رسالتان من يوم الغضب
نزار حيدر
2011/03/14

الاولى: الى الشعب العراقي بعنوان {ما ضاع حق وراءه مطالب} تقول: ان التظاهر السلمي عمل حضاري ومدني وعصري، وهو حق مكفول للانسان في كل الشرائع السماوية والقوانين الارضية، منها الدستور العراقي الذي نص في المادة (38) ثالثا على ان الدولة تكفل (حرية الاجتماع والتظاهر السلمي).
ولقد لجأ العراقيون الى ممارسة هذا الحق بعد ان فشل نوابهم تحت قبة البرلمان في اداء واجبهم الدستوري في رقابة اداء مؤسسات الدولة، خاصة الحكومة التي اشترك فيها كل من له مقعد تحت قبة البرلمان، فاسكتتهم السلطة التنفيذية وحالت فيما بينهم وبين ان يمارسوا دور الرقابة، وهو احد جناحي البرلمان الذي يطير ويحلق ويتالق بهما، الى جانب الدور التشريعي.
ينبغي على الشعب العراقي ان يتمسك بهذا الحق حتى يواصل ممارسة الضغط على مؤسسات الدولة (المركزية منها والمحلية) لا فرق، للانتباه الى ما يريد وتحقيق مطالبه العادلة، وهذا يتطلب:
اولا: عدم الاصغاء الى المرجفين في المدينة الذين يشيعون بين الناس فكرة عدم فائدة مثل هذه التظاهرات، فلقد حققت التظاهرات الكثير جدا من الامور منها على سبيل المثال لا الحصر:
الف؛ تنشيط دور المرجعية مرة اخرى، بعد ان ظن كثيرون انها في سبات او غفلة او انها تركت حابل الامور على غاربها او انها خذلت الناس الذين ظلت توجههم لممارسة الشئ الصحيح على مدى الفترة المنصرمة الممتدة منذ التاسع من نيسان عام 2003 تاريخ سقوط الصنم ولحد الان.
لقد اثبتت المرجعية مرة اخرى، في بيانها الذي صدر استجابة ليوم الغضب، انها منحازة دائما الى الشعب وليس الى السلطة، والى مصالح الناس وليس الى المصالح الحزبية والضيقة للسياسيين والحاكمين، وها هي اليوم ترفض استقبال احدهم للتدليل على امتعاضها من ادائهم السئ.
ان يوم الغضب هو الذي شجع المرجعية على ان تتحدث مع المسؤولين بكل ثقة وقوة ووضوح، لدرجة التوبيخ، وهي المعروف عنها التحدث برفق، الا ان اقتناعها باحقية مطالب المتظاهرين ومشروعية اساليبهم، التي شكرتهم عليها، منحها ثقة اكبر وشرعية اشمل لتتحدث بهذا الطريقة.
لقد تعاملت المرجعية بابوة قل مثيلها مع الشعب، فلم نسمع منها تهمة لاحد او منعا لحق دستوري، على الرغم من كل الضغوط التي تعرضت لها من السياسيين للاشارة الى مثل ذلك.
ثانيا: طرد عدد كبير من المسؤولين المحليين في اكثر من محافظة وقضاء من مواقع المسؤولية.
كما انها اسقطت نائبا اضافيا للرئيس بالضربة القاضية.
ثالثا: اصدار الحكومة لحزمة من القرارات التي تصب في مصلحة المواطن، ما كانت لتتخذها بهذه السرعة المذهلة لولا التظاهرات.
رابعا: مشاهدة نواب الشعب في دوائرهم الانتخابية يسالون الناس عن مطالبهم، ويستفسرون عن احوالهم، ما كان الناس ليرونهم في دوائرهم الانتخابية لولا خوفهم من التظاهرات، وقلقهم على سمعتهم ومستقبلهم.
وعندما يخرج علينا المسؤولون، ومنهم السيد رئيس الوزراء والسيد رئيس اقليم كردستان وغيرهما، يتحدثون الى الناس وبشكل هستيري ومازوم، فهذا اكبر دليل على ان التظاهرات مؤثرة.
ولذلك فان على العراقيين ان لا يرددوا مقولة (ميفيد) اي (لا ينفع) ابدا، فلقد اثبت الواقع ان كل شئ مفيد.
طالبوا بحقوقكم بكل الطرق المشروعة، فلا تهنوا ولا تستكينوا ولا تستسلموا، فالحقوق تنتزع ولا تمنح.
ان التظاهرات، التي ادخلت مؤسسات الدولة والمسؤولين كافة في حالة انذار (ج) نبهت المسؤولين الى اخطائهم على امل ان يتعلموا منها فيحسنوا من ادائهم وخدمتهم للشعب الذي منحهم الثقة.
كنا نتمنى ان يكون الوازع الديني او الاخلاقي او الوطني او الدستوري او القانوني اقوى عند المسؤولين من وازع التهديد والوعيد، على اعتبار انهم ثقة الناخب والامناء على البلد، ولكن ماذا يفعل المواطن اذا كان المسؤولون لا ينتبهون من غفلتهم الا بعصا غليظة {يضربون وجوههم وادبارهم}؟.
ثانيا: حملة الاقلام الحرة والشريفة، عليهم ان يستمروا في الكتابة التي تنبه الى الخطا وتؤشر على التقصير وتلاحق اللص وتمارس الرقابة باروع صورها، ويخطئ من يظن ان الكلمة الحرة لا تجدي نفعا وان الاعلام لا يؤدي دورا وان الناس لا تقرا ولا تتابع، فلقد اثبتت الاحداث، ان الناس يقراون وانهم يرتبون اثرا على قراءاتهم وانهم يتاثرون في الافكار وفي احيان كثيرة يتخذونها برنامج عمل في حياتهم.
يدعي البعض ان نسبة الامية في العراق عالية ولذلك فان المقال والبحث والكلمة لا يقراها الناس، وهذا كلام غير صحيح البتة، فالكلمة الصادقة تسري في المجتمع كما تسري النار في الهشيم، يتناقلها المواطنون بافواههم واشاراتهم وعبر هواتفهم النقالة وفي اجتماعاتهم وفي السوق وفي المدرسة وفي النوادي والحدائق والمتنزهات العامة، وفي المقاهي والمطاعم وبكل الطرق وفي كل مكان وزمان، وان من يقرا يعلم ويبلغ من لا يقرا، وان من له حاسوب يتابع به رسائله الالكترونية او مواقع الانترنيت يبلغ من ليس له ذلك.
ربما يحتج البعض علي ببعض الاقلام الماجورة والمسمومة التي تدس السم بالعسل لتغيير مسار التظاهرات واستغلال الشعارات وما الى ذلك، وهذا صحيح، الا انني اثق كثيرا بوعي المواطن العراقي الذي خبرته الحياة وعلمته التجارب، فهو على بصيرة من امره لا يمكن ان تضحك عليه مرة اخرى شعارات فارغة ومقولات كاذبة ووعود مخادعة، ابدا.
لقد حاول بعض المسؤولين بث الرعب في نفوس الناس من خلال اشاعة مقولة مفادها ان الارهابيين سيفجرون التظاهرات ولذلك نصحوهم بعدم الخروج والمشاركة فيها، ولكننا راينا كيف ان الارهابيين لم يفجروا لاصقة واحدة، بل على العكس من ذلك فان الرصاص انطلق من فوهات بنادق الحكومة وان الهراوات نزلت على رؤوس الناس من عناصرها مما ادى الى استشهاد عدد من المواطنين الابرياء وجرح عدد كبير من الصحفيين الشجعان الذين ضحوا من اجل المعلومة الصحيحة والخبر الصادق.
فالدم اراقته الحكومة والروح ازهقتها الحكومة وليس الارهابيين او ايتام النظام البائد.
ثم، لنفترض ان الارهابيين يستهدفون مثل هذه التظاهرات الشعبية؛
الف: اوليس من واجب الحكومة ان تحمي هذا الحق الدستوري عندما يفكر المواطن بممارسته؟.
باء: ولو ان الارهابيين استهدفوا كل حق من حقوق المواطن، ما يدعو الحكومة الى ان تمنعه من ممارسة هذا الحق، اذن، لما حصل المواطن على شئ ابدا، اولم يستهدف الارهابيون مقار التطوع في الجيش العراقي وقوات الشرطة؟ اولم يستشهد باعمالهم الارهابية المئات بل الالاف من المتطوعين؟ فهل يعني هذا ان على الحكومة ان تغلق هذه المقار وتمنع المواطنين من التطوع؟.
جيم: ومن قال بان الحقوق يحصل عليها المواطن بالمجان؟ انها بحاجة دائما الى دم لينتزعها انتزاعا، اولم ينتزع العراقيون حق بناء النظام الديمقراطي بالدماء والارواح والدموع وبجيش الارامل والايتام؟.
اولم ينتزع الشعب العراقي حقه في ممارسة شعائره الدينية (الحسينية تحديدا) كل عام بالدماء والارواح والدموع؟ فلماذا لم يطلب منه المسؤولون ان لا يشاركوا في مسيرات عاشوراء او الاربعين مثلا؟.
ثالثا: سيتهمونكم بشتى التهم، فلا تخافوا، فالتهمة سلاح السلطات الحاكمة دائما، وان الواقع سيكشف الحقيقة امام الراي العام وعندها سيكتشف الشارع من الكذاب الاشر، ولماذا كذب؟.
انت ايها المواطن العراقي تعرف نفسك جيدا وتعرف لماذا تتظاهر وما هي اهدافك وماذا تريد ان تحققه من التظاهر، فلماذا تصغ الى التهمة وتتاثر بها وتخشاها؟.
لقد اشتكى اناس للامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام كثرة تعرضهم للنقد والتجريح والتعيير بسبب ولائهم، فقال لهم عليه السلام {اذا كانت بيد احدكم درة وقال الناس انها جوزة، هل كانت تضره؟} قالوا: لا، فقال {واذا كانت بيد احدكم جوزة وقال الناس انها درة، هل كانت ستنفعه؟} قالوا: لا، فقال {اذن لا تبالوا بما يقال عنكم وليس فيكم، ولا تفرحوا بما يقال لكم وليس فيكم}.
اما الرسالة الثانية: فموجهة الى كل المسؤولين من دون استثناء وعنوانها { قد بصرتم ان ابصرتم، وقد هديتم ان اهتديتم، واسمعتم ان استمعتم}.
مرة اخرى عض العراقيون على الجراح فاصغوا الى نداء العقل والمصلحة العامة الذي اطلقته المرجعية الدينية وعدد من الزعامات والقيادات التي غلبت المصلحة العليا للبلاد والعباد فوق اية مصالح اخرى، ضيقة وآنية، لتتحول التظاهرات المليونية في يوم الغضب الى آلاف مؤلفة فقط..
لقد منح العراقيون السياسيين ومختلف مؤسسات الدولة العراقية، المركزية منها والمحلية، فرصة اخرى ليثبتوا بانهم تعلموا الدرس واستوعبوا الغضب العراقي الهادر، وانهم سيعودوا الى رشدهم.
ان العراقيين اجلوا يوم الغضب ولم يلغوه ابدا، ولذلك فان امام السياسيين فرصة ذهبية ثمينة لن تتكرر، عليهم توظيفها بشكل دقيق وحاسم ليعيدوا ثقة الشارع بهم، وذلك من خلال:
اولا: البدء بالتفكير وبصورة جدية في تغيير المنهج الذي تديرون فيه الدولة ومؤسساتها، فالخطا في المنهج وليس في الجزئيات، وفي الاستراتيجية وليس في التكتيكات.
ولقد اشارت المرجعية في بيانها الى ذلك، ما يتطلب منكم الاسراع في تغيير المنهج بما يحقق:
الف: القضاء على المحاصصة.
باء: القضاء على كل انواع التمييز واحتكار السلطة والفرص.
جيم: الغاء كل انواع الترهل والبيروقراطية والروتين في مؤسسات الدولة، خاصة المواقع السيادية والخاصة التي تثقل كاهل الدولة والميزانية العامة.
دال: اعادة الاعتبار لمفاهيم السلطة والمعارضة تحت قبة البرلمان، ما يحقق مبدا الرقابة البرلمانية، الضمان الحقيقي لتحسين الاداء، والتقليل من الاخطاء والفشل.
هاء: تغيير قانون الانتخابات بما يضمن تحقيق مبدا (صوت واحد لمواطن واحد) لنقضي على احتكار السلطة وطريقة (زعيم العشيرة) في ادارة البرلمان.
ثانيا: تشخيص الفاسدين وطردهم من موقع المسؤولية فورا، وتقديمهم الى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، ليطمئن الشارع العراقي من ان كبار المسؤولين في الدولة لا يحموا الفاسدين، طبعا بعد ان يثبتوا له بانهم ليسوا من الفاسدين.
وليبدا كل مسؤول من نفسه ومكتبه، ليقدر على المباشرة بالاخرين.
ثالثا: الاسراع في تشريع القوانين التي تحقق مطالب الشعب، خاصة ما يتعلق بتحسين مفردات البطاقة التموينية وزيادة دخل من هو تحت خط الفقر، وفرص العمل وتحسين السكن او منحه لمن لا يمتلك سقفا يؤويه هو وعائلته، ومشكلة الكهرباء وغير ذلك من المشاكل الانية التي تنتظر حلا فوريا ولو مؤقتا.
يجب ان يواصل مجلس النواب جلساته ليل نهار ليكون بمستوى الظرف والحدث والتحدي، يدرس الواقع ويصدر التشريعات ويتابع التنفيذ ويراقب الاداء.
ما معنى ان تتحول قبة البرلمان الى منصة احتفاليات يقف عليها النائب ليسمع الشعب خطب وشعارات مكررة لم تقتل ذبابة ولم تقض على فقر ولم تبن بيتا ولم تقدم فرصة عمل او دراسة لاحد؟.
دعونا من شعاراتكم، لا نريد ان نسمع خطبكم العصماء فلقد مللنا منها، وفروا جهدكم الخطابي لليوم الذي تشتركون فيه في تظاهرة ينظمها فقراء العراق وايتامه، اما الان فنريدكم ان تنكبوا على طاولاتكم تفكرون وتخططون وتبحثون وتناقشون بصمت لتنتجوا لنا مشاريع قوانين تنقذ البلد من بلواه.
كفاكم تضييعا للوقت، اوليس من المخجل والمعيب ان اكثر من ثلث النواب يتغيبون عن جلسات المجلس في كل مرة؟ اوليس من اللصوصية ان تبدا جلسة البرلمان بحضور (256) نائبا وبعد اقل من ساعة لم يبق منهم سوى (153) نائبا فقط، بعد ان تسلل اكثر من (100) نائب من الجلسة الى الخارج حتى من دون ان يستاذنوا رئيس المجلس؟ اين هي روح المسؤولية التي يجب ان تتحلون بها اكثر من غيركم؟ وماذا ستعلمون الاجيال الجديدة؟ وكيف ستعلمونهم حب الوطن والتشبع بروح المسؤولية اذا كنتم انتم نوابهم ومن حاز على ثقتهم لا تجسدون كل ذلك؟.
لقد تنكرتم حتى للقسم الذي رددتموه تحت قبة البرلمان عندما تسنمتم مسؤولية الموقع، حتى كدتم تكونون مصداق قول رسول الله (ص) {اعظم الخيانة خيانة الامة} وهل خيانة الامة الا بخيانة الامانة؟.
لقد اثبت رد فعل مؤسسات الدولة، وعلى راسها الحكومة، ازاء يوم الغضب، ان فشلها تقصير وليس قصورا، والدليل على ذلك انها اصدرت الكثير من القرارات وبدلت وغيرت الكثير من الامور، هذا يعني انه كان بامكانها ان تفعل ذلك فيما مضى من السنين الا انها تماهلت وتكاسلت وتقاعست، ولما رات (الحديدة حارة) كما يقول المثل، سرعت الخطا لتتخذ ما يلزم، ولو كان فشلها قصورا وليس تقصيرا فكيف تمكنت، وخلال ايام قليلة فقط، من تحقيق كل هذا التغيير الذي لم تحققه على مدى السنوات الثمان الماضية؟
اما تحت قبة البرلمان، فلاول مرة يعلم العراقيون، وببركة يوم الغضب، ان عددا كبيرا من قرى وارياف محافظة السليمانية، والتي هي جزء من اقليم كردستان الذي تحرر من ربقة النظام الشمولي الديكتاتوري منذ العام 1991، وان اموال طائلة تصرف فيه سواء من عائدات البترول او حصة المركز او من حدود الاقليم، ان هذه القرى والارياف ليس فيها مستوصف، اكرر، مستوصف صحي.
وان اربيل، عاصمة الاقليم، تعاني فيها شريحة كبيرة من الناس من العوز والفاقة.
وان في هذه المحافظة او تلك، وان في هذا القضاء او ذاك، هناك كم هائل من المشاكل والنواقص وعلى مختلف الاصعدة، وكلها بسيطة جدا اذا ما قيست بالسنين الثمان التي مرت على التغيير.
اما في عاصمتنا الحبيبة بغداد فحدث عن المشاكل ولا حرج، ولكن الحمد لله فلاول مرة، وببركة يوم الغضب، بتنا نرى (الحكومة) تنظف الشوارع والاحياء.
وببركة يوم الغضب اكتشف المسؤولون ما يلي:
اولا: ان الاساليب التي استخدمتها القوات المسلحة لحماية المتظاهرين، والتي تمثلت في جانب منها بقطع الطرق واعادة نشر القواطع الكونكريتية والاعلان عن منع التجول لكل انواع المركبات ومنع المشاة، الذين قطع بعضهم عشرات الكيلومترات سيرا على الاقدام للوصول الى موقع التظاهر، منعهم من حمل قناني الماء، ربما لمساعدتهم على الموت عطشا، ان هذه الاساليب وغيرها هي مطابقة للمواصفات العالمية المعمول بها في كل بلدان العالم بما فيها المتحضر، وكلنا امل في ان يتطابق التعليم والصحة والبيئة وفرص العمل وقانون الانتخابات والعمل الحزبي والبناء والسكن وشبكة الحماية الاجتماعية والكهرباء والماء والزراعة والصناعة والتجارة وتكافؤ الفرص وغير ذلك الكثير جدا مع المواصفات العالمية كذلك، ولا ادري لما لا يتطابق شيئا من حال بلادنا مع المواصفات العالمية الا السلاح والامن والقتل والسحل والاعتقال والسجن والتعذيب؟.
فضلا عن ان الشارع اكتشف، ولاول مرة، بان قيادة عمليات بغداد، التي تشكلت لحماية المواطنين من الارهاب، قد تغيرت مهامها فهي اليوم ضد المواطنين اذا ارادوا ان يمارسوا حقهم الدستوري في التظاهر.
ثانيا: كما كشف لنا السيد رئيس الوزراء بان (العراق الجديد) استعار من احد اعظم دول العالم، واقصد بها الولايات المتحدة الاميركية، اسلوبا ذكيا وحضاريا جدا ومدنيا لمواجهة ما اسماه باعمال الشغب، والذي يتمثل بانزال الجيش الى الشارع ثم يعمد الجنود الى جر النساء من شعورهن، ناسيا او متناسيا بان الجيش الاميركي لم ينزل الى الشارع الا مرة واحدة فقط في كل تاريخ الولايات المتحدة الاميركية منذ تاسيسها قبل اكثر من قرنين، الامر الذي لازال الاميركيون يعضون بسببه اصابع الندم لما يمثل بالنسبة لهم وصمة عار في تاريخ بلادهم، فهو لم يتحول بالنسبة لهم الى نموذج لنقتبسه منهم ابدا، وبهذه المناسبة وددت ان ابشر وانبه السيد رئيس الوزراء بان الجيش عندنا لا زال في الشوارع منذ ان اسسته بريطانيا العظمى في العام 1921، فهو لم يعد الى ثكناته ابدا، فلقد ظل هذا الجيش يقمع بالشعب طوال هذه الفترة كلما تظاهر او اعتصم او طلب حقا او اعترض على سياسة، وعندما تفاءلنا خيرا بالعراق الجديد وبدستوره الذي غير من طبيعة عمل الجيش في المادة (9) اولا بما نصه (أـ تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز او اقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية، وتدافع عن العراق، ولا تكون اداة لقمع الشعب العراقي، ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ولا دور لها في تداول السلطة) اذا بك تزف لنا هذه البشرى، وتخبرنا بان جر النساء في الشوارع من شعرهن ربما يكون من حق الجندي.
كنا ننتظر ان يستعير الاخرون من تجربتنا الديمقراطية الجديدة، اذا بنا نستعير من الطغاة عباراتهم واساليبهم وممارساتهم، كالبلطجة والكذب وتزوير الحقائق وانحيازية الاعلام الذي سقطت الكثير من مصداقيته عند المتلقين، والتهم التي توجهها السلطات للمتظاهرين، والاعتداء على الصحفيين ومنع البث الحي وغير ذلك.
اما السيد رئيس اقليم كردستان، فهو الاخر بشرنا في خطاب منفعل ومتشنج على الاحداث التي يشهدها الاقليم، بانه سيقطع كل يد تمتد للعبث بامن الاقليم، من دون ان يخبرنا ما اذا كان احتكار السلطة وسرقة المال العام والتوريث واحتكار الفرص والاعتداء على الصحفيين والفساد السياسي والمالي والاداري المستشري في الاقليم وعقلية العشيرة في ادارة الدولة، انما هي جزء من هذه اليد التي تعبث بامن الاقليم ام لا؟.
اخيرا، اود ان اهمس في اذنيهما بما يلي:
ينبغي ان تكونا من اشد المسؤولين حساسية تجاه قمع الشعب، لسببين: الاول؛ هو انكما من اكثر الجهات التي تعرضت للقمع على يد نظام الطاغية الذليل صدام حسين، ولذلك فانتما تعرفان معنى القمع والدم وازهاق الارواح اكثر من غيركما، ربما.
الثاني: تعرفان اكثر من غيركما، ان كل القمع والقتل والذبح الذي تعرضتما له، واقصد البارزانيين وحزب الدعوة الاسلامية، على يد النظام البائد لم يقتلع جذوركما او يمحكما من الوجود، فها هما حزبيكما يحكمان في بغداد واربيل، ما يعني ان القمع ليس اسلوبا للقضاء على الخصم، فما بالكما اذا كان الخصم هو الشعب؟.
واتذكر كلاما للسيد البارزاني عندما نقل لنا في احد الاجتماعات المشتركة للمجلسين الرئاسي والتنفيذي في المؤتمر الوطني العراقي الموحد في العام 1992 (كنت عضوا في المجلس التنفيذي) معلقا على خبر تظاهر عدد من المواطنين ضد سلطة الاحزاب الكردية التي كانت قد تاسست للتو في اقليم كردستان، قال: انا لست على استعداد لان اقتل مواطنا واحدا من اجل السلطة، ولذلك فانا على استعداد لان اترك كل شئ واعود مناضلا في الجبال على ان اتورط بدم مواطن.
فهل يا ترى لا زلت على وعدك هذا؟ هل لازلت مصمما على ان لا تتوط بدم ضحايا الطاغية الذليل من اسر الانفال وحلبجة والبيشمركة الابطال؟ ام انها حلاوة السلطة واستحقاقاتها التي تبيح الدم والمال والعرض والروح؟.
انها تذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين.

[427: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني