تراجع الدينار.. وسعران للصرف.. عودة للوراء
الدكتور عادل عبد المهدي
2013/05/21

يزداد التزاحم والطلب على الورقة الخضراء. فالفجوة بين العرض والطلب تتسع ـ منذ أشهر ـ بمعدل 60 ـ 70 مليون دولار يومياً.. فتولدت سوق سوداء وسعران للصرف بفارق 8 ـ 10%.

وهذا امر مقلق يعيدنا لسياسات التضخم واسعار الصرف المتعددة. فخلاف دينار "الرانك زيروكس" الذي تحول لورقة لا تساوي قيمتها.. ولضريبة غير منظورة يدفعها المواطن نتيجة "الاصدار التضخمي"، فان الدينار الجديد تحول لعملة "صعبة" ارتفعت قيمتها (20%) واكثر امام الدولار (2004 ـ 2012).. فما دام الدولار يُشترى بالدينار القوي و"الصعب"، فان هذا من شأنه ان يبدد ـ كسياسة ـ شكوك الهدر والتهريب، من دون ان يلغي دور الرقابة والمتابعة لمنع تلاعب المتلاعبين.

مشكلتنا ان لدينا دينارا قويا مصدره الواردات النفطية ينتمي لاقتصاد ضعيف احادي السلعة يعتمد على الخارج.. ليس للاستيراد والسياحة فقط.. بل ايضاً للتعلم والطبابة والهجرة والاقامة والاستثمار والمضاربة والادخار، الخ. وبدل ان نحسن اداء الاقتصاد ليصبح قوياً، ونعزز شروط انفتاحنا لمصلحة المجتمع والاقتصاد الوطني.. وليصبح للدينار مركز اقليمي ودولي يزيد من قوته والطلب عليه، هربنا للامام وبدأنا بتحميل السياسة النقدية الناجحة عموماً تبعات السياسة الاقتصادية الفاشلة عموماً. وذهبنا لملاحقة الفلس وخسارة الدينار، واتهام واعتقال الناس اولاً لنوفر الدلائل والقرائن لاحقاً.

ما لم تتغير المفاهيم والاجراءات مع تغير الانظمة فانها ستتصادم، كما يحصل الان.. فعندما نتخلى عن سعر الصرف الرسمي لمصلحة العرض والطلب.. وعن تقييد التحويل الا باستثناءات، الى اطلاقه بعد توفير مستلزماته.. وعندما نسعى للانتقال للاقتصاد الاهلي واقتصاد السوق، عندما تحصل هذه التحولات، ويحرم الدينار القوي من اشباع حاجته من الدولار، فان ذلك سيضعف الاقتصاد، ويدفع رؤوس الاموال للهرب ويمنع غيرها من المجيء.. وسيقلل ثقة العالم بالدينار ويضعفه.. فلا يؤسس لنفسه استقراراً محلياً واسواقاً خارجية.. وسيزيد من عوامل التبعية للخارج.. ويشجع التضخم والفساد والغش.. وشواهدنا كثيرة، كالشركات المؤسسة بسرعة في عواصم مختلفة، والمستعدة لتزويد الراغبين "بفواتير" تحمل تصديق السفارات والشركات، لتسهيل التحويل لغرض الاستيراد.. وكالحصول على الدولارات عبر تجميع الجوازات، للاستفادة من فارق السعر، وليس للسفر حقيقة.. كل ذلك بكلف اضافية سيدفع ثمنها الاقتصاد والمواطن.

الاقتصاد كالطبيعة يمكن استثمار قوانينها ودرء بعض مخاطرها.. لكن لا يمكن اللعب بتوازناتها وتجاوز حدودها.. والا سترتد علينا كانحباس حراري و"تسونامي" وتصحر وتقلبات لا نفهمها.

[429: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني