كيف نحقق التميز؟
نزار حيدر
2013/09/25

لا يوجد انسان على وجه البسيطة لا يرغب في ان يتميز عن الاخرين ولو بخصلةاو بانجاز، والامر ذاته ينطبق على الامم والشعوب، فهي الاخرى تبحث عن التميز في هذا العالم الذي اشتد فيه صراع الارادات الذي دخلنا فيه طوعا او كرها، بعد ان اصبح العالم اليوم محكوما بنظرية (القرية) على اساس مبدا العولمة، والذي لا يمكن لاحد ان يفر منه او يختبي عنه ابدا.

ولا اخال انفسنا نشذ عن هذه القاعدة، فنحن كذلك نسعى للتميز، فكيف يا ترى يمكننا ذلك؟.

اولا: الثقة بالنفس، فمهزوز الشخصية لا يتميز ابدا، لان الثقة هي البنيان المرصوص الذي يشيد عليه المرء تميزه، وبالثقة يربح المرء نفسه وتاليا يكسب الاخرين، والواثق يتوكل اما الشاك فيتواكل.

ونحن، بحمد الله تعالى، ننتمي الى مدرسة عظيمة في العلوم والفكر والمنهج والوسائل والرموز والسيرة والنموذج وفي كل شيء، واقصد بها مدرسة ائمة اهل البيت (ع) فلماذا نتردد عندما نتحدث عن انفسنا؟ ولماذا لا نثق بها ونحن نمر بهذا المعترك الصعب، معترك صراع الارادات؟.

علينا ان نفتخر باننا نمتلك شخصية عظيمة هي امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) الذي قال {علمني حبيبي رسول الله (ص) الف باب من العلم، يفتح لي في كل باب الف باب من العلم} ما يعني ان عند الامام مليون عنوان من العلم، فلماذا لا نجتهد لنتعلمها ومن ثم نعلمها وننشرها في العالم المتعطش للعلوم، للمساهمة في ايجاد الحلول اللازمة لمشاكل الانسانية في هذا العصر؟ وللعلم فان الحديث يشير الى حقيقة في غاية الاهمية اتمنى على المتخصصين اكتشافها وتسليط الضوء عليها، الا وهي: ان مصدر كل العلوم، قديما وحديثا، هو اهل البيت (ع) الا ان تعرضم وشيعتهم للاضطهاد المستمر اضاعها او سجلها باسماء آخرين كذبا وزورا، وذلك في اطار خطة اموية قذرة الهدف منها طمس علوم اهل البيت (ع) او تغييبها او على الاقل تسجيلها بغير اسمائهم، وعلى حد قول احدهم عندما سئل عن علوم امير المؤمنين (ع) (ما أقول في شخص أخفى أعداؤه فضائله حسداً، وأخفى أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً، وظهر فيما بين هذين ما طبقت الشرق والغرب) او قول ابن ابي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة (وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها، وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكراً، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسمواً، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم يتضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبت عنه عينا واحدة أدركته عيون كثيرة، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها) او قول الاديب العالمي جبران خليل جبران (إن علي بن أبي طالب (ع) كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى من عداه من الأصحاب شبه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدة الإقتراب ممسوس في ذات الله).

لماذا لا نفتخر باننا نمتلك الحسين بن علي (ع) الذي يظل مرقده كعبة الكرامة الانسانية عندما رسم لنا معالم الحياة بحرية وعز فرفض الخضوع للطاغوت وآثر القتل والاستشهاد على الحياة بذل؟ الامام الذي خط بنهجه وبدمه الطاهر وبشهادته مقتولا في كربلاء في عاشوراء عام 61 للهجرة اروع صور التضحية من اجل الانسان، والحياة الحرة الكريمة، ومن اجل القيم النبيلة.

لنفتخر باننا نمتلك الامام زين العابدين علي بن الحسين السجاد (ع) الذي علمنا كيف نتحدث مع الخالق جل وعلا، في نصوص من الادعية والمناجاة ليس لها مثيل في الدنيا، فيها من العلوم والفلسفة والاخلاق والادب والعلاقات العامة ما يعجز الانسان عن استنطاقها كلها جميعها، وهو الذي ترك لنا سفرا عظيما فصل فيه الحقوق اسماه (رسالة الحقوق) والتي تعجز البشرية عن الاتيان به ابد الدهر.

لنفتخر باننا نمتلك الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) الذي كان يسمى في عصره بالاستاذ والمعلم والامام لان كل العلماء والفقهاء آنذاك تتلمذوا على يديه، ليس العلوم الدينية فحسب وانما حتى العلوم الدنيوية كذلك، فهذا جابر بن حيان ابو الكيمياء ينقل عنه اكثر من (5) آلاف رسالة في الكيمياء وحدها.

هذا الامام الذي ما رفض يوما ان يحاور احد، مهما كان دينه ومذهبه وعقيدته، بالمنطق والعقل، حتى الكفار والزنادقة والمرتدين كان يحاورهم على اسس علمية رصينة، بلا تكفير او سب او شتيمة او ضرب.

وهكذا بقية رموزنا وائمتنا وعلمائنا الذين لو امتلك غيرنا معشار ما عندنا لحكم العالم بهم ولقاد الانسانية بعلومهم، فلماذا ترانا نتردد ونخجل ونتراجع كلما ذكرناهم او ذكروا امامنا؟ لماذا لا نتسلح باسمائهم وعلومهم ومعارفهم ودينهم واخلاقهم وسيرتهم، كنماذج تحتذى؟.

ان بناء الثقة بالنفس يعتمد الثقة بما نملك اولا، وان المتردد او مهزوز الشخصية احد اثنين، فاما انه ينتمي بالاسم فقط فهو لا يعرف محتوى انتمائه ولذلك يجهل الاصل والجوهر، واما انه يعرف ولكنه لا يثق بما يقرا ويتعلم، كونه مبهور بالاخرين على الرغم من قلة ما في ايديهم مثلا.

ثانيا: ومن اجل ان نثق بما عندنا من علوم ورموز وائمة وقيادات فان علينا ان نتسلح باسلحتهم، ونتخلق باخلاقهم، سواء لبناء العلاقة فيما بيننا او مع الاخرين، فالشخصية المتناقضة هي الاخرى لا تستطيع ان تبلور الثقة بالنفس بشكل صحيح، واقصد بها الشخصية التي تدعي الانتماء للتشيع الا انها تتقمص في ممارساتها اليومية شخصية ابن آكلة الاكباد معاوية بن هند مثلا، او انها تدعي الانتماء للحسين سيد الشهداء الا ان اخلاقها اخلاق قاتله يزيد بن معاوية، فهذه الشخصية المتناقضة والمنافقة هي الاخرى لا يمكنها ان تبني الثقة بالنفس ابدا، لانها تخجل من نفسها قبل ان تخجل من الاخرين.

ولعل من اهم ما يلزمنا التسلح والتخلق به من اسلحة واخلاق اهل البيت (ع) في هذا العصر هو:

الف: العلم، اذ يكفينا اننا ننتمي الى مدرسة زق ائمتها العلم زقا، فكانت لهم صولة في كل العلوم، الدينية منها والدنيوية، فلماذا لا نتسلح بالعلم ليفخر بنا ائمتنا كما نفخر بعلومهم؟ لماذا اصيب مجتمعنا بالجهل والامية والتخلف الفكري والثقافي لدرجة مخيفة؟ لماذا لا نمتلك المراكز والمؤسسات البحثية المتخصصة بالعلوم الانسانية تحديدا والتي تساهم بشكل مباشر في ترشيد المجتمع وفي ايجاد الحلول الممكنة لمشاكل البشرية، ان على صعيد حقوق الانسان او على صعيد الاقتصاد والاجتماع وغيرها؟.

الى متى نظل منشغلين بجلد الذات وبالقيل والقال وبالخلافات وبمنهجية التشكيك وبالتوقف عند التاريخ حتى بتنا في نهاية قافلة البشرية التي تشهد اليوم تطورا مضطردا في العلوم والتكنلوجيا والانتاج الفكري؟.

باء: الحوار بالتي هي احسن، فلا نوظف سياسات جاهلية مثل التسقيط والتخوين والدعايات التافهة واغتيال الشخصية كلما تحاورنا فيما بيننا، فضلا عن سياسات القتل والذبح والتفجير والتفخيخ اذا ما اختلفنا مع الاخر، ايا كان، الم يقل القرآن الكريم {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} فلماذا نوظف، اذن، اسوء الادوات في الحوار؟ ولماذا ننصب محاكم التفتيش للبحث في عقول وعقائد وايمان الناس، والله تعالى هو المختص وحده بذلك؟ من عيننا ظلا لله تعالى او وكلاء عنه في ارضه ندخل من نشاء الجنة وندخل من نشاء النار؟.

جيم: عصرنة مدرسة اهل البيت بما يساعد البشرية في فهم واستيعاب قيمها ومفاهيمها وعلومها، وكل ما يتعلق بها، وفي قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} دليل على ضرورة تحديث العلوم ووجوب عصرنتها بما ينسجم ويتلاءم مع لغة الزمكان المتغيرة.

نحن على ثقة من ان هذه المدرسة العظيمة والمباركة فيها كل ما تحتاجه البشرية من علوم، الا ان المشكلة هي اننا لم نعمل على عصرنتها لنقدمها الى العالم باللغة العصرية الجديدة التي يفهمها لا باللغة المذهبية مثلا او حتى الدينية، فاذا كانت مدرسة اهل البيت عليهم السلام للناس كافة، ولكل زمان ومكان فلماذا اذن لا نقدمها لغير المسلمين سواء من اهل الكتاب او من غيرهم؟ ليس بالضرورة ان نقدمها كدين او كمذهب ابدا، وانما نقدمها كقيم وعلوم ومناهج في التربية والتعليم والحقوق والادارة والتنمية وفي كل شيء تحتاجه البشرية اليوم وفي كل يوم.

اننا نظلم هذه المدرسة اذا ما تعاملنا معها كتاريخ مضى او كماض سحيق، فتتكلس وسائلنا على ما كانت عليه في الماضي القديم، او تصدأ طرقنا في تقديم علومها بطرق اكل عليها الدهر وشرب.

ان لنا اليوم اجيال جديدة ولدت ونمت وترعرعت في بلاد الغرب، وهي لا تقبل منا التفاسير القديمة والمقولبة التي نقدم بها لهم مدرسة اهل البيت، فقد يصيبهم الياس والاحباط من عدم قدرة الكبار على تقديم التفسير الجديد لهذه المدرسة، ما يتطلب ان تتظافر الجهود والطاقات من اجل اعادة صياغة مفاهيم المدرسة بشكل عصري يتناسب واللغة العصرية سواء للبشرية بشكل عام او للجيل الجديد، وكذلك اعادة تفسير علوم هذه المدرسة بما يتلاءم وحاجة الزمان والمكان.

كذلك، فان ذلك يتطلب منا ان نفسح المجال للجيل الجديد ليساهم في عصرنة المدرسة بما يفهمه ويتعلمه في بلاد الغرب، طبعا وباشراف المتخصصين واهل العقل الراجح، لنحافظ معهم على الاصول وناخذ بالجديد من الوسائل والادوات، وذلك هو جوهر التحديث والتجديد.

دال: التعقل والعقلانية، من خلال توظيف العقل في اسمى صوره وارقى معانيه، بعيدا عن ثقافة الاحلام والخرافات والتفسير الغيبي لكل شيء واستحضار الاحاديث الشريفة بما تهوى الانفس، فترانا منشغلون بالانتظار السلبي، او بالدعوات الكاذبة، او بالادعاء بما ليس من حقنا او فينا، وكل ذلك سببه الاحباط والفشل الذي اصاب الكثير، او بالتفسير والفهم الخاطئ لما نقراه قبل العودة الى {اهل الذكر} الذين امرنا الله تعالى بالعودة اليهم كلما التبست علينا الامور، بقوله عز من قائل {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.

ان العقلانية مطلوبة اليوم لرص الاولويات ولتحديد الاهم والمهم، وللتقليل من غلواء الخلافات التي مزقتنا شر ممزق، ولحماية التنوع الذي يكسبنا قوة متجددة، فالى متى نترك مصائرنا بيد الجهلة والمتخلفين من المتفيقهين ومن ادعياء العلم والمعرفة؟ الى متى تقودنا جماعات العنف والارهاب، او الجماعات الضلامية المتزمتة بسبب الجهل؟.

لقد تصدى ائمة اهل البيت (ع) للشان العام بشكل كامل وبكل قوة واقتدار، كل في عصره وحاجاته، فلماذا لا يتصدى العلماء والفقهاء والمفكرون والمثقفون للشان العام بكل قوة ليزيحوا المتفيهقين عن طريق الامة؟ اولم يقل رسول الله (ص) في الحديث الشريف {اذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه}؟ وهل هناك اكثر من هذه البدع ننتظر ظهورها ليظهر علماؤنا علومهم؟.

[340: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني