قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء ....حنطتنا معجونة بلحم كربلاء....
قاسم العجرش
2012/12/31

قصة قصيدة نزار قباني التي هزت نظام صدام

منعت وزراة الإعلام نشرها في الصحف العراقية على الرغم من أن من ألقاها كان عين قلادة المربد، كان كل من يتداولها كان يتهم ويلقى عليه القبض ويزج بغياهب السجون...لم تنشرها الصحف ... ولم يعاد بثها من محطات التلفزيون، وبعدها منع "نزار" من دخول العراق، وسحبت دواوينه من المكتبات ، وتعرض الى حملة شعواء من التشويه والتسقيط وصل حتى حد الطعن في أخلاقه...ألقيت هذه القصيدة في مهرجان المربد الخامس في بغداد عام 1985 الذي كان يرعاه صدام، وكان المربد بوابة النظام نحو العرب، كان عضو قيادة النظام وزير الاعلام لطيف نصيف جاسم حاضرا، وتجهم وجههه وأصفر لونه وأحتبست أنفاسه حينما بات واضحا أن القصيدة من أولها الى آخرها تقصد سيده صدام، في ذلك الوقت كان لطيف نصيف جاسم، قد أمتلك ناصية التحشيد الإعلامي، وكان يمني نفسه بمديح من "نزار" لسيده صدام أسوة بما فعله شعراء عرب آخرين أنفق عى دعوتهم الكثير: االكويتية سعاد العبد الله الصباح.. المنصف المزغني التونسي، مفتاح الفيتوري السوداني، صلاح عبد الصبور المصري، خليل خوري اللبناني وغيرهم من شعراء موائد صدام..ناهيك عن منتظري العظام تلك الموائد من العراقيين..حميد سعيد، سامي مهدي، لؤي حقي، رعد بندر ، عبد الرزاق عبد الواحد..الخ
قبل المربد كانت هناك حملة إعلام وعلاقات نفخت في نزار. ولكن نزار خذل نصيف جاسم! وقال مهاجما من دعاه الى المربد :"فى مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأداب " ثم هاجم صدام ذاته حينما قال:
"قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
فصار قائدنا مرتزق بدل من ان يكون بطل الفرسان"
بعدها منع نزار من دخول العراق وشوهت سمعته وألصقت فيه كل الموبقات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نص القصيدة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر
كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن
نحن جوارى القصر
يرسلوننا من حجرة لحجرة
من قبضة لقبضة
من مالك لمالك
ومن وثن إلى وثن
نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لطنجة
ومن عدن الى طنجة
نبحث عن قبيلة تقبلنا
نبحث عن ستارة تسترنا
وعن سكن
وحولنا أولادنا
احدودبت ظهورهم وشاخوا
وهم يفتشون في المعاجم القديمة
عن جنة نظيرة
عن كذبة كبيرة ... كبيرة
تدعى الوطن
***************
مواطنون نحن فى مدائن البكاء
قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء
حنطتنا معجونة بلحم كربلاء
طعامنا ..شرابنا
عاداتنا ..راياتنا
زهورنا ..قبورنا
جلودنا مختومة بختم كربلاء
لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء
لا نخلة.. ولا ناقة
لا وتد ..ولا حجر
لا هند ..لا عفراء
أوراقنا مريبة
أفكارنا غريبة
أسماؤنا لا تشبه الأسماء
فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا
ولا الذين يشربون الدمع والشقاء
***
معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا
معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا
معتقلون داخل الحزن ..وأحلى ما بنا أحزاننا
مراقبون نحن فى المقهى ..وفى البيت
وفى أرحام أمهاتنا
حيث تلفتنا وجدنا المخبر السرى فى انتظارنا
يشرب من قهوتنا
ينام فى فراشنا
يعبث فى بريدنا
ينكش فى أوراقنا
يدخل فى أنوفنا
يخرج من سعالنا
لساننا ..مقطوع
ورأسنا ..مقطوع
وخبزنا مبلل بالخوف والدموع
إذا تظلمنا إلى حامى الحمى
قيل لنا : ممنـــوع
وإذا تضرعنا إلى رب السما
قيل لنا : ممنوع
وإن هتفنا ..يا رسول الله كن فى عوننا
يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع
وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة الأخيرة
أو نكتب الوصية الأخيرة
قبيل أن نموت شنقاً
غيروا الموضوع
******************************
يا وطنى المصلوب فوق حائط الكراهية
يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية
لا أحد من مضر ..أو من بنى ثقيف
أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف
زجاجة من دمه
أو بوله الشريف
لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة
**********
أهداك يوماً معطفاً أو قبعة
يا وطنى المكسور مثل عشبة الخريف
مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا
مهجرون من أمانينا وذكرياتنا
عيوننا تخاف من أصواتنا
حكامنا آلهة يجرى الدم الأزرق فى عروقهم
ونحن نسل الجارية
لا سادة الحجاز يعرفوننا ..ولا رعاع البادية
ولا أبو الطيب يستضيفنا ..ولا أبو العتاهية
إذا مضى طاغية
سلمنا لطاغية
*************************
مهاجرون نحن من مرافئ التعب
لا أحد يريدنا
من بحر بيروت إلى بحر العرب
لا الفاطميون ..ولا القرامطة
ولا المماليك ...ولا البرامكة
ولا الشياطين ..ولا الملائكة
لا أحد يريدنا
لا أحد يقرؤنا
فى مدن الملح التى تذبح فى العام ملايين الكتب
لا أحد يقرؤنا
فى مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأدب
******************
مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
مكومون داخل الأقفاص كالجرذان
لا مرفأ يقبلنا
لا حانة تقبلنا
كل الجوازات التى نحملها
أصدرها الشيطان
كل الكتابات التى نكتبها
لا تعجب السلطان
*****************
مسافرون خارج الزمان والمكان
مسافرون ضيعوا نقودهم ..وضيعوا متاعهم
ضيعوا أبناءهم ..وضيعوا أسماءهم..وضيعوا إنتماءهم..
وضيعوا الإحساس بالأمان
فلا بنو هاشم يعرفوننا ..ولا بنو قحطان
ولا بنو ربيعة ..ولا بنو شيبان
ولا بنو 'لينين' يعرفوننا ..ولا بنو 'ريجان'
يا وطنى ..كل العصافير لها منازل
إلا العصافير التى تحترف الحرية
فهى تموت خارج الأوطان

[508: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني