خارطة طريق ليوم الاربعين
نزار حيدر
2012/12/15

يتمنى المرء، عادة، ان يمنح فرصة ليوظفها في تحقيق انجاز ما، كأن يزيد في علمه او يحسن من ادائه او يعيد النظر في حياته، او حتى يتفكر في عاداته وسلوكياته وعلاقاته الاجتماعية وغير ذلك، خاصة في هذا الزمن الذي اشغلت الحياة الدنيا الانسان بدرجة مذهلة، فلم يعد يمتلك الوقت اللازم للتفكير والتفكر، خاصة في بلداننا العربية والاسلامية، والذي انشغل بها المواطن بهموم وشجون الحياة اليومية جراء الازمات الخانقة والمتكررة والمتتالية التي ابتلته بها السلطة الحاكمة والتي عادة ما تكون ظالمة ومستبدة.
كما ان ثقافة استهلاك التكنولوجيا هي الاخرى حولت الانسان الى قطعة تافهة في هذا العالم الذي له بداية وليس له نهاية، فتراه منهمك في العبث بادوات التكنلوجيا الحديثة ليل نهار يستهلك ما ينتجه الاخرون بلا تفكر او روية او حتى استفادة حقيقية منها.
ولقد استغل كثيرون السجن، مثلا، كفرصة اما لاعادة النظر في متبنياتهم الفكرية والايديولوجية وفي طريقة حياتهم، او لاعادة صياغة شخصياتهم من الناحية الروحية والمعنوية من خلال الانقطاع الى الله تعالى بالعبادة والدعاء وقراءة القرآن الكريم وغير ذلك، او لتاليف كتاب او موسوعة، او انهم استفادوا من السجن كفرصة للقراءة وزيادة علومهم وثقافاتهم ووعيهم، على اعتبار ان السجين ليس له عمل خلف القضبان، ولذلك فان بوسعه ان يستغل هذا الفراغ لانجاز شئ ما.
والعاقل هو الذي يستغل الفرصة كلما سنحت له، واذا كان بامكانه ان يصنعها لنفسه بيده فذلك افضل واحسن، ولقد حدثنا القران الكريم عن كيفية اغتنام فرص الخير من اجل تحقيق انجاز يخدم البشرية في اكثر من سورة وآية منها قوله تعالى يحدثنا عن نبي الله يوسف عليه السلام وكيف انه استغل فرصة ثقة فرعون مصر به ليتبوأ موقع المسؤولية الذي غير من خلال الخدمة فيه وجه مصر، وعلى مختلف الاصعدة، الدينية منها والاجتماعية والادارية والاقتصادية وغير ذلك، يقول تعالى:
{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}.
اما رسول الله (ص) وائمة اهل بيت النبوة والعصمة عليهم السلام فقد حثوا كثيرا على اغتنام فرص الخير، بل انهم حذروا من ضياع الفرصة اذا لم يبادر المرء الى اغتنامها في عمل الخير.
ففي الحديث الشريف عن رسول الله (ص) {من فتح له باب من الخير فلينتهزه فانه لا يدري متى يغلق عنه} وعن امير المؤمنين عليه السلام {الفرصة تمر مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير} وعنه عليه السلام {الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود} وقوله عليه السلام {ايها الناس، الان الان، من قبل الندم، ومن قبل ان تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين، او تقول: لو ان الله هداني لكنت من المتقين، او تقول حين ترى العذاب: لو ان لي كرة فاكون من المحسنين} وقول الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام {من انتظر بمعالجة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الايام فرصته، لان من شأن الايام السلب، وسبيل الزمن الفوت}.
تاسيسا على هذه المقدمة، فان مناسبة اربعين سيد الشهداء الامام الحسين بن علي عليهم السلام، والتي تتميز بشعيرة سير المحبين الى كربلاء المقدسة لزيارة مرقده الشريف، تعد، برايي، واحدة من اعظم الفرص الذهبية التي ينبغي لعشاق الحسين عليه السلام توظيفها من اجل الاصلاح والتغيير وتحسين الاداء واعادة بناء وصياغة الشخصية، فنحن نعرف بان المشي الى كربلاء سيرا على الاقدام يتطلب قضاء ايام وليالي طويلة قد تصل احيانا الى اكثر من اسبوعين اذا كانت المسافة المقطوعة بعيدة، وبما ان من يمشي الى الحسين عليه السلام لا ينشغل عادة بشئ سوى السير وقطع المسافة الى كربلاء المقدسة، ولذلك فان من غير المنطقي ابدا ان تمر مثل هذه الايام كفرصة على المرء من دون ان يستغلها من اجل تحقيق شئ ما.
ومن اجل توظيف هذه الفرصة بشكل سليم، ومن اجل ان لا تمر علينا بلا فائدة، فانا اقترح ما يلي كخارطة طريق لعشاق سيد الشهداء عليه السلام ممن سيمشي على قدميه الى كربلاء المقدسة، بالاضافة الى عشاقه ممن لا يمشون اليه بسبب مانع ما.
وقبل ان ادرج المقترحات، اود ان انبه هنا الى نقطة في غاية الاهمية لتكتمل الصورة في الاذهان، وهي:
ان مجرد السير مشيا على الاقدام لزيارة الحسين السبط عليه السلام في كربلاء المقدسة بنية القربة الى الله تعالى، يعد عملا مثابا عليه المرء، حتى اذا قطع المسافة صامتا، مثلا، فلقد وردت الكثير جدا من الروايات عن ائمة اهل البيت عليهم السلام تتحدث عن عظمة هذه الشعيرة واهميتها ومنزلتها عند الله تعالى، منها ما روي عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ عليه السَّلام أنَّهُ قَالَ {عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ الْخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
الا ان المنفعة العبادية ستزداد وتتضاعف اكثر فاكثر اذا ما وظفها الانسان بشكل ارقى، ولذلك فان المقترحات التالية انما هدفها مضاعفة المنفعة الدنيوية والاخرية المرجوة من هذه الشعيرة الدينية والحسينية.
اما المقترحات فهي كالتالي:
اولا: الاجتهاد لقطع الطريق بواحدة من اعظم العبادات التي يحبها الله تعالى لعباده المؤمنين، الا وهي التفكير والتفكر، سواء التفكر بالله تعالى وخلقه، وبالموت والحياة، او التفكر بنهضة سيد الشهداء الحسين عليه السلام، ليكون المرء عارفا بحق الامام وعارفا بفلسفة هذه الشعيرة، وبما اراده ائمة اهل البيت عليهم السلام عندما ركزوا على زيارة سيد الشهداء تحديدا، فاعطوا لها كل هذه الاهمية.
لقد حثنا الله تعالى في كتابه الكريم على التفكر في آيات عديدة منها قوله عز وجل {كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تتفكرون} وقوله تعالى {تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} لماذا؟ يجيب امير المؤمنين عليه السلام على هذا السؤال بقوله {التفكر يدعو الى البر والعمل به} وكذلك {لا علم كالتفكر} فبالتفكر يزداد المرء علما وبصيرة ومعرفة، ولذلك قال الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام {اوصيكم بتقوى الله وادامة التفكر، فان التفكر ابو كل خير وامه} واخيرا وليس آخرا، فانه {ليست العبادة كثرة الصلاة والصوم، انما العبادة التفكر في امر الله} على حد قول الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، الذي قال يصف ابي ذر رضوان الله تعالى عليه {كان اكثر عبادة ابي ذر رحمه الله التفكر والاعتبار} وهو القائل {تفكر ساعة خير من عبادة سنة، وذكر الاية المباركة: انما يتذكر اولوا الالباب}.
ولعل من اهم ما يلزم التفكر به ونحن نسير الى الحسين سيد الشهداء عليه السلام، هو ان نتفكر بقول الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بشان زيارة الحسين عليه السلام {من زار الحسين عليه السلام عارفا بحقه كتب الله له ثواب الف حجة مقبولة، والف عمرة مقبولة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر} فان ذلك سيفتح آفاق عظيمة وواسعة امام عشاق سيد الشهداء ليتدبروا في معاني ثورته واهداف تضحياته الجسام، كما ان التفكر بقول المعصوم سيدفع بالمرء الى ان يتفكر بمعاني الزيارات التي يقرأها عشاق الامام الشهيد في المناسبات وفي ليالي الجمع بشكل عام، ما يثير عند الانسان فضول السعي لتغيير الذات لتتطابق واهداف الحسين الشهيد عليه السلام.
كما ان التفكر باحوالنا وواقعنا المزري يعد امر مهم للغاية بمثل هذا الموقف، لان المرء يكون اقرب الى الله تعالى والى ضميره من الاوقات الاخرى، فيكون اكثر استعدادا لمصارحتها بعيدا عن كل انواع التبرير.
ثانيا: السعي لاصطحاب كتاب نافع لقراءته في الطريق، ويستحسن ان يكون هذا الكتاب عن الحسين السبط عليه السلام وثورته واهدافه وخطبه وسيرته الربانية العطرة واخلاقياته ومناقبياته الرسالية.
ثالثا: السعي لحفظ ما لا يقل عن خطبة واحدة من خطب الحسين السبط عليه السلام، او اية خطبة من خطب الاصحاب في ليلة ويوم عاشوراء، او اية خطبة لاهل البيت عليهم السلام في الكوفة او في الشام.
ولا تنس المرأة هنا ان تحفظ على الاقل خطبة واحدة من خطب السيدة زينب عليها السلام، او خطبة لواحدة من نساء العقيدة اللاتي سرن مع الحسين عليه السلام الى كربلاء، ومع العقيلة زينب الى الكوفة ومن ثم الى الشام، فيما يستحسن ان يحفظ الاشبال بعضا من خطب شباب كربلاء كعلي الاكبر والقاسم وغيرهما.
رابعا: السعي لتعلم على الاقل خصلة واحدة من خصال سيد الشهداء عليه السلام، سواء كانت من خصاله الاخلاقية او الاجتماعية او سيرته مع الاخرين او ما الى ذلك.
وليتعلم شبابنا خصلة من الخصال الحميدة التي تميز بها القاسم بن الحسن عليه السلام او علي الاكبر بن الحسين عليه السلام، كقوة الشخصية والتميز ببعد النظر والبطولة والشجاعة بعقل ومنطق.
كذلك، لتتعلم المرأة المسلمة عاشقة الحسين السبط عليه السلام على الاقل خصلة واحدة من خصال عقيلة الهاشميين زينب الكبرى بنت علي عليهم السلام، كالالتزام بالحجاب في احلك الظروف واصعب المواقف.
ولا ينسى كهولنا ان يتعلموا من الاصحاب خصالهم الرسالية العظيمة التي تمثلوا بها في كربلاء في يوم عاشوراء، كالوقار والثبات عند الشدائد والوفاء بالوعود والعهود والرجولة والشهامة.
ان من المخجل امام الحسين الشهيد عليه السلام ان يقضي محبوه الليالي والايام سيرا على الاقدام للوصول الى مرقده الشريف ثم يعودون الى بيوتهم من دون ان يتعلموا خصلة من خصاله الحميدة، وهو الذي نعتبره قدوتنا واسوتنا في الحياة، وهو الذي ننتظر ان يتشفع لنا مع جده رسول الله (ص) عند الله تعالى يوم القيامة، فكيف ندعي اننا نحب الحسين عليهة السلام ونواليه ونحن لا نتمثل خصاله واخلاقياته ومناقبياته؟ هل يعقل ذلك؟.
خامسا: من لا يرغب في القراءة، فان عليه ان يستمع على الاقل الى محاضرة مسجلة في اليوم الواحد الذي يقضيه في الطريق، وبحمد الله تعالى فان التكنولوجيا وادواتها قد اتاحت لنا مثل هذه الفرصة لنستمع الى المحاضرات ونحن نسير على اقدامنا نقطع المسافات الطويلة لزيارة مرقد السبط الشهيد في كربلاء المقدسة.
وبهذا الصدد فان من المهم جدا ان يتخير المرء المحاضرات وينتقيها من بين المجموعات الكبيرة، فيختار المحاضر الافضل والمحاضرة الافضل، واذا لم يكن بوسعه ان يتخير الافضل والانسب والاكثر فائدة، فان عليه ان يسأل من يدله على ذلك، ليحقق بالاستماع افضل الفائدة وتاليا التغيير المطلوب في شخصيته وفهمه.
سادسا: السعي لاصطحاب المسائل الاسلامية للمرجع الذي اقلده من اجل ان اتعلم ولو بعض المسائل الشرعية المبتلى بها، فليس من المعقول ان لا يكون محب الحسين عليه السلام وعاشقه لا يعرف ابسط امور دينه، او يجهل ابسط المسائل الاسلامية التي يبتلي بها دائما.
ان التفقه بالدين ومعرفة مسائل الحلال والحرام، هي من المسائل المهمة التي يجب ان ينشغل بها المؤمن محب الحسين السبط عليه السلام، ولقد ورد عن رسول الله (ص) قوله {اذا اراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين والهمه رشده} ولذلك حث ائمة اهل البيت عليهم السلام على التفقه، كما في قول الامام موسى بن جعفر الصادق عليه السلام {تفقهوا في دين الله فان الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة والسبب الى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا} اما رسول الله (ص) فيقول {اف لكل مسلم لا يجعل في كل جمعة يوما يتفقه فيه امر دينه ويسأل عن دينه}.
وان الدعوة الى التفقه بالدين هنا لا تقتصر على التفقه في القضايا الشخصية فقط، وانما في القضايا الاجتماعية كذلك، وهي الاهم ربما، فليتم التركيز على المسائل التي تخص العلاقات الاجتماعية وقضايا التعامل داخل الاسرة وبين زملاء العمل وفي المدرسة وفي المعمل وفي الشارع، وفي الشان العام اذا كنت موظفا في الدولة، وكذلك التفقه في اخلاقيات التعامل مع الاخرين.
ان اغلب مشاكلنا الاجتماعية منشؤها الجهل بالموقف الشرعي، لاننا وبصراحة لا نفقه في امور دنيانا كثيرا، صحيح اننا متدينون الا ان تديننا سطحي لا يمس الجذور ولذلك ترانا نرتكب الخطا تلو الاخر، سواء بحق انفسنا او بحق الاخرين، لاننا نجهل الموقف الشرعي ازاء مثل هذه الامور ولذلك يلزمنا ان نستغل الفرصة لنتعلم امور دنيانا ونتفقه بالدين، لنتبصر تفاصيل حياتنا اكثر فاكثر.
سابعا: السعي بجد لاصطحاب من يزيدك شيئا ما في الطريق، فالصغير يصطحب كبيرا ليتعلم منه ما ينفعه، وغير المتعلم يصحب عالما في الطريق ليساله ويتعلم منه، وغير المثقف يصحب مثقفا ليتعلم منه شيئا، وهكذا.
ان من غير المناسب، ربما، ان تتكتل مجموعات متشابهة من النساء او الرجال او الشباب للسير سوية في الطريق الى الحسين عليه السلام، فان ذلك ربما لا يزيدهم شيئا، وبالتالي ربما سيخسرون الوقت بلا فائدة تذكر.
اما اذا سارت مجموعات مختلفة ومتفاوتة في العلم والمعرفة والخبرة والاطلاع والثقافة والتجربة، فان ذلك سيساعدها على التعلم من بعضها، بالحوار والسؤال والجواب، ما يزيدهم ويضيف لهم شيئا ما، وكما نعرف فان الناس في العلم كالاواني المستطرقة، فكما ان الماء ينتقل من المملوءة الى الفارغة او ذات الماء القليل، فكذلك العلم، فانه ينتقل من المملوء علما الى الفارغ منه او ذات العلم القليل.
لنوظف هذه الفرصة من اجل ان نزيد من علومنا وتجاربنا بالاستفادة من علم الاخرين وتجاربهم وخبراتهم، ولندع خجل السؤال والتعلم جانبا، وان لا تاخذنا العزة بـ (الجهل) فليس العيب في ان لا يعرف الانسان شيئا، انما العيب كل العيب في ان يرفض التعلم، اعتدادا بنفسه او خجلا من الاخرين، ولنتذكر دائما حديث الرسول الكريم (ص) {من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل ابدا} وقول امير المؤمنين عليه السلام {لا يستحيين احد اذا لم يعلم الشئ ان يتعلمه}.
ان اختيار (صاحب الطريق) الى كربلاء المقدسة امر مهم جدا، يجب ان لا نغفل عنه او نستهين به، لان {اكثر الصواب والصلاح في صحبة اولي النهى والالباب} على حد قول امير المؤمنين عليه السلام، ولذلك قال الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام {اصحب من تتزين به ولا تصحب من يتزين بك} او قول الامام الحسن المجتبى عليه السلام يعض فيه جنادة في مرضه الذي توفي فيه {اصحب من اذا صحبته زانك واذا خدمته صانك، واذا اردت منه معونة اعانك، واذا قلت صدق قولك، وان صلت شد صولتك، وان مددت يدك بفضل مدها، وان بدت عنك ثلمة سدها، وان رأى منك حسنة عدها، وان سالته اعطاك، وان سكت عنه ابتداك، وان نزلت احدى الملمات به ساءك} او قول امير المؤمنين عليه السلام {صاحب العقلاء، وجالس العلماء، واغلب الهوى، ترافق الملأ الاعلى}.
ولقد قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم بهذا الصدد {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا}.
اما رسول الله (ص) فقد قال عن الصديق الذي يحق لك ان تصحبه {لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل الذي يرى لنفسه} فيما حذرنا امير المؤمنين من (صديق) وصفه بقوله عليه السلام {اياك ومعاشرة متتبعي عيوب الناس فانه لم يسلم مصاحبهم منهم}.
ثامنا: اشغل نفسك باي شئ مفيد ونافع، ولا تقض الوقت بالعبث بجهاز التلفون مثلا او القيل والقال والحديث الفارغ والمزاح الثقيل.
احذر، وانت تسير الى الحسين الشهيد عليه السلام، ان تغتاب مؤمنا او تنم عن صديق او تظن بآخر ظن السوء، او تنتقص من آخر او تستهزئ برابع، فلقد حذرنا رب العزة من كل ذلك بقوله تعالى في محكم كتابه الكريم {يا ايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم}.
لا تشغل نفسك بارسال واستلام الرسائل القصيرة التي لا ترجو منها فائدة، وتصور، وانت تقطع المسافات الطويلة الى كربلاء المقدسة ومرقد سيد الشهداء عليه السلام، انك في محراب الصلاة او في الطواف حول بيت الله العتيق او انك تسعى بين الصفا والمروة، فكيف كنت ستقضي الوقت اذا كنت في مثل هذه الحالات والمواقف المشرفة؟.
اشغل نفسك بالتفكير بكل ما يخصك، شخصيتك، علاقاتك، متبنياتك، افكارك، ثقافتك، علمك، لتشخص، وانت تمشي الى الحسين عليه السلام، نواقصك وعيوبك وما يحتاج منك للاصلاح والتغيير، لتقرر، عندما تعود، وبكل حزم وجزم واصرار، ان تغير وتبدل وتحسن وتطور، فتغير خصلة سيئة وتكتسب خصلة حميدة، ولتبدل علاقة سيئة مع صديق مثلا او مع افراد العائلة، خاصة الوالدين، نحو الاحسن والافضل.
ان من غير المعقول ان تمر المناسبة ويعود المرء الى منزله بعد عناء وجهد مضني كبير من دون ان يترك كل ذلك اثر في نفسه وشخصيته وروحيته ودينه والتزاماته، فذلك عين النقصان في الحظ على حد القول الماثور عن الامام المعصوم.
يجب ان تترك الشعيرة اعظم الاثر في شخصية العشاق، ليعودوا الى مدنهم ومنازلهم شخصيات اخرى متغيرة نحو الافضل ومنقلبة على كل ما هو سلبي فيما مضى من الايام، فاذا تغير الفرد تغير المجتمع.
يجب ان نتذكر طوال الطريق، الى اين نحن سائرون؟ ومن هو الذي نقصده بهذه الشعيرة؟ لنتأدب بآداب الطريق والزيارة، فنستشعر وكأننا في حضرة الامام يعاتبنا اذا اخطأنا ويغضب اذا اسانا ويعاتبنا اذا سهونا.
لنتذكر الاخرة في طريقنا الى الحسين عليه السلام، كما نتذكر الدنيا، ونتذكر العبرة، بكسر العين، كما نتذكر العبرة، بفتح العين، ونتذكر الروح كما نتذكر العقل، ونتذكر الماضي كما نفكر بالمستقبل، ونتذكر الاموات كما نتذكر الاحياء، ونتذكر العقاب كما نتذكر الثواب، واخيرا نتذكر النار كما نتذكر الجنة.
تاسعا: السعي لابراز الوجه الحضاري لهذه الشعيرة العظيمة، من خلال اشاعة النظافة في كل خطوة يقطعها العاشق للحسين عليه السلام، فليس من المعقول ان نترك طريق الحسين السبط عليه السلام غير نظيف، ولاي سبب كان.
كذلك، فان السعي لغرس نخلة مثلا او شجرة او اية نبتة اخرى تزيد من الق الطريق واخضرار الطبيعة، هو الاخر سيبرز الوجه الحضاري لهذه الشعيرة.
عاشرا: توظيف الفرصة لبناء علاقات اجتماعية جديدة، عائلية او فردية، لا فرق، قائمة الى اسس الحب والتعاون والاحترام المتبادل وتبادل المنفعة والخبرات.
ففي الطريق الى كربلاء يصادف المرء الكثير من الناس ومن مختلف المدن والمحافظات واحيانا من الدول الاخرى غير العراق، ما يعني انه امام فرصة ثمينة لتحديث علاقاته وصداقاته.
حادي عشر: واخيرا، فان المشي الى الحسين السبط عليه السلام في هذا اليوم، انما هو عمل مستحب، مهما عظم استحبابه، فلنحذر ان يتقاطع مع الواجبات، الشخصية منها والاجتماعية، كالصلاة في اوقاتها، وعدم التغيب عن الدوام الرسمي اذا كان ذلك يضر بالمواطن، ولذلك، حاول ان لا تتعارض الشعيرة مع حقوق المواطنين باي شكل من الاشكال، ولنتذكر بان الحسين السبط عليه السلام لا يرضى ابدا بان تكون شعائره سببا للتجاوز على حق الانسان، اي انسان، فالحسين عليه السلام ضحى من اجل ان يصون هذه الحقوق لا ان يتجاوز عليها والعياذ بالله.
نسأل الله تعالى، بحق السبط الشهيد عليه السلام وجده (ص) وابيه (ع) وامه (ع) واخيه (ع) ان يتقبل من الجميع صالح الاعمال، فهو حسبنا ونعم الوكيل، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، والحمد لله رب العالمين.

[380: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني