثم هرب، وان كل هذه السرقات نفَّذها غرباء حكموا البلاد خُفية!.

   انهم، جميعهم، يتحدّثون عن النزاهة والوطنية والاخلاص كما لو انّهم ملائكة يمشون على الارض، لا تدنّسهم سلطة ولم يمدّوا ايديهم الى مالٍ حرام ولم يمارسوا فساداً من اي نوعٍ كان.

   لقد أشار القران الكريم الى ظاهرة وعظ الانسان للآخرين ناسياً نفسه وهي أولى بالوعظ، بقوله {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

   لو انّ كلّ واحدٍ منا ينشغل بنفسه ليُصلحها، لتغيّر العراق وغيّر العالم، وصدق الامام امير المؤمنين (ع) عندما قال {كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ} وقوله {أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ} وقوله عليه السلام {مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرهِ}.

   انظروا ماذا يقول القران الكريم بهذا الصّدد {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.

   فليسَ من العيبِ ان يخطأ الانسان، انّما العيب اذا اصرَّ على الخطأ او تهرّب من المسؤولية، وظل يبحث عن شمّاعات هنا وهناك يعلّق عليها خطأه.

   تعالوا ننشغل بتغيير الذات بدلاً من ان ننشغل بتغيير الاخرين، وصدق امير المؤمنين (ع) الذي يقول بهذا الصدد {احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ}.

   لنطمئنّ، ولنتأكّد، ولنتيقّن، فالتغيير لا يبدأ من الاخرين، وانما منك انت، فلا تلتفت يمنةً ويسرةً، كلّما جرى الحديث عن التغيير في مجلسٍ! فانت انت المقصود شخصيّاً، وصدق الله العلي العظيم الذي يقول {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ}.

 

[143: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني