استمرارية المفاهيم السابقة بقيت اقوى من عوامل الاصلاح
الدكتور عادل عبد المهدي
2015/04/28

باقرار الدستور والانتقال الى المرحلة الانتقالية ثم الدائمة، كان من المفترض ان تنتهي محورية واستفراد السلطة التنفيذية ليحل محلها النظام البرلماني الذي اقره الدستور الدائم. والذي اعاد تعريف السلطة التنفيذية مشخصاً اياها بركنين هما رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ومن يعود لمحاضر مناقشات الدستور سيرى ان هذا الامر اقر بوعي كامل.. فالمعاناة من الاستبداد وتحكم الشخص او الحزب كانت قوية، لذلك وضعت الحواجز الدستورية امام التوجهات الاستفرادية لمصلحة التوجهات المؤسساتية والنظام البرلماني.. فلم ينكر احد منذ البداية ان النظم الشمولية والفردية هي نظم حازمة وقد تعطي نتائج سريعة ومؤثرة، وتبني دولاً قوية تحظى بالطاعة والاحترام.. لكن غالباً ما تنتهي الى كوارث وفوضى وتفكك تضيع معها كل المكاسب.. وان تجربة الربيع العربي في اسقاط النظم الاستبدادية ودخول مرحلة من الفوضى هي خير مثال على ذلك.
يبدو ان عوامل الاستمرارية كانت اقوى من عوامل الاصلاح والانقطاع عن تجارب الماضي الاليمة.. خصوصاً وان العقد التأسيسي لم يكن قد اكتمل بالغاء قوانين وممارسات الماضي واقرار قوانين وممارسات جديدة.. مما افرز حصانات لممثلي الكيانات في السلطات التنفيذية.. فصارت تحميهم وتمنع مساءلة الاخرين لهم.. بعيداً عن متطلبات الدولة والنظام والدستور، بل كان الاساس فيها مصلحة القومية او الطائفة او الحزب وصولاً للفرد. مما افرز شروط الاختناق والانحراف والابتعاد بشكل واسع عن الكثير من المتطلبات والشروط التي وضعها الدستور.. ففقدت البلاد مرجعيتها الاساسية للحكم، وكذلك للاتفاق والاختلاف بين القوى او بين مؤسسات الدولة.. ليس فقط على صعيد تنفيذي، بل على صعيد تشريعي وقضائي ايضاً. ولعل هذه هي النقطة الاهم في اختناق مسارات التقدم والاندفاع نحو التأويلات الشخصية التي تحكمها بالضرورة المصالح والمنافع والنظرات الخاصة لفرد او حزب او جماعة، معطلة الروح والسلوكية المؤسساتية، ومشجعة استمرارية تاريخ طويل من الانتهاكات والتسلط والفردية ونزعة الرجل القائد والزعيم الضرورة وتغول الدولة واحتكاريتها.. التي لا تحتاج الى ترويجات كثيرة بل تجد كثيراً من القبولية بسبب الثقافة المزروعة بعمق في قيم ومفاهيم المؤسسات والمجتمع لاجيال طويلة.
تتوفر اليوم بارقة امل للعودة الى الدستور والى البناءات المؤسساتية.. فهناك فهم للشراكة افضل بكثير من السنوات السابقة.. كذلك قادت عمليات "داعش" لتوحيد الامة وخطابها والتقريب بين قواها السياسية.. وهناك اليوم تعاون افضل بين المؤسسة التشريعية والتنفيذية.. واعادت المحكمة الاتحادية للسلطة التشريعية دورها التشريعي.. وهناك وعي افضل لاهمية اللامركزية والفيدرالية وأهمية الحكومات المحلية ودورها.. وقادت الازمة المالية لوعي افضل للاقتصاد الاهلي ولاقتصاديات السوق والتخلص من احتكارية الدولة. لكن هذه الامور ستبقى غير مؤثرة وحاسمة ما لم تنتقل من عالم النظريات والشعارات والامنيات الى عالم الواقع والتطبيق لتصبح هي الحاكمة وفق نص وروح الدستور، وما يجب تشريعه من قوانين وفقه لتكون للبلاد مرجعية تشريعية واحدة، ولتنتهي هذه الفوضى.. فتتمتع كل سلطة او مؤسسة بحقوقها كاملة، فلا تتمادى لتقف عند حدود حقوق السلطات الاخرى، تحترمها ولا تعتدي عليها.

[278: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني