التغليف المذهبي للصراعات بالدول الخليجية
وكالة شفقنا
2014/03/11
المتتبع للأمور في الدول الخليجية لا بد أن يلحظ تصاعد النبرة المذهبية والطائفية وذلك في محاولة واضحة من قبل الأنظمة الخليجية وخاصة في السعودية والبحرين والكويت لطمس التناقضات الاجتماعية والتحركات الشعبية التي تطالب بالإصلاحات على المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وان كانت بدرجات متفاوتة في هذه البلدان. ولقد أصبحت التوترات والصراعات المذهبية سمة وعاملا جوهريا في الحياة السياسية للدول الخليجية بشكل عام. وهنالك محاولات حثيثة ومكثفة ومبرمجة على أعلى المستويات لإظهار وإعطاء الانطباع الخادع على أن هذه التوترات والصراعات المذهبية والطائفية هي دخيلة على هذه المجتمعات وعلى أنها نتيجة لعوامل خارجية محضة، وخاصة تلك الاحداث التي تجري في العراق وسوريا بالإضافة الى الادعاءات المتكررة للتدخلات الإيرانية لثوير المجتمعات الشيعية المتواجدة في بعض هذه البلدان وخاصة في المنطقة الشرقية في السعودية وكذلك في البحرين. وتلعب وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وكذلك دور العبادة من جوامع ومدارس دينية والنظام التعليمي دورا هاما في تعميق الهوة بين السنة والشيعة وإشاعة الكراهية لكل ما هو شيعي، وللأسف نقولها أن هناك العديد من النخب والكتاب تجند عن وعي او دون وعي لها الغرض وبالتالي تدعيم الخطاب المذهبي المقيت. ان جوهر هذه التوترات المذهبية والأسباب الحقيقية الكامنة وراءها هي عدم وجود أنظمة حكم جامعة لكل المكونات الاجتماعية في هذه الدول، لكونها محكومة من قبل عائلات بمنطق قبلي تمتلك الأرض وما عليها وتستحوذ على كل خيرات ومقدرات البلد وتعتبر انها تدير البلاد والعباد عن طريق مكارم شيخ القبيلة. ولا شك أن عدم المساواة في الحقوق وسياسات التمييز الواضح على كافة الأصعدة الحياتية في سوق العمل او في المؤسسة الدينية او النظام القضائي او برامج تطوير المحافظات والخدمات أو الوظائف الحكومية...الخ، يعمق التهميش السياسي والاقتصادي للمجتمعات الشيعية، ويلعب الدور الرئيسي في إيجاد الشرخ المجتمعي القائم على التمييز المذهبي. ومن المعروف انه في اللحظة التي تتفكك فيها الدول أو تصل الى مرحلة عدم قدرتها أو نيتها على تقديم الاحتياجات لمواطنيها يصبح من السهل تسيس الهوية المذهبية وتأجيج التوترات المذهبية عبر تضخيمها وذلك لحسابات ولاءات أخرى. ومن هنا تقوم الدولة بتسخير النخب السياسية والفكرية والدينية والإعلامية في محاولة لجر أكبر عدد من مواطنيها خلف الراية المذهبية. وفي الدول الخليجية وخاصة في السعودية حيث نمى وتجذر مهد الفكر الوهابي التكفيري الذي نمى وتجذر وانتشر وعمدت العائلة الحاكمة على تدعيمه ومده بالمال وعملت على نشره في العديد من الدول الاسيوية والافريقية من خلال المدارس الدينية التي أقامتها في تلك الدول وهذا الجانب لعب دورا أساسيا لنشؤ المجموعات الإسلامية المتشددة والارهابية والتي تقوم بتفجير دور العبادة الشيعية كما حدث ويحدث في الباكستان على سبيل المثال لا الحصر. ولقد توجت المجهودات السعودية في هذا الاطار بميلاد تنظيم القاعة في أفغانستان وانتشاره على المستوى العالمي كما نخبره الان، ولكن هذا ليس موضوعنا هنا. لقد عمدت السلطات الخليجية وخاصة السعودية والبحرانية والكويتية منها في تأجيج التوترات الطائفية وخاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق وما أحدثه من تغيرات سياسية به والذي أتى بالتيارات الشيعية الى سدة الحكم، وذلك لتحقيق أكثر من هدف. أول هذه الأهداف هو ضرب أي نوع من التنسيق بين المعارضة السنية والشيعية في هذه الدول التي قد تتمخض عن تكوين جبهة داخلية معارضة قوية تتخطى الحواجز الطائفية وبالتالي ترسيخ فكرة المواطنة. وهذه المعارضة التقت على المطالبة بالإصلاحات الديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية ضمن المؤسسات السياسية القائمة بمعنى انها كانت حركة مطلبية ولم تنحى الى المطالبة بإسقاط الأنظمة القائمة، كما كان الحال بالتحركات التي شهدها ما سمي "بالربيع العربي". اما الهدف الثاني فهو محاولة ثنيهم عن المطالبة بالديمقراطية مظهرين من خلال وسائل اعلامهم ما الت اليه حركات الاحتجاجات العربية من إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار في الدول التي أصابها "الربيع العربي" وعلى أن الضامن الوحيد للاستقرار والسلم الاهلي هو الوضع القائم والعائلات الحاكمة للممالك والامارات الخليجية. ومما لا شك به ان الأموال الطائلة التي تجنيها هذه الدول والامارات يساعدها في شراء العديد من النخب التي تنفخ في هذا الإطار، حيث نرى العديد من الأساتذة الجامعيين والعاملين في مراكز أبحاث استراتيجية ما زالوا يتكلمون عن أولياء الأمور الذين بيدهم القرار ويرون في البرلمانات والانتخابات هي بدع غربية غير صالحة للمجتمعات الخليجية، ويتصدون للدفاع عن الأوضاع القائمة واولياء الأمور وقراراتهم في البرامج التلفزيونية وغيرها. والهدف الثالث من اثارة هذه النعرات المذهبية هو توظيفها سياسيا لتبرير عمليات القمع والارهاب الذي تمارسه السلطات والأجهزة الأمنية في الدول أو المناطق التي يسكنها اغلبية شيعة، كما هو الحال في المنطقة الشرقية للسعودية وكذلك في البحرين، حيث يتم تجريم أي فرد بمجرد المشاركة في عمليات الاحتجاج السلمية وإنزال العقوبات والاحكام الجائرة بحق المحتجين وسجنهم لعدة سنوات، واعتبار اية مطالبة بعمليات الإصلاح والمساواة في الحقوق وعدم التمييز بمثابة تهديد للأمن القومي للبلاد. ولم يقتصر التوظيف السياسي لإثارة النعرات المذهبية والطائفية على الداخل بل تعداها الى خارج البلاد حيث وظفت في تجنيد وتدريب وتسليح العديد من الشبان من الدول الخليجية وخاصة من السعودية وارسالهم للقتال في الداخل السوري تحت شعار محاربة الشيعة، والعلويين ،والمرتدين، والكفار، والفرس، والمجوس، والى ما غير ذلك من عبارات الشحن المذهبي والطائفي، والتي أدت الى ارتكاب مجازر وافعال مشينة والذبح على حسب الهوية المذهبية وكلها ترقى الى جرائم ضد الإنسانية. ووصلت بالبعض الى اكل الأعضاء البشرية والتمثيل وتقطيع الجثث. ولقد جند العديد من رجال الدين المرتزقة الذين كانوا يقومون بحث الشباب من خلال خطب الجمعة في المساجد ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي للذهاب للجهاد على الأرض السورية. وجمعت الأموال الطائلة تحت اعين الدولة وأجهزة أمنها في الكويت والسعودية والامارات وقطر والبحرين وارسالها الى الارهابيين والتكفيريين الذين يقاتلون الجيش العربي السوري. ولم ينحصر الامر على سوريا فقد تصاعد الارهاب والقتل بالسيارات المفخخة في العراق بشكل لم يسبق له مثيل وكل ذلك على أسس مذهبية والواضح ان السعودية لها يد في التفجيرات الغير مسبوقة بعددها وما تحدثه من قتلى للأبرياء من المدنيين. أما الهدف الرابع الذي تسعى اليه بعض الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية من تأجيج النعرات المذهبية واللعب بهذه الورقة هي إبقاء أكبر عدد من الدول الخليجية تحت مظلتها والإبقاء على حالة العداء لإيران ومحاولة جر بعض الدول العربية الأخرى الى هذا الموقف، وخاصة بعد توقيع الاتفاقية بين الدول الست الكبرى وإيران حول برنامجها النووي الذي أتاح لإيران العودة الى الساحة الدولية والإقليمية، وهو ما تخشاه السعودية التي ترى فيه أن ذلك سيكون على حسابها. ,هذا يفسر حالة الهستيريا التي انتابت السعودية بعد توقيع الاتفاقية وردود الفعل الغير منضبطة واتباع سياسات متهورة غير محسوبة النتائج والعواقب، كنا قد أشرنا الى هذا في مقالات سابقة هنا من على صفحات المنار. ومن هنا نستطيع ربما أن نفهم الأسباب التي من وراءها طرحت السعودية فكرة الاتحاد بين الدول الخليجية وكذلك فكرة اقامت جيش للدول الخليجية قوامه 100000 جندي يكون مركزه السعودية، وذلك بحجة التصدي للمتغيرات الجديدة التي طرأت على الساحة الإقليمية والدولية. وهنالك على ما يبدو محاولات لإقحام مصر والجيش المصري ضمن هذه الصراعات المذهبية، فلقد ذكرت احدى الصحف مؤخرا (المصري اليوم 04-03-2014) بان الامارات ترغب في إقامة قاعدة عسكرية مصرية بالخليج، ومن المعروف ان الامارات هي حليف رئيسي للسعودية في منطقة الخليج، وكلاهما يقدمان الدعم المالي لمصر منذ تحركات 30 يونيو التي أدت للإطاحة بحكم الاخوان المسلمون في مصر . والحديث لمأمون فندي وهو استاذ للعلوم السياسية بجامعة جورج تاون الأمريكية . يعمل حالياً رئيس معهد الدراسات العالمية بلندن، " ان الامارات العربية ترغب بوجود قاعدة عسكرية مصرية في الامارات، وهناك بعض التردد المصري، ولكن من باب أن مصر مشغولة بالوضع الداخلي وان هذه الرغبة وصلت الى دوائر صنع القرار المصري." أما الفريق أول محمد بن زايد الاماراتي فقد عبر على "تويتر" بقوله " نرحب بجنود الكنانة على أرض الامارات العربية المتحدة". ويشير مأمون فندي الى مثلث خير بازغ متمثل في تحالف مصر والسعودية والامارات ضد مثلث شر غير عربي عدواني متمثل " ايران-إسرائيل-تركيا" . والذي يبدو ان اقحام إسرائيل هنا جاء للتمويه حيث اشارت العديد من الصحف على وجود تنسيق رفيع المستوى بين بعض الدول الخليجية ومنها السعودية والامارات مع الكيان الصهيوني خاصة بعد توقيع الاتفاقية بشأن الملف النووي الإيراني. ولقد أشار فندي الى " ان الامارات تجد في تواجد مصر في الخليج دور بارز في الحفاظ على الامن الخليجي". وأخيرا نود ان نؤكد من أن اثارة النعرات المذهبية في الدول الخليجية والتي تلعب السعودية مهد الوهابية التكفيرية الدور الرئيسي والبارز فيه انما يراد منه الهروب من دفع استحقاقات داخلية والتملص من الإصلاحات التي كان من المفترض ان تتم منذ فترة طويلة، كما أنها تعطي تبريرا وغطاء لعمليات القمع والتنكيل بالمعارضين والحركات الاحتجاجية السلمية، الى جانب محاولات تطويق وضرب محور المقاومة والحد من الدور الإقليمي الوازن لإيران. ولكن ما يجب أن ندركه أن اثارة النعرات المذهبية والمغالاة في هذا الاتجاه وتصنيع الإرهاب والتوظيف السياسي للمذهبية هو سلاح ذو حدين، وهناك الكثير من الأمثلة التي انقلب بها السحر على الساحر، وهذا ما بدأنا نشاهد بوادره الان. وما المراسيم الملكية السعودية بشأن الإرهاب والقتال في سوريا وحالة الاستنفار القصوى للأجهزة الأمنية الخليجية والتفجيرات التي حصلت مؤخرا في قطر والبحرين الا دلائل حية على هذا. والسؤال هنا هل جاءت هذه الصحوة وما تبعها من إجراءات أمنية متأخرة؟ وما الذي ينتظره الخليج وخاصة بعد الخلافات التي نشبت بين الرؤوس التي رعت وما زالت ترعى الإرهاب وتنفخ في بوق النعرات المذهبية والطائفية ونعني السعودية وقطر؟ هل تسلط كل منهما المجموعات الإرهابية التي ترعاها ضد الدولة الأخرى وبالتالي يتم نقل الصراع الى الساحة الخليجية؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام القادمة. بقلم: د. بهيج سكاكيني

[341: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني