للانتماء شروطه
نزار حيدر
2012/02/27

فيما يعد كثيرون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، مناسبة عظيمة لتوحيد صفوف المسلمين، وفرصة ذهبية لتنظيم علاقاتهم مع الاخر، خاصة في بلاد المهجر، لما تمثل الذكرى من قيم رسالية يستذكرها المرء لاعادة صياغة شخصيته من خلال النظر في سلوكياته ومدى تطابقها او على الاقل قربها من اخلاق صاحب الذكرى، تعتبر زمرة من (المسلمين) واقصد بها (زمرة الحزب الوهابي) ان الاحتفال بالمولد النبوي بدعة ونوع من انواع الشرك بالله تعالى، ولذلك تجدد هذه الزمرة فتاواها بهذا الشان مع كل ذكرى في كل عام، ولم تشذ الذكرى هذا العام من هذا الفعل.
ولست هنا بصدد الرد على مثل هذه الافتراءات التي يطلقها الوهابيون كل يوم ضد امة التوحيد، وضد كل من يخالفهم الراي من مسلمين ومن غير مسلمين، الا انني اسعى في مقالتي هذه الى ان اتحدث عن موضوع في غاية الاهمية يتعلق بالذكرى العطرة والتي تتزامن معها ذكرى مولد حفيد رسول الله (ص) الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، الا وهي فكرة الانتماء وشروطه.
وقبل الخوض في غمار هذا الموضوع، لا باس بالمرور، ولو سريعا، على ملاحظتين، ربما تتعلق، من قريب او بعيد، بما نحن بصدده.
الملاحظة الاولى: فيما يتعلق بالاحتفاء بالمولد النبوي الشريف، ومدى مشروعية مثل هذا الفعل؟ فلقد ساق العلماء عدد من الادلة على اباحته، منها على سبيل المثال لا الحصر:
اولا: ان ولادة الرسول الكريم (ص) كانت حدثا استثنائيا في تاريخ البشرية، ولقد احتفت به السماء من خلال المعاجز الاربعة التي شهدها العالم في يوم موده المبارك، وهي:
الف: تجفيف بحيرة ساوة.
باء: تحطم ايوان كسرى.
جيم: انطفاء نار المجوس في بلاد فارس.
دال: سقوط الاصنام في الكعبة، فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام انه قال:
لما ولد رسول الله ألقيت الأصنام في الكعبة على وجوهها فلما أمسى سمع صيحة من السماء {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}.
ثانيا: ورود ذكر الرسول الكريم (ص) في الكتب السماوية التي سبقت القرآن الكريم، بما يشير الى ان الله تعالى بشر به وبولادته عند الامم السالفة، كما ورد ذلك في قول الله عز وجل في محكم كتابه الكريم {واذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} ولذلك فان علماء اليهود والنصارى كانوا يترقبون ليس بعثته كنبي ورسول فحسب وانما كانوا يترقبون حتى ولادته، كما ان عرب الجاهلية وبقية الامم من فرس وروم كانوا يترقبون ولادته كذلك.
ثالثا: لقد احتفى القرآن الكريم بولادة الانسان في آيتين، وهي اشارة واضحة الى اهمية هذا الحدث بالنسبة لكل مولود، فما بالك بالرسول الكريم؟ فقد ورد في القرآن الكريم قوله عز وجل متحدثا على لسان نبيه يحيى بن زكريا عليهما السلام {والسلام علي يوم ولدت ويوم اموت ويوم ابعث حيا} كما يتحدث عن نبي الله عيسى عليه السلام بقوله {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا}.
رابعا: اجماع المسلمين على الاحتفاء بالذكرى، ما يعني، الاجماع، على صحة الامر فلقد نقل المسلمون وبالاجماع حديث رسول الله (ص) الذي يقول فيه {لا تجتمع امتي على ضلال} فلماذا، اذن، يشذ الحزب الوهابي عن اجماع الامة؟ اوليست الشاردة للذئب؟ او لم ينقل المسلمون قول رسول الله (ص) {يد الله مع الجماعة} فلماذا يشذ الوهابيون عن يد الجماعة المسلمة؟ الا يعني انهم على ضلال لشذوذهم، وان المسلمين على حق لاجتماعهم؟.
خامسا: اقرار علماء وفقهاء الامة بالاحتفالات التي يقيمها المسلمون ومنذ امد بعيد ما يعني شرعيتها وعدم مخالفتها للشرع والسنة، اذ لا يعقل ان يجتمع علماء وفقهاء الامة وعلى مدى قرون، على ضلال، او انهم يرون ضلال الامة وانحرافها ثم يسكتون عليه ولا يقولون كلمة الحق ولا يصححون خطأ اجمعت عليه الامة، واي خطأ؟ انه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؟.
لقد كان المولد النبوي، ومنذ امد بعيد، مناسبة مهمة بالنسبة للمسلمين، خاصة في العراق، وعلى وجه التحديد في العاصمة بغداد، لتحشيد الراي العام تارة ضد الاحتلال الاجنبي للبلاد واخرى لدعم وتاييد ثورة من الثورات التي كانت تشهدها البلاد او اي بلد عربي او اسلامي آخر، ولقد كان العلماء والفقهاء في صدارة هذه الاحتفالات دوما، فافلا يعني ذلك انها لا تخالف الشرع والدين الحنيف؟.
اما تبني الحزب الوهابي لقاعدة ان كل ما لم يفعله الرسول الكريم (ص) لا يجوز ان يفعله المسلمون من بعده، فهي كذب وافتراء محض، وهي اكذوبة كبرى يتشبث بها الوهابيون عندما يريدون لتحقيق غرض ما ويتخلون عنها عندما لا يريدون مثل ذلك، والا بالله عليك قل لي متى اقر الرسول الكريم (ص) نظام القبيلة ليتبناه ويدافع عنه ويشرعنه الوهابيون اليوم سواء في دول الخليج عموما وفي الجزيرة العربية بشكل خاص عندما تحالفوا مع اسرة آل سعود الفاسدة على مبدأي (القتل والتدمير) كما نصت على ذلك وثيقة التحالف المعقود بين كبيرهم ابن عبد الوهاب وكبير الاسرة الفاسدة ابن سعود؟.
هذا مثل وقس على ذلك.
ان هذه القاعدة السخيفة هي التي كانت، في فترة من فترات التاريخ الاسلامي، سبب مباشر وخطير في اغلاق باب الاجتهاد ما سبب التحجر والانغلاق وعدم التطور، ولذلك لا ينبغي الاعتناء بمثل هذه الافكار والقواعد السيئة.
الملاحظة الثانية: ما يثار من تساؤل، برئ في اغلب الظن، مع ذكرى مولد الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام من كل عام، عن سبب تسمية مذهب اهل البيت عليهم السلام بالمذهب الجعفري؟ هل لان الامام عليه السلام هو الذي اسس هذه المدرسة؟ ام ماذا؟.
للجواب على هذا التساؤل نقول:
الف: ان مصطلع (شيعة) ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في اكثر من مرة، كما في قوله تعالى {ودخل المدينة على حين غفلة من اهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين}.
وكذلك في قوله تعالى يتحدث عن نبي الله نوح عليه السلام {وان من شيعته لابراهيم}.
و (الشيعة) هنا بمعنى جماعة الرجل كما في قواميس اللغة العربية، فعندما تقول ان فلانا شيعة لفلان اي انه من جماعته، يتبنى افكاره او رؤاه او اطروحته او ما اشبه.
وان اول مرة ورد المصطلح على لسان رسول الله (ص) بما يعني (جماعة الرجل تحديدا) هو عندما نزلت الاية {ان الذين امنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية} فعندما سئل الرسول الكريم عمن هم خير البرية التفت (ص) الى الامام امير المؤمنين علي السلام وقال (ص) {يا علي، انت وشيعتك} ومنذ تلك اللحظة كان المسلمون يطلقون اسم (شيعة علي) على اربعة من كبار الصحابة الا وهم {ابو ذر الغفاري وسلمان المحمدي وعمار بن ياسر والمقداد بن الاسود}.
اما قول المرجفين الطاعنين بحقيقة تاريخ التشيع لامير المؤمنين عليه السلام وقولهم بان يهوديا من اليمن هو الذي خدع كبار الصحابة وضلل المسلمين فلجأ الى تاسيس التشيع لعلي بن ابي طالب، فان في قولهم هذا خداع ومكر ومكيدة لا ينبغي لعاقل ان يصدقها، او حتى يعتني بها.
ان كل ذلك يدل دلالة واضحة وصريحة وقاطعة على ان مدرسة اهل البيت اسسها رسول الله (ص) دون غيره فهو الذي دل المسلمين على التشيع للامام امير المؤمنين عليه السلام، وهو الذي رعى التشيع وبنى اسسه وحدد معالمه، ثم واصل المشوار من بعده امير المؤمنين عليه السلام، ليشرح الكثير من معالم هذه المدرسة، وهي بذلك تختلف عن بقية المذاهب (الاسلامية) الاخرى التي اسسها ائمة وفقهاء بعد مرور اكثر من قرنين من الزمن على وفاة رسول الله (ص) والتي حددتها السلطة السياسية آنئذ باربعة مذاهب فقط سميت باسماء الفقهاء الذين اسسوها وهي المذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي، نسبة الى الائمة (ابو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل) على التوالي.
من هنا نفهم بان الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وهو الامام السادس من ائمة اهل البيت عليهم السلام لم يؤسس مدرسة اهل البيت وانما شرحها وفصل جزئياتها، ولذلك فان قوله هو قول رسول الله (ص).
ولقد خدمته الظروف لتحقيق ذلك لسببين:
الاول: هو طول عمر الامام عليه السلام، فهو الامام الوحيد من ائمة اهل البيت الذي طال به العمر ليستشهد عن (67) عاما ما مكنه من الاستمرار ومواصلة شرح المدرسة بشكل مفصل وواسع.
الثاني: هو الظرف السياسي الذي عاشه الامام والذي كان قد شهد فترة انهيار الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية وما صاحب ذلك من ضعف القبضة الحديدية للنظام السياسي ما افسح المجال (امنيا وسياسيا) امام الامام ولاتباع مدرسته من نشر معالم ومبادئ التشيع بشكل كبير، فلقد تمكن الامام من التنقل بين الحجاز والعراق اكثر من مرة ما مكنه من تاسيس اكبر جامعتين دينيتين فيهما، فلقد ذكرت كتب التاريخ ان اكثر من (4000) طالب علم في الكوفة لوحدها كانوا يتحدثون للناس ويقولون (حدثني جعفر بن محمد، يعني الصادق) ولا يخفى في هذا المجال ما للامام عليه السلام من دور مباشر وغير مباشر في تنمية القدرات العقلية والفقهية والدينية لجل الائمة والفقهاء الذين اسسوا المذاهب (الاسلامية) الاخرى وعلى راسها المذاهب الاربعة، ويكفي لاثبات ذلك قول الامام الاعظم (ابو حنيفة) (لولا السنتان لهلك النعمان) ويعني بالسنتين تلك التي قضاها طالبا في حضرة الامام الصادق عليه السلام.
وللدور العظيم الذي لعبه الامام عليه السلام في شرح وتوسيع مدرسة اهل البيت عليهم السلام، لذلك نرى ان فقهاء الامامية ينقلون اكثر ما ينقلون ويستشهدون باقوال وحجج الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، ولذلك جرت تسميتهم بالجعفرية، بالاضافة الى اسباب اخرى لا يسع المجال هنا لذكرها وشرحها.
بعد هتين الملاحظتين، اعود الى اصل الموضوع، لنتحدث عن فلسفة الذكرى التي تمنحنا ثقة الانتماء الى الرسالة والى مدرسة اهل البيت عليهم السلام، والتي تثير من جانب آخر فضول التنافس على هذا الانتماء، فبينما يعتبر البعض ان قوة الانتماء تظهر بالعبادات مثلا او احياء الشعائر بشكل عام، يعتبر البعض الاخر بانها تظهر بالعلم والعمل، فيما يذهب فريق ثالث الى اعتبار ان ذلك يظهر بالانقطاع عن الدنيا والتفرغ للاخرة، وهكذا، فاين تكمن الحقيقة اذن؟.
ربما، اذا سقنا النصين التاليين، فستتضح لنا حقيقة الانتماء، سواء الى الاسلام بشكل عام او الى مدرسة اهل البيت عليهم السلام بشكل خاص.
النص الاول:
لقد سال علي بن ابي طالب عليه السلام رسول الله (ص) عن سنته، فقال:
{المعرفة راس مالي، والعقل اصل ديني، والحب اساسي، والشوق مركبي، وذكر الله انسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة}.
النص الثاني:
اما الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فلقد ابتكر مذهب ما يمكن ان نطلق عليه اسم (الدعوة الصامتة) لقطع الطريق على المتقولين بغير عمل والمدعين بلا التزام، فعندما يكثر الكلام ويقل العمل تشخص امامنا معالم هذا المذهب الرائع الذي يحث على الالتزام والعمل اولا، فالمرء الصادق ليس بحاجة الى ان يدعي الانتماء الى هذه المدرسة او تلك، وانما اعماله واداءه وسلوكه اليومي هو الذي يدل على انتمائه.
يقول الامام الصادق عليه السلام:
اوصيكم بتقوى الله واجتناب معاصيه، واداء الامانة لمن ائتمنكم، وحسن الصحابة لمن صحبتموه، وان تكونوا لنا دعاة صامتين.
وعندما سئل عن ذلك، قال:
تعملون بما امرناكم به من العمل بطاعة الله، وتعاملون الناس بالصدق والعدل، وتؤدون الامانة، وتامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولا يطلع الناس منكم الا على خير، فاذا راوا ما انتم عليه علموا فضل ما عندنا، فتنازعوا اليه.
واضاف عليه السلام:
عليكم بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث واداء الامانة وحسن الخلق وحسن الجوار وكونوا دعاة لانفسكم بغير السنتكم وكونوا زينا ولا تكونوا شينا.
واضاف:
كونوا دعاة للناس بغير السنتكم ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع.
وفي قول آخر يقول عليه السلام:
لا تنظروا الى طول ركوع الرجل وسجوده، فان ذلك ربما يكون شئ قد اعتاد عليه، ولكن انظروا الى صدق حديثه واداء الامانة.
وفي وصيته لابن جندب:
يا ابن جندب، بلغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب، فوالله لا تنال ولايتنا الا بالورع والاجتهاد في الدنيا ومواساة الاخوان في الله، وليس من شيعتنا من يظلم الناس.
يا ابن جندب، حق على كل مسلم يعرفنا ان يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه فيكون محاسب نفسه، فان راى حسنة استزاد منها، وان راى سيئة استغفر منها لئلا يخزى يوم القيامة.
ولقد تميز الامام الصادق عليه السلام بامرين مهمين:
الاول: هو شمولية علومه، فالامام الصادق عليه السلام لم يكن عالما في الفقه والدين فحسب وانما كان عالما (شموليا) ان صح التعبير، فله عليه السلام علوما في شتى المجالات والاختصاصات، الدينية منها والدنيوية، او ما يسميه الامام امير المؤمنين عليه السلام بعلم الاديان وعلم الابدان، ولمعرفة بعض بحور علوم الامام عليه السلام يمكن قراءة كتاب (توحيد المفضل) كما ان الاطلاع على تفاصيل الندوة العلمية التخصصية التي عقدت في باريس في العام 1970 بمشاركة اكثر من (25) عالما واستاذا جامعيا من مختلف دول العالم المتقدم وعلى راسلها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا والمانيا وفلانسا وغيرها، والتي جمعت بحوثهم في كتاب صدر باللغة الفرنسية ثم ترجم الى عدة لغات منها العربية بعنوان (الامام الصادق كما عرفه علماء الغرب) ستعطينا فكرة عامة عن هذه الحقيقة، وبهذا الميزان كذلك يختلف الامام الصادق عن بقية ائمة المذاهب والمدارس الاسلامية، انه بحر من العلم لا ينتهي.
الثاني: الرفق بالاخر الذي يخالفه الراي من خلال الحوار اولا واخيرا، فبينما كان المسلمون آنئذ يكفر بعضهم البعض الاخر ويخرج بعضهم البعض الاخر من الدين والملة وبينما كانت السلطة السياسية تصفي خصومها جسديا لمعارضتهم راي (الخليفة) وبينما كان المسلمون يتوسلون بالعنف والقوة للرد على الدهريين والزنادقة، وهم كل من لا يشهد الشهادتين او انه يشهدها ويكفر ببعض اصول الدين او اركانه، او انه يشهدها ولكنه (يتكلم في الدين) كان الامام الصادق عليه السلام يعقد مجالس الحوار والنقاش العلمي الرزين للرد على الشبهات او على اسئلة المشككين او على اسئلة المتعلمين بعيدا عن كل انواع العنف او الرد غير المنطقي، فعندما نقل اليه المفضل بن عمر الجعفي بعض شبهات (الزنادقة) على الاسلام املى عليه (توحيده) بطريقة تشد اليها المتعلم والسائل والمشكك، وفي شتى العلوم والمجالات، في الدين والتوحيد والطبيعة والكون والحيوان والانسان وغير ذلك، وبالفعل فلطالما آمن واقتنع المشككون على يد الامام، وهم يرون ويسمعون ويصغون الى حواراته وهو يسوق الادلة المنطقية والعقلية التي لا يرقى اليها الشك بعيدا عن التكفير والتخوين والاستهزاء بالاخر والطعن بمتبنياته، على العكس مما كان يفعله الاخرون.
وربما يسال هنا سائل ويقول:
ومتى يلجا المرء الى الحوار ومتى يلجا الى العنف في الرد على المخالفين؟.
برايي فان الحوار يحتاج الى ثلاثة شروط:
الاول: هو العلم المقرون بالعقل والمنطق.
الثاني: هو الثقة واليقين بما يؤمن به المرء.
الثالث: هو الهدفية والتي يلزم ان تتمثل هنا بالوصول الى الحقيقة من اجل الاصلاح والتغيير نحو الافضل.
فالدين الذي يعتمد على الحوار فقط هو الذي يقوم على اساس المعرفة واليقين ومرضاة الله تعالى، ولذلك قال الامام الصادق عليه السلام { لا يصلح من لا يعقل ولا يعقل من لا يعلم}.
فبالعلم ينشط العقل، وبالعقل يصلح الانسان، والى هذا المعنى اشار امير المؤمنين عليه السلام بقوله:
قيمة المرء ما يحسنه.
وعلى العكس من ذلك، فالجاهل الذي يصفه الامام الصادق بقوله متحدثا عن اخلاقه {الاجابة قبل ان يسمع، والمعارضة قبل ان يفهم، والحكم بما لم يعلم} ان هذا النوع من الناس لا يمكن ان يساهم في نشر الاسلام بل انه يكون عادة عالة على دينه، فيفسد من مصاديقه وسمعته اكثر مما يصلح.
من كل ما تقدم يمكن استنتاج حقيقة الانتماء بالشروط التالية:
اولا: السلوك، فالانجاز العلمي هو الذي يتحدث عن صاحبه، كما ان تفجير السيارات المفخخة في وسط الناس الابرياء يتحدث عن صاحبه وعن قيمه الرذيلة وعقله المريض.
ثانيا: العلم والمعرفة، اما الجهل فلا ينتمي الى الامام الصادق باي حال من الاحوال.
ثالثا: الحوار وشروطه، ومنها عدم احتكار الحقيقة واحترام الاخر ومعتقداته والمنطق بعيدا عن العنف والاكراه والقسوة والتطلع لمعرفة الحقيقة بعيدا عن التشبث بالراي اذا تبين انه ليس صحيحا.
رابعا: الرقابة الذاتية لتصحيح الخطا فور وقوعه وتكريس النجاحات كلما تحققت، لنظل متمسكين بالصراط المستقيم بلا انحراف او اعوجاج.
دعونا نحقق شروط الانتماء، ليس بالكلام والادعاء وانما بما ننجز من خلال تحقيق شروط (الدعوة الصامتة) والا فان للادعاء الفارغ جولة اما الاخيرة فلها صولة لن تنتهي ابدا لانها تعتمد السلوك القويم.
16 شباط 2012
ملخص المحاضرة التي القيت في مهرجان المولد النبوي الشريف الذي اقامته الجالية العراقية في العاصمة الاميركية واشنطن يوم السبت (11 شباط 2012)

[392: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني