ثورة الشباب وآفاق المستقبل
نزار حيدر
2011/03/09

لو كنا نقرا سنن الحياة بشكل سليم، ولو كنا نطالع التاريخ بشكل صحيح، للعبرة وليس للهو والتسلية، لما فوجئنا بما يجري في عالمنا العربي من ثورة عارمة تكتسح الديكتاتورية وتكنس ما بقي من النظام السياسي العربي الفاسد، ولما شرقنا وغربنا، بالتشديد، في تفسيرها وتحليلها لدرجة الاتهام احيانا والطعن في حقيقتها.
وبقليل من التفكر والتدبر، سنكتشف ان اهم اسباب هذه الثورة ما يلي:
اولا: سنن الله تعالى في خلقه، والتي يتحدث عنها ربنا تعالى في اكثر من آية في محكم كتابه الكريم، منها على سبيل المثال لا الحصر {سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا} {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} او كما في قول امير المؤمنين عليه السلام {يوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم}.
هذا يعني ان القانون الاجتماعي واحد يسري على البشرية منذ ان خلق الله تعالى الانسان، ولهذا السبب دعاه القران الكريم الى ان يتدبر في تاريخ الامم السالفة ففيه الكثير من العبر والدروس من اجل ان يتعلم منها فلا يتكرر عنده التاريخ بحذافيره، فقال تعالى في العديد من الايات القرانية الكريمة {قل سيروا في الارض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} {قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} {قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان اكثرهم مشركين} {افلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها او اذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} {اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة واثاروا الارض وعمروها اكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون} {او لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم اشد منهم قوة واثارا في الارض فاخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق}.
وبهذا المعنى فان مقولة (التاريخ يكرر نفسه) انما تسري على الانسان ـ الفرد والانسان ـ المجتمع الذي لا يقرا التاريخ فيتعلم منه ما يجنبه من تكرار فصوله المظلمة، وهو عادة حال الشعوب الغافلة والطغاة الجبابرة، والا ماذا يعني ان يتكرر مصير الطاغية الذليل صدام حسين مع فرعون مصر حسني مبارك اذا كان الاخير قد اعتبر من مصير سلفه، وقد كانا صديقين حميمين لا يفصل بينهما الا الفراش؟.
ان هذا الثابت الكوني هو الذي دفع بامير المؤمنين عليه السلام الى ان يستوعب تاريخ الامم السابقة وكانه عايش تجاربها ومر بمراحلها، فلقد وصف الامام ذلك بقوله في وصيته للامام الحسن المجتبى السبط عليه السلام {اي بني، اني وان لم اكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في اعمالهم، وفكرت في اخبارهم، وسرت في آثارهم، حتى عدت كاحدهم، بل كاني بما انتهى الي من امورهم قد عمرت مع اولهم الى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره}.
ومن اجل ان لا يظلم الله عباده فينسيهم ما مضى من تاريخ البشرية، لذلك فانه تعالى فصل احسن قصصهم في كتابه العزيز، قائلا {نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القران وان كنت من قبله لمن الغافلين} طبعا اذا اتخذها الانسان عبرة {لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب} اما اذا قراها للهو والترف فهي بالتاكيد ليس كذلك، والى هذا المعنى اشار امير المؤمنين عليه السلام بقوله {من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف امن، ومن اعتبر ابصر، ومن ابصر فهم، ومن فهم علم} وقوله {قد بصرتم ان ابصرتم، وقد هديتم ان اهتديتم، واسمعتم ان استمعتم}.
اكثر من هذا فان رحمة الله تعالى وحكمته شاءت ان لا تاخذ انسانا قبل الانذار، وان لا تقضي على ظالم في حال الغفلة، ابدا، ليتم الله تعالى حجته على عباده، مع ما له عليه من الحجج البالغة، فقال تعالى في العديد من ايات القرات الكريم {من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر اخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} {ان تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ان انتم الا في ضلال كبير} {ولو انا اهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع اياتك من قبل ان نذل ونخزى} {ولولا ان تصيبهم مصيبة بما قدمت ايديهم فيقولوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع اياتك ونكون من المؤمنين} {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في امها رسولا يتلو عليهم اياتنا وما كنا مهلكي القرى الا واهلها ظالمون} {ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم واهلها غافلون} {انا ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم كما ارسلنا الى فرعون رسولا} {انا ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم كما ارسلنا الى فرعون رسولا}.
ثانيا: تراكم الظلم والقهر الذي تعرضت له الشعوب العربية على مدى عقود طويلة من الزمن، ما انتج كل هذا الفقر والمرض والتخلف والسحق المنظم لحقوق الانسان والموت في مطامير السجون والقتل على الهوية والحروب العبثية وتضييع خيرات البلاد وسرقتها من قبل حفنة من المعتوهين الذين يسبحون ويمجدون بالزعيم الاوحد والقائد الضرورة، ولقد كشفت لنا الاحداث لحد الان عن جانب مما كان يخبئه الديكتاتور خلف حيطان قصوره او في بنوك العالم والتي تكفي لتحقيق اعظم نهضة حضارية لو صرفت هذه الملايين من اجل الصالح العام وخير الشعوب.
ولقد ظل الله تعالى يستدرج الطغاة الى اليوم الموعود لتتراكم الظلامات ما دفع بالشعوب العربية الى ان تحدد ساعة الصفر لتقلب عاليها سافلها على رؤوس الانظمة الشمولية البوليسية، ولقد حدثنا القران الكريم عن مثل هذه الساعات الحاسمة التي تمر بها الامم والشعوب بقوله عز من قائل {ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين} {والذين كذبوا باياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}.
ولقد شاء الله تعالى ان لا يديم سلطة على ظلم، كما اشار الى ذلك امير المؤمنين عليه السلام بقوله {وليس شئ ادعى الى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من اقامة على ظلم، فان الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد} ولذلك قيل (الحكم يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم} لان اساس الحكم هو العدل وليس اي شئ آخر، كما في القول الماثور {العدل اساس الحكم}.
اما الدماء التي اريقت من نحور الشعوب على يد الاجهزة القمعية التي بنتها الانظمة الشمولية من اموال الشعب المظلوم فحدث عنها ولا حرج، وكلنا يتذكر ما فعله الطاغية الذليل صدام حسين بالشعب العراقي على مدى نيف وثلاثين عاما عجافا خلف وراءه بعد سقوطه انهار من الدماء ومقابر جماعية ملأ بها ارض العراق الطاهرة من اقصاها الى اقصاها.
ان للدم حرارة الانتقام لا تبرد الا باخذ الله تعالى على يد الظالم، ولذلك ينبغي على من سيخلف هذه الانظمة المتهاوية، ومنهم (قادة) العراق الجديد، ان يتعلموا الدرس فلا يتورطوا بدم الشعوب، ولا يقيموا سلطانهم على جماجم الابرياء بحجج واعذار واهية، فالسلطة التي يسقي غرسها الحاكم بدماء شعبه لهي الى زوال ان عاجلا ام آجلا، وفي ذلك يقول امير المؤمنين عليه السلام في عهده الى مالك الاشتر لما ولاه مصر {اياك والدماء وسفكها بغير حلها، فانه ليس شئ ادنى لنقمة، ولا اعظم لتبعة، ولا احرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حلها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد، فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام، فان ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله} كما يقول عليه السلام {استعمل العدل، واحذر العسف والحيف، فان العسف يعود بالجلاء، والحيف يدعو الى السيف}.
ثالثا: اقامة الانظمة الحاكمة على الفساد، وعدم السعي للاصلاح تحسبا لمثل هذا اليوم.
فعلى الرغم من كل الاشارات والتحذيرات ونواقيس الخطر التي دقتها الشعوب طوال الفترة المنصرمة، الا ان الديكتاتور لم يفكر يوما في ان يصغ الى صوت الشعب او يحس بآلامه او ينتبه الى مطاليبه، حتى ازفت الآزفة وتحرك الشارع ليبدا مشهد السقوط الحتمي لهذه الديكتاتوريات الواحد تلو الاخر.
ربما سعت بعض هذه الانظمة الى ان تشتري المطاليب الحقيقية لشعوبها بحفنة من الدولارات تمن بها عليها، كما فعل (ابن سعود) مؤخرا عندما عاد الى بلاده وهو يحمل في جعبته حزمة من القرارات التي اسماها بالاصلاحات، وهي في حقيقة امرها لا تتعدى المال يوزعه على شرائح المجتمع في الجزيرة العربية، وكان المال مال ابوه او امه او اسرته، ناسيا او متناسيا انه مال الشعب الذي سرقه من افواه الجياع، وفوق ذلك تراه يمن عليهم بمثل هذه القرارات القرقوشية التي يظن انه سيشتري بها حرية الشعب وكرامته وارادته الفولاذية.
ان من اكبر الاخطاء الفاحشة التي ترتكبها الانظمة المستبدة هو انها تمن على شعوبها بمكرمات رئاسية او ملكية سامية، في الوقت الذي يجب ان يفهم الحاكم انه اجير عند الشعب وليس مالكا له ولمقدرات البلاد.
اكثر من هذا، فعندما يسعى طاغوت منهم الى ان يغير او يبدل او يصلح في محاولة منه للانحناء امام العاصفة، تراه يكذب بوعوده ولا يفي بعهوده، ما قطع كل حبال الوصل بينه وبين شعبه، كما انه حطم كل جسور الثقة مع الشارع، لكثرة ما يكذب ولشدة ما ينكث.
ولقد اوصى امير المؤمنين عليه السلام مالكا الاشتر في عهده اليه عندما ولاه مصر بقوله {واياك والمن على رعيتك باحسانك، او التزيد فيما كان من فعلك، او ان تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فان المن يبطل الاحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال تعالى {كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون}.
لقد قال مرة قائل بحضرة امير المؤمنين عليه السلام: استغفر الله، فقال له الامام {ثكلتك امك، اتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان: اولها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود اليه ابدا، والثالث ان تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله املس ليس عليك تبعة، والرابع ان تعمد الى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها، والخامس ان تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالاحزان، حتى تلصق الجلد بالعظم، وينشا بينهما لحم جديد، والسادس ان تذيق الجسم الم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: استغفر الله}.
كان ينبغي على النظام السياسي الحاكم ان ياخذ بهذا المفهوم الشامل لمعنى الاستغفار عندما يعد الشعب بالتغيير، اما ان يعد ثم ينكث فلا يفي، فما عليه الا ان ينتظر مثل هذا اليوم الذي يطرده فيه الشعب مهانا ذليلا يستجدي الكرامة بتجنب وصفه بالرئيس المخلوع، ولكن لا كرامة لظالم سحق كرامة شعبه.
واقول لكل المسؤولين في العراق، تحديدا، ان عليهم ان يفوا بما وعدوا به الشعب من اصلاح، والا فان مصيرهم سوف لن يكون بافضل حال من مصير من سبقهم من الانظمة التي وعدت ولم تف.
لقد وعدتم الشعب بالتغيير والاصلاح، وعليكم ان تفوا بذلك، وان اول علامات الوفاء هو ان يرى العراقيون (فاسدا) خلف القضبان، ليطمئنوا بان لا احد منكم يحمي الفاسدين، اما الوعود المعسولة بالتغيير والاصلاح فلا تجدي نفعا ولا تخدع مواطنا ابدا.
رابعا: الوضع الدولي الذي لا يسمح للقوى الكبرى التي ظلت تدعم الانظمة الديكتاتورية بشتى الدعم، ان تقف ضد ارادة الشعوب المقهورة ولصالح الديكتاتوريات الحاكمة، فلقد ولى الزمن الذي كانت فيه القوى العظمى (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيااتي السابق وغيرها) تبعث بقواتها المدججة بمختلف انواع الاسلحة لانقاذ طاغوت من السقوط او نظام من الانهيار او ديكتاتور من ان يتهاوى.
ان المجتمع الدولي لن يسمح لنفسه من الان فصاعدا بان تتناقض سياساته الخارجية مع شعاراته بشان الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان، ولذلك رايناه كيف انه انحاز الى جانب الشعوب المنتفضة في مصر وتونس واليمن وليبيا والبحرين، عندما دعا الطاغوت الى ان يتخلى عن السلطة لصالح التغيير الذي تنشده شعوب هذه البلدان، على الرغم من انه ظل مترددا بادئ الامر، الا ان ضغط الوضع الدولي دفعه بالنهاية الى ان يتخذ الموقف الواضح والصريح لصالح ثورات التغيير.
حتى الانظمة الملكية المعروفة بتحالفها الاستراتيجي التاريخي والتقليدي مع القوى العظمى، كنظام اسرة آل سعود في الجزيرة العربية، سينالها هذا الموقف ان عاجلا ام آجلا، اذ لم تعد القوى العظمى ترى مصالحها في دعم مثل هذه الانظمة المهترئة غير القادرة على التطور ومواكبة الركب العالمي، ولذلك فان الف فتوى قرقوشية مضحكة يصدرها فقهاء البلاط ووعاظ السلاطين لا تنقذ رقابهم من حبل المشنقة الذي تدلى بارادة الشعوب الحرة المصممة هذه المرة على االتغيير.
لقد اكتشف المجتمع الدولي ان احد اهم اسباب الارهاب العالمي هو دعمه للانظمة الديكتاتورية التي تقمع شعوبها ولا توقد اي بصيص امل في نهاية النفق، ما خلق عند الشعوب حالة من الكراهية للمجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة، التي ترى في سياساتها الخارجية تناقضا صارخا مع شعاراتها وخطاباتها السياسية الى حد النفاق، فهي تريد الحرية لشعوبها فيما تدعم الاستبداد والديكتاتورية في بلداننا.
ان المجتمع الدولي اكتشف بان الديمقراطية في العالم العربي اكثر نفعا واقل ثمنا من الديكتاتوريات، كما انها تحمي مصالحه الحيوية اكثر من الديكتاتورية.
في هذا الاطار، اتمنى على المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، ان لا تقايض شعاراتها وخطابها السياسي بشان الديمقراطية وحقوق الانسان ببرميل نفط، كما ان عليها ان لا تنخدع بما تقوله الاسر الحاكمة في الخليج، خاصة آل سعود، الذين يريدون ان يوحوا لهم بان سلطتهم فحسب هي صمام الامان الوحيد لحماية مصالحهم الاستراتيجية في المنطقة، بل على العكس من ذلك، فان وجود هذه الانظمة على راس السلطة في بلدان الخليج، كان، ولا يزال، السبب المباشر لانتشار التطرف في العالم، والذي بات اليوم يهدد المجتمع الدولي برمته وكذلك يهدد المدنية والسلم والامن الدوليين، بعد ان تحولت مملكة (آل سعود) تحديدا الى مفقس كبير للارهابيين الذين تخرجهم مدارس التكفير والكراهية والقتل.
خامسا: ظاهرة العولمة وانتشار التكنولوجيا، ما سهل على الشعوب تحقيق ارقى عملية تواصل اجتماعي وتنظيم للصفوف، لدرجة انها اضحت البديل الفعال حتى عن التنظيمات السياسية، ولعله لاول مرة في تاريخ البلاد العربية نشهد تحركا جماهيريا مليونيا في الشارع لا تقف وراءه تنظيمات حزبية وسياسية تقليدية، والتي تخلفت هذه المرة عن الركب بمسافة طويلة.
وفي نفس الاطار، فلقد لعب الاعلام بمختلف وسائله المقروءة والمسموعة والمرئية، وكذلك الاقلام الحرة التي شاركت في التحريض والتنظير، دورا محوريا في تحريك الشارع وديمومة حركته الثورية.
ومن اجل ان نعرف مدى اهمية العاملين الاخيرين، دعونا نتذكر انتفاضة الشعب العراقي البطل في 1991، عندما كان المجتمع الدولي لا يسمح باجراء اي تغيير في الخارطة السياسية للعالم العربي من دون اذن منه، فبالرغم من الجرائم البشعة والوحشية التي ارتكبها آنئذ نظام الطاغية الذليل صدام حسين، وعلى الرغم من ان الشعب حرر (14) محافظة من مجموع (18) الا ان المجتمع الدولي ظل يسند النظام الشمولي، بل انه سمح له باستخدام طائراته السمتية لتدمير المدن والقصبات المحررة من سلطته الظالمة.
كما ان الاعلام وقتها، هو الاخر، كان لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم عما يجري في العراق لان المجتمع الدولي لم يشان ان يسمح له بان ينقل ولو صورة صغيرة جدا لما يحدث هناك، وتاليا ظلت حتى الشعوب العربية تشكك بحقيقة انتفاضة العراقيين ونواياهم لان انظمتها السياسية والاعلام الطائفي والعنصري وجمهرة فقهاء البلاط لم يشاؤوا لها ان تطلع على الحقائق.
اما اليوم فقد تغيرت الاحوال لصالح الشعوب، لدرجة ان مجلس الامن الدولي اصدر لحد الان حزمة كبيرة من القرارات ضد نظام ديكتاتور ليبيا على الرغم من انه لم يرتكب معشار ما ارتكبه طاغية العراق آنذاك، فيما نرى كيف ان محكمة الجنايات الدولية مستعجلة جدا لفتح تحقيق دولي بشان ما تسميه بجرائم ضد الانسانية ارتكبها طاغوت ليبيا وابنائه ومرتزقته.
اكثر من هذا، فان دول العالم، انظمة وشعوبا، رفعت نداءا عاجلا واحدا يدعو مجلس الامن الدولي وحلف الناتو الى التدخل في ليبيا لانقاذ الشعب من بطش النظام المستبد، ما يتناقض كليا مع ذات المشهد الذي حصل في العراق عام 2003، ما يعني ان المجتمع الدولي اصبح اليوم اكثر وعيا لمسؤولياته.
اما على الصعيد الاعلامي، فاذا كانت صور حلبجة وكربلاء، مثلا، غير مسموح لاحد بنشرها في ذلك الوقت، من اجل الصالح العام او خوفا على الامن والسلم الدوليين، فان صور الشارع المصري والتونسي والليبي والبحريني ينقلها الاعلام لحظة بلحظة.
وعندما يشهد العالم العربي كله، وفي وقت واحد، مثل هذه الثورة العارمة فان ذلك دليل على تشابه النظام السياسي الحاكم، من جانب، وعلى ان هذا النظام هو منظومة فاسدة تشتمل على ما يلي:
*السلطة السياسية الحاكمة.
*المؤسسة الدينية من فقهاء بلاط ووعاظ سلاطين.
*جيش المثقفين والاعلاميين.
*المعارضة بكل اتجاهاتها.
ولهذا السبب فجر الشباب هذه الثورات بعد ان تجاوزوا الموروث الفاسد مما ذكرناه اعلاه، طبعا باستثناء القلة القليلة في الفقرات (1،2،3) التي لعبت، ولا تزال، دورا ايجابيا في كل الذي يحصل.
لقد اعتمدت السلطة السياسية الحاكمة في بلداننا على مؤسسة دينية فاسدة، تصدر فتاواها تحت الطلب، تبرر للظالم جرائمه، وتسكت عن الفساد السياسي والمالي والاداري، ولا تقل كلمة الحق عند سلطان جائر، فتحولت الى شيطان اخرس عندما سكتت عن حق المواطن في حياة حرة وكريمة.
وان اخشى من اخشاه ان نشهد من الان فصاعدا ظهور طبقة، في العراق تحديدا، يمكن ان نطلق عليها صفة (مراجع السلاطين) او (مراجع البلاط) ممن ياتمرون باوامر السلطة عند اصدار فتاواهم.
انني احذر من نمو هذه الظاهرة التي راينا ارهاصاتها خلال الاسبوعين الاخيرين، ما يعرض مصداقية المرجعية الدينية التي ظلت على مر التاريخ متلاحمة مع الناس، تتحسس آلام الفقراء وتعيش معاناة المحتاجين، الى الخطر.
اتمنى على مثل هذه المرجعيات ان تعيد النظر في منهجها (السلطوي) فاذا كنا نعيب على المؤسسة الدينية في بلداننا العربية الاخرى انها جزء من منظومة الحكم والسلطة، فان من العيب والخطر في آن ان تتحول بعض مرجعياتنا الى ابواق بيد الحاكم، تخدمه على حساب مصالح الناس، وتتدخل لانقاذه من غضبة الناس في الساعات والاوقات الحرجة.
كما ان السلطة السياسية الحاكمة اعتمدت على جيش من (المثقفين) والاعلاميين الذين لا هم لهم الا التسبيح والتمجيد بالسلطان الظالم، واجهزته القمعية التي كممت الافواه وقمعت الصوت الحر.
لقد كشفت الاحداث عن مدى انحيازية اعلامنا، خاصة السلطوي، كما كشفت عن مدى تشبع المثقفين والاعلاميين بمرض الطائفية والعنصرية الذي دفعهم الى ان يكيلوا بمكيالين وبطريقة نفاقية قل مثيلها.
فضلا عن ذلك، فان الحكم نجح بطريقة او باخرى في تدجين فصائل المعارضة كل سحب متبنياته وتوجهاته الفكرية والسياسية واحيانا الايديولوجية، وحسب نقاط ضعفه، ولذلك راينا كيف ان الشارع العربي تجاوز في ثورته الحالية جل قوى المعارضة الا من خرج منها بدليل، من تلك القوى التي تمكنت من تطوير نفسها لتواكب الحدث وحاجات العصر واهداف الشعوب.
لقد اثبتت الاحداث ان المعارضة في بلداننا اصبحت جزءا من الماضي، ولذلك فشلت في تبني مطالب الشعب، فيما حاولت بعض فصائلها ان تركب الموج وتستغل الفرصة للحوار مع الانظمة المتهاوية، لولا ان عجل الشارع في اسقاط النظام السياسي فاغلق الباب امام هذه المعارضات واسقط احلامها الوردية.
ان ما تنجزه الشعوب العربية اليوم من عملية تغيير تاريخية هي الاولى من نوعها منذ تاسيس الدول العربية بحدودها الحالية ولحد الان، يعد منجزا مهما، الا ان الاهم منه هو منجز عملية البناء الديمقراطي، فكما هو واضح فان عملية الهدم سهلة جدا بالقياس الى عملية البناء، ليس في حياة الامم والشعوب وانما في كل شئ، فانت اذا اردت ان تهدم بيتك فان ذلك لا ياخذ منك اكثر من عدة ايام اما عملية اعادة بنائه فقد تاخذ منك اشهرا وربما اكثر من عام كامل، فما بالك بعملية اعادة بناء النظام السياسي الجديد على انقاض الديكتاتورية والنظام الشمولي البوليسي؟ بالتاكيد انها ستاخذ وقتا طويلا، وهي بحاجة الى جهد ثقافي استثنائي يتناسب وحجم المنجز التاريخي والحضاري الذي تتطلع اليه الشعوب العربية.
هنا يشخص واجب المثقفين والمفكرين والعلماء والفقهاء الحقيقيين ممن لم يدوروا في فلك الطاغوت فيما مضى من الوقت، ليبادروا فورا الى التنظير لعملية البناء الحضاري، مستفيدين من حماسة الشباب وتطلعاتهم الجديدة، اولئك الذين تعلموا من تجارب دول العالم المتحضر الكثير من الرؤى الحضارية السليمة التي تمكنهم من بناء بلدانهم على اسس سليمة وصحيحة.
ان التنظير لعملية بناء النظام السياسي الجديد يجب ان تعتمد على الاسس التالية:
اولا: التداول السلمي للسلطة، فلا توريث ولا انقلابات عسكرية، من اجل القضاء على مرض احتكار السلطة من قبل اي كان، فان الله تعالى لم يخلق الناس قسمين، الاول للسلطة والثاني للسخرة، ابدا، فان كل مواطن قادر على ان يشارك في العملية السياسية، من كل حسب قدرته وخبرته وطاقته وكفاءته.
ثانيا: تكافؤ الفرص، فلا يحق لاحد ان يحتكرها لنفسه وعشيرته وحزبه، فالفرص حق مشاع للجميع.
ثالثا: الحرية، وعلى راسها حرية الاعلام والتعبير، وحق الاختيار، من خلال الاحتكام الى صندوق الاقتراع لانتخاب المسؤول في الدولة، بدءا من رئيس الجمهورية الى ابسط مؤسسة حكومية او مدنية.
رابعا: العدالة الاجتماعية، فلكل مواطن حق في خيرات بلاده، لا يحق لاحد ان يحتكرها ويمنعها عنه.
خامسا: المجتمع المدني، من اجل الغاء عسكرة المجتمع، والقضاء على الارهاب والعنف بكل اشكاله.
سادسا: دولة الدستور والقانون والمؤسسات، للقضاء على عملية شخصنة الدولة، وفردية القرارات.
سابعا: فصل المؤسسة الدينية عن بقية مؤسسات الدولة، وكذلك اقرار مبدا فصل السلطات.
ان هذه الاسس وغيرها يجب ان تاخذها بعين الاعتبار عملية التنظير للنظام السياسي الجديد من اجل ان يقوم البناء على قواعد سليمة فلا تتكرر تجارب الديكتاتورية والتجاوز على الدستور والقانون وقرارات الاحكام العرفية ونزول الجيش الى الشوارع لابسط الاسباب وسحق حقوق الانسان.
ان البناء السليم للدولة الحديثة هو الذي يبني بلدا مستقرا ليس فيه امي ولا مريض ولا جائع ولا ارهابي ولا سلطة غاشمة ولا حاكم ظالم.
ولتكن القاعدة في بناء الدول قول امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام {يستدل على أدبار الدول بأربع: تضييع الأصول والتمسك بالغرور وتقديم الأراذل وتأخير الأفاضل}.

[450: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني