ما بعد التعبئة الشعبيّة
نزار حيدر
2014/07/10
هل صحيح ما يتخوّف منه البعض من ان فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرتها المرجعية الدينية العليا لمواجهة الإرهاب الذي بات يهدد العراق والعملية السياسية والنظام الديمقراطي برمته، والتي انتجت كل هذا الحشد التعبوي العسكري الكبير، ستتيح المجال، مرة اخرى، لظهور الميليشيات الخارجة عن القانون؟. قبل ان أجيب على هذا السؤال ينبغي الإشارة الى الملاحظات التالية: اولا: ان ظاهرة الميليشيات في اي بلد تتناقض تناقضا كليا وجذريا مع عملية بناء الدولة العصرية ومؤسساتها المدنية، ولذلك لا نجد هذه الظاهرة في المجتمعات التي تبسط فيها الدولة ومؤسساتها القانون بشكل كامل وسليم، فيما نجدها منتشرة في المجتمعات التي تغيب فيها الدولة عن الحياة العامة، اما لفشلها او لضعفها. ان العراقيين اليوم يبذلون قصارى جهدهم من اجل بناء دولة عصرية ومدنية تعتمد الدستور والقانون، بعيدا عن اي نوع من انواع التمرد والتجاوز على القانون، او بناء ما هو مرادف لمؤسسات الدولة، ولهذا السبب فان المرجعية الدينية أحرص ما تكون للالتزام بهذه الرؤية، منذ سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام ولحد الان، وهي عندما أصدرت فتوى الجهاد الكفائي، أكدت فيها على ان التعبئة الشعبية يجب ان تأتي ضمن الاطر الدستورية والقانونية النافذة والمعمول بها، رافضة أية محاولة، ومن اي طرف كان، تستهدف بناء قوات مسلحة رديفة للمنظومة العسكرية القانونية، وكل ذلك من اجل الوقوف، وبقوة، بوجه محاولات البعض لإعادة بناء الميليشيات الخارجة هو القانون، ولتوكيد الرؤية الواضحة بشأن بناء الدولة العصرية والمدنية. لقد جاءت الفتوى لمواجهة حالة طارئة يمر بها العراق بسبب تمدد الإرهاب في مناطق عدة من العراق، وهي، بلا شك، سينتفي مفعولها عندما يعود الوضع الأمني والعسكري الى الحالة الطبيعية، وعندما يُعاد بناء الدولة ومؤسساتها بحيث تكون قادرة على مواجهة الإرهاب، وإعادة بسط الأمن في عموم العراق، وهو المسار الذي يتلازم مع المسار السياسي بلا شك، والذي يأمل العراقيون ولادته تحت قبة البرلمان في أقرب فرصة ممكنة، من خلال تشكيل الرئاسات الثلاث للدولة وباشخاص ورؤى وسياسات ومنهجيات جديدة بلا شك، ليتم الاستفادة من اخطاء الماضي وبناء شراكة حقيقية بين مختلف الكتل النيابية التي حجزت مقاعدها في مجلس النواب الجديد. ثانيا: ان الميليشيات تظهر عادة كرد فعل من المجتمع لحماية نفسه عندما تفشل الدولة، خاصة المؤسسة الأمنية، في حماية الناس ودماءهم وأعراضهم وممتلكاتهم، حمايتهم من العنف والإرهاب والجريمة المنظمة ومن عدوان الجماعات الخارجة عن القانون كالجماعات الظلامية التي تسعى لفرض نفسها على الناس بالقوة. وفي العراق الجديد، فان ظهور ما يسميه البعض بالميليشيات (الشيعية) كان بسبب الأخطاء الفضيعة التي ارتكبتها الادارة الأميركية في العراق اثر سقوط النظام الشمولي الديكتاتوري البائد، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: / حل المنظومة العسكرية والأمنية والشرطة بالكامل، ما خلق فراغا أمنيا مرعبا استغلته عدد من دول الجوار المعادية للعملية السياسية الجديدة، وعلى رأسها نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية، لبناء ميليشيات تكفيرية ارهابية، تحولت فيما بعد الى جماعات ارهابية ظلت تمارس القتل والتدمير الى يومنا هذا، مدعومة بفتاوى التكفير الطائفية التي حثت الشباب المغرر بهم للذهاب الى العراق واللحاق بركب (المجاهدين) الذاهبين الى الجنة لحضور مآدب الغداء والعشاء العامرة مع رسول الله (ص) لمجرد ان يقتل احدهم (شيعيا) على وجه التحديد. / اعادة تشكيل الجيش العراقي الجديد على غير الأسس والمعايير الوطنية، في إطار ما بات يعرف بالمحاصصة، ولقد كنت قلت في اكثر من حديث متلفز وحوار صحفي ومقال، ان بناء المنظومة العسكرية والأمنية على أساس المحاصصة يعد جريمة لا تغتفر. وما زاد الطين بلة قرار (الدمج) الذي أصدرته سلطة الائتلاف المؤقت، والذي سمح للقوى المسلحة التابعة للأحزاب الحاكمة، والتي كانت تقاتل ضد النظام البائد، بالانخراط في صفوف المنظومة العسكرية والأمنية الجديدة، ما ساهم في بناء (جزر) عسكرية وأمنية داخل هذه المنظومة تتعدد ولاءاتها وانتماءاتها الحزبية والسياسية حد التناقض، وحد التمرد على الدولة ومؤسساتها، الامر الذي أنتج اليوم ما نراه على ارض الواقع. / المبادرة في تشكيل الميليشيات (السنيّة) والمعروفة بالصحوات، في العاصمة بغداد وفي عدد من المحافظات والمدن السنية، الامر الذي شجّع، في المقابل، وحرّض على تأسيس عدد من الميليشيات (الشيعية) التي شعرت انها مستهدفة على المدى البعيد بمثل هذه الخطوة الأميركية، خاصة عندما قررت واشنطن دمج قوات (الصحوات) في المنظومة العسكرية والأمنية الرسمية. وبرأيي، فان كل هذه المظاهر المسلحة ستختفي من الشارع في اللحظة التي تعيد فيها الدولة سلطتها الدستورية والقانونية، وعندما يشعر الناس انهم في مأمن من العنف والإرهاب الذي يغذيه نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية وقطر، الامر الذي يتطلب دورا أميركيا واسعا ومباشرا للضغط على حلفائها التقليديين في المنطقة للتعاون مع العراقيين لبسط الأمن في البلاد والقضاء على كل انواع العنف والإرهاب المدعوم منهم. ان التعبئة الشعبية التي تشكّلت بفتوى المرجعية الدينية العليا، ستعود الى حياتها الطبيعية بفتوى اخرى منها حال عبور المرحلة الاستثنائية التي يمر بها العراق حاليا، والتي نأمل ان تكون سريعة جدا، من خلال تعجيل السياسيين في بناء مؤسسات الدولة وتسمية الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة الجديدة، بعيدا عن كل انواع التشبث بالسلطة والعناد والتزمت في المواقف، والذي سيعقّد من الأزمتين السياسية والأمنية. *ملخص حديث لقناة (صوت اميركا) الفضائية في ستوديو برنامج (أفق)

[255: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني