الامم تراكم المكاسب.. ونحن نراكم الخراب
الدكتور عادل عبد المهدي
2015/02/09
"تعيش الامم الحية على مراكمة المكاسب فتصبح لها مخزونات مادية وفكرية مركبة ومعقدة، فتنتج وتتطور بمعادلات رياضية وليس حسابية.. لتتقدم على غيرها نوعاً وكماً. وهو ما يسمح لها بالتعويض عند تعرضها لكوارت طبيعية او ظروف طارئة او معالجة الاثار الجانبية السلبية لعملية التراكم. كنا امة تراكم -كما ونوعاً- حتى قرون خلت، فتقدمنا الامم.. ثم فقدنا الحس الحقيقي والشروط اللازمة لمتطلبات الحضارة والتاريخ. فتحذير العقلاء لعمال الخراج ان "ابقوا لهم لحوماً تنمو عليها شحوماً" كان همه التراكم.. الذي بفناء عوامله سيخسر اللحم والعظم والنمو والبقاء. فحصل التراجع في العلوم الدينية والدنيوية الا لمن تحصن... وانقرضت دور العلم بمناهجها المترابطة الدينية والدنيوية.. الفيزيقية والميتافيزيقية وعدم تعصبها.. ليقول ابو حنيفة رحمه الله "لولا السنتان لهلك النعمان"، يعني السنتين اللتين اخذ فيهما العلم عن الامام جعفر الصادق عليه السلام.. فتكاملت الرؤى، وترابطت، وتوحدت، واعتمدت العوامل على بعضها.. فعندما يتكلم "ابن خلدون" عن العمران يؤكد على فرعيه "الحضري والبدوي"، اي المديني والريفي.. كدليل لاهمية التكامل والترابط في النجاح. وعندما تغلق ابواب النجاح تفتح ابواب الفشل، ويبدأ العد التنازلي للتراجع. فالتآكل كالتراكم، قانونه الاواني المستطرقة، يصعد كله او ينزل كله، الا من ينقطع عنه. تضاعف سكان العراق اربع مرات خلال العقود الخمسة الاخيرة... فقضى كثيرون في جيوش الجوع والحرب.. تجندهم الدول الاجنبية او حروب الطوائف وامراء الارض وصولاً لصدام الذي فاق الجميع.. فان بقي فائض فتتلاقفه مدن الصفيح ومجمعات التهجير وبلدان المهجر.. وازدادت الثروات، ليزداد مقابلها جيش المعدمين الفقراء العاطلين. وازداد حملة الشهادات وعدد المدارس والمستشفيات والاطباء ومن يحمل السلاح.. لكن معدلات الامية والجهل والجريمة الاجتماعية والسياسية قد ارتفعت ايضاً.. وتراجعنا بمقياس العلوم والتنظيم والانتاج الفكري والمادي مقارنة بغيرنا.. وتدهورت المختبرات والاكتشافات والاختراعات.. وقل العلماء والفنانين والادباء وحملة القلم وصناع المهنة ورجال الاعمال والتجارة الاكفاء، او صاروا ينتجون لامم اخرى. وانخفضت معدلات الحياة للانسان والارض والماء والاعمال النافعة والصالحة. وازداد الموظفون لتنقص خدمات الدولة للمواطنين وخدمات المجتمع لنفسه.. وتصاعدت موارد النفط الهائلة على حساب غيرها.. لتصرف لتطوير آلة الحرب والدمار والفساد والعبث.. بدل ان تصرف لقلب المعادلة وكسر الحلقة لنعود لمراكمة المكاسب والمنجزات التي ترفع بعضها بعضاً، والتي تحمينا في يومنا وغدنا. "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم".

[322: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني